سوريا وإدارة التوتر: العراق في دور ممتص الصدمات

أنور مؤيد الجبوري

2026-01-29 03:34

يمثل المشهد السوري اليوم انعكاساً لمرحلة إقليمية بالغة التعقيد، تتسم بتآكل الصيغ التقليدية للأمن الجماعي والانتقال العميق من منطق الصراعات الصفرية المفتوحة إلى أنماط أكثر تعقيداً تعتمد "إدارة التوتر" بدلاً من إنهائه؛ إذ لم يعد النزاع السوري مجرد مواجهة داخلية، بل تحول إلى عقدة توازن إقليمي تتقاطع عندها استراتيجيات إعادة التموضع ونقل الأعباء بين القوى الفاعلة دولياً وإقليمياً. 

وبناءً على هذا الواقع، دخلت الساحة السورية فعلياً مرحلة "اللا حرب واللا سلم" نتيجة تراجع العمليات العسكرية الكبرى لصالح صراعات منخفضة الوتيرة، وهو تحول لا يشير بالضرورة إلى اقتراب الحل السياسي، بقدر ما يعكس استقراراً في منهجية إدارة النزاع التي باتت مفضلة لدى القوى الدولية لما توفره من قدرة على الضبط الميداني دون الانخراط في استحقاقات الحسم المكلفة.

وفي هذا السياق، لم يعد الوجود العسكري الدولي مرتبطاً بتحقيق انتصار تقليدي، بل بات يؤدي وظيفة بنيوية لمنع تشكل فراغ أمني شامل وضبط حدود الحركة أمام الفاعلين الإقليميين، مع الحفاظ على مستوى محسوب من التوتر يسمح بإدارة التوازنات الجيوسياسية. 

ومن هنا، تبرز مناطق شرق الفرات والبادية السورية كمساحات رخوة داخل هذه المعادلة، حيث تحولت إلى بيئات حيوية للتنظيمات المتطرفة التي اعتمدت أنماط عمل شبكية مرنة، مما يضع دول الجوار، وفي مقدمتها العراق، في قلب المعادلة الأمنية المعقدة نتيجة التداخل الجغرافي العضوي.

وارتباطاً بهذه المعطيات، يكتسب قرار نقل عدد من عناصر تنظيم "داعش" المحتجزين في سوريا إلى العراق دلالات استراتيجية تتجاوز الجانب الإجرائي، ليصبح جزءاً من عملية إعادة ترتيب أوسع لأعباء الصراع؛ إذ تسعى القوى الدولية عبر هذا الإجراء إلى تفريغ نقاط الضغط الحساسة في شرق الفرات مع إعادة تموضع ملف الإرهاب داخل الجغرافيا العراقية ضمن سقف محسوب من التنسيق. وتمثل هذه الخطوة نموذجاً صريحاً لسياسة "نقل العبء الاستراتيجي"، حيث يتم توزيع المخاطر الأمنية بدلاً من معالجتها جذرياً، ليجد العراق نفسه مساحة "امتصاص جيوسياسي" ضمن توازنات دقيقة، لا فاعلاً حراً بالكامل ولا طرفاً مستهدفاً مباشرة، في ظل تحول مخيمات الاحتجاز مثل "مخيم الهول" إلى بيئات لإعادة إنتاج الفكر المتطرف.

ختاماً، فإن هذه التطورات التي تتزامن مع إعادة تموضع موازين النفوذ الإقليمي داخل سوريا، تجعل من العراق الطرف الأكثر تأثراً بارتدادات المشهد نتيجة موقعه الجغرافي، مما يفرضه في موقع "ممتص الصدمات" أمنياً وسياسياً. ولما كانت المعطيات الراهنة لا تشير إلى تحولات دراماتيكية وشيكة، بل تعكس مساراً تراكمياً لإعادة تشكيل الإقليم عبر إدارة التوتر لا إنهائه، فإن ذلك يضع العراق أمام اختبار مستمر لقدراته على الانتقال من سياسة "رد الفعل" اللحظية إلى بناء رؤية استراتيجية وطنية قادرة على التعامل مع هذه الصراعات الممتدة والمعقدة في محيطه الإقليمي.

وعلى ضوء هذه القراءة، يتطلب المشهد من صانع القرار العراقي تجاوز استراتيجيات الاستجابة الآنية نحو بناء "مصدات أمنية وسيادية" استباقية، تبدأ من تعزيز التنسيق الاستخباري عالي المستوى لتأمين الحدود المشتركة، ولا تنتهي عند المبادرة بطرح رؤية إقليمية تجعل من العراق شريكاً في الحل لا مجرد مستودع للأعباء العابرة للحدود. إن القدرة على تحويل التحديات الأمنية الناجمة عن ملفات المعتقلين والمخيمات إلى فرص لفرض السيادة القانونية والسياسية، هي الكفيلة بنقل العراق من دور "ممتص الصدمات" إلى دور الفاعل المتزن الذي يمتلك زمام المبادرة في حماية أمنه القومي وسط إقليم لا يزال يغلي فوق رمال متحركة.

ذات صلة

لماذا سوَّدوا وجهَ التاريخمركز الفرات ناقش.. تشكيل الحكومة العراقية بين الضغوط الاميركية والنفوذ الإيرانيأزمة ترشيح المالكي والصدام المحتمل مع واشنطنالشرق الأوسط أمام فريقين متنافسين جديدينلماذا لا يعود المسؤول العراقي إلى حياته الطبيعية بعد انتهاء منصبه؟