العراق في مواجهة التصعيد الأمريكي–الإيراني

قراءة أكاديمية في الصراع غير المتكافئ وإستراتيجية الصبر الإستراتيجي

د. عمار أحمد إسماعيل المكوطر

2026-02-07 03:37

تمثل الأزمة الأمريكية–الإيرانية اليوم أنموذجا واضحا للتفاعل بين قوى عظمى تتربع هرم النظام الدولي وتوازنه الاستراتيجي، وقوة إقليمية تعديلية تنشط في بيئة سياسية واستراتيجية معقدة ومضطربة غير مستقرة، إذ تتداخل فيها العوامل الجيوسياسية والاقتصادية والأمنية لتشكيل توازنات هشة تتأثر بأي تحرك داخلي أو خارجي مفاجئ يصدر من أي طرف من أطراف التوازن العالمي أو الإقليمي.

وفي هذا السياق، يظهر العراق بوصفه رقعة جغرافية حساسة وحلقة وسطية بين محورين متصارعين، الأمريكي والإيراني بنفوذهما المباشر وغير المباشر وشراكاتهما الدولية والإقليمية، وشبكاتهما السياسية والأمنية والاقتصادية المتعددة المتنافسة والمتصارعة. 

إن دراسة هذا الواقع تتطلب مقاربة تحليلية دقيقة واستشرافيه، تعتمد على نظريات الصراع الدولي، وديناميات التوازن الإقليمي، وإستراتيجيات الصراع غير المتكافئ، ذلك لفهم سيناريوهات التصعيد المحتملة وآليات إدارة المخاطر.

أولاً- النهج الأمريكي، الضغط الأقصى والمخاطر الاستراتيجية:

اعتمدت الولايات المتحدة منذ بداية العقد الأخير سياسة الضغط الأقصى إزاء إيران، عبر أدوات اقتصادية، وسياسية وعسكرية متمايزة، تشمل العقوبات المكثفة، والسيطرة على الفضاء الدبلوماسي، والتهديد باستخدام القوة المباشرة أو غير المباشرة.

ومن منظور الواقعية السياسية، تهدف هذه السياسة إلى إعادة رسم لأدوار ووظائف القوى الإقليمية وفرض شروط الإذعان على إيران. بيد أن هذا النهج يحمل مخاطر جسيمة:

1- سوء التقدير الإستراتيجي، إذ أن الإفراط في الضغط قد يدفع بصانع القرار الإيراني إلى خطوات انتقامية، أو إلى التصعيد عبر وكلائه، وهو ما يظهر جليا في تجارب الصراع بالوكالة في المنطقة.

2- تعقيد بيئة الفاعلين الإقليمين والدوليين في المنطقة، حيث تتداخل مصالح الدول الإقليمية –مثل العراق وسوريا ولبنان– مع مصالح القوى الكبرى، ما يزيد من احتمالات الانزلاق خارج السيطرة لأطراف من داخلها للمشاركة في الصراع مما يحملها ودولها المسؤولية الدولية.

3- التأثير غير المباشر على الدول الوسطية، فالعراق كمثال، يصبح ساحة اختبار لتوازنات القوى الإقليمية والدولية وصراعاتها، مما قد يهدد استقراره الداخلي واستدامة مؤسساته السياسية والاقتصادية وبُنيته التنموية الأساسية.

ثانياً- إيران واستراتيجية الصبر الاستراتيجي:

تعكس السياسة الإيرانية أنموذجا فريدا للإدارة الإستراتيجية للصراع غير المتكافئ، إذ بدلا من المواجهة المباشرة، تعتمد طهران على ثلاثة أبعاد رئيسة:

1- الضغط غير المباشر عبر الوكلاء، دعم الحلفاء في محور المقاومة لخلق ميزان قوة موازن، دون الانخراط في مواجهة عسكرية مباشرة.

2- المناورة الدبلوماسية والسياسية، استثمار القنوات الإقليمية والدولية لكسب الوقت وتخفيف الضغوط الاقتصادية والسياسية.

3- الحفاظ على التماسك الداخلي، فبالرغم من العقوبات والعزلة، تسعى إيران لتعزيز استقرارها الداخلي عبر الشبكات الاقتصادية والسياسية والأمنية.

هذه الاستراتيجية تتوافق مع مفهوم الصبر الاستراتيجي في الدراسات الإيرانية الحديثة، التي تشدد على أن الهدف الأساس ليس الانتصار العسكري المباشر، إنما إدارة الصراع ضمن هوامش محسوبة وتحويل الضغط إلى أداة تفاوضية طويلة المدى.

ثالثاً- العراق كساحة اشتباك غير مباشر:

يمثل العراق حالة نموذجية لدراسة تأثير الصراع بين القوى الكبرى على الدول الوسيطة، ذلك لأسباب عدة منها:

1- وجود مصالح أمريكية مباشرة، وكذلك القوات الأمريكية ومراكز النفوذ العسكري والسياسي، تجعل من العراق محورا لتوازن القوى. 

2- النفوذ الإيراني الواسع، الشبكات السياسية والأمنية والاقتصادية تتيح لإيران ممارسة الضغط الاستراتيجي دون مواجهة مباشرة مع واشنطن.

إن هشاشة المؤسسات والقرار السياسي والانقسامات الطائفية والسياسية تجعل من الصعب على الحكومة فرض سيادة كاملة، ما يزيد من احتمالية أن يصبح العراق ساحة لتجربة إستراتيجيات الضغط بالوكالة.

رابعاً- مشاهد التصعيد المحتملة:

يمكن رسم ثلاث مشاهد رئيسة لمسار التصعيد الأمريكي–الإيراني وانعكاساته على العراق:

1- مشهد الاحتواء المحدود. وذلك عبر تصعيد سياسي وإعلامي مستمر مع تشديد العقوبات، دون الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة، ويبقى العراق تحت ضغط أمني قابل للاحتواء.

2- مشهد الاشتباك غير المباشر. حيث التصعيد عبر الوكلاء والساحات الهشة، ويصبح العراق ميدانا لتبادل الرسائل العسكرية غير المباشرة.

3- مشهد الانفجار الواسع. إنه المشهد الأخطر، وقد يكون الأقرب الآن في ظل التحشيد العسكري الأميركي الحالي، إذ قد تؤدي المواجهة العسكرية بين إيران والولايات المتحدة، إلى تهديد أمن العراق واستقراره.

خامساً- خيارات العراق الاستراتيجية:

أمام هذه المشاهد المعقدة، يتعين على العراق اتخاذ قرارات دقيقة لتعزيز سيادته واستقرار الداخل من خلال ما يأتي:

1- تبني سياسة النأي بالنفس، وتفعيل الدبلوماسية الوقائية لتفادي الانزلاق في صراع بالوكالة. 

2- تعزيز الوحدة الوطنية بالحد من الانقسامات السياسية والطائفية التي تقلل قدرة الدولة على إدارة أزماتها.

3- إعادة تعريف الوجود للأجنبي بما يتوافق مع المصالح الوطنية العليا ويحد من تحويل العراق إلى ساحة لتجربة الصراعات الإقليمية.

ومن خلال ما تقدم، إن التصعيد الأمريكي–الإيراني ليس مجرد أزمة عابرة، بل تعبير عن صراع طويل الأمد على النفوذ وإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية. إن العراق بحكم موقعه الإستراتيجي وتعقيداته الداخلية، يبقى الأكثر تأثراً والأقل قدرة على تحمل كلفة هذا الصراع.

وبالتالي، فإن حماية العراق من تداعيات هذا التصعيد تتطلب رؤية وطنية جامعة، وإرادة سياسية رشيدة، وسياسات استباقية تحمي مصالح الدولة قبل أي حسابات لمحاور خارجية.

ذات صلة

الشباب وتحديات الانتظار.. بين العصر الرقمي وعصر الظهوربناء الثقة.. الحلقة المفقودة في معادلة الأمن الوطني العراقيمن فتح ملف ابستين في توقيت حرب ايران؟‏تداعيات عودة المالكي للمشهد السياسيساسة العقل ومناهج الفطرة