الفلسفة والأدب

احمد شحيمط

2026-01-26 04:39

الأدب فن القول والتعبير في غمار التجربة الإنسانية، وتجارب الإنسان في الحياة، الأدب تعبير عن ما هو جمالي وفني، وتعبير عن الواقعي والمتخيل، يطلق على كل الأجناس، والأشكال التعبيرية، من رواية، وشعر، ومسرح ودراما، حيث يرتوي الأدب من الفكر والعواطف الإنسانية، ويهدف إلى تنمية الذوق، والتأثير الوظيفي على واقعنا بتغييره أو السعي لتطويره من خلال الأثر الذي يتركه الأدب، من نثر وشعر، وقصائد، وروايات، غاية في الواقعية والخيال.

 لذلك يهيم الأديب في التاريخ والثقافة، ويستطيع رواية الممكن، وخلق عالم مفعم بالكلمة الرنانة، والعواطف الجياشة، والتصوير الفني البليغ للتاريخ والواقع، ينهل الأدب من التاريخ، وعبق الثقافة والتراث، من خيال الفنان، وقلم المبدع، ومن فيض الشاعر الذي يقيم في أحضان اللغة، ويعبر بالكلمات عن ذاته وواقعه، يشعر بالاغتراب المزدوج، ويميط اللثام بالذم أو المدح عن أشياء، ويرسم بذلك صورة لكل من يرغب أن يفهم بالكلمة، ولمن يعتصر قلبه شوقا إلى التغيير والتفسير، الأدب المكتوب، والأدب الشفهي، أنماط وأشكال تثري الأدب بالمواضيع، والقضايا المختلفة من الثقافة والقيم، الأدب المحلي، والأدب العالمي، الأدب في سياقات متعددة، عالمية الأدب إبداع بلا حدود، وخيال بلا عوالم، أدب بلا ضفاف، أدب لا يعرف التقادم أو التقليل من قيمته وأهدافه، يروم الإبداع التأثير على النفس الإنسانية والسلوك، وخلق كيانات متحضرة، ومجتمعات متمدنة.

 الأدب المسافر أو الأدب العابر في الزمان والمكان، لا يعرف التقادم، لا تحده حواجز أو تقيده أصفاد، ينطلق من مكان نحو آخر، ويبقى حيا، وخير الأمثلة، الأدب العربي في المقامات والمحكيات والشعر، وتركة فطاحل الشعراء العرب، من العصر الجاهلي إلى العصر الحديث، وما يتعلق بالتراث الشفهي ومجالس الأنس، المعري في رسالة الغفران، والجاحظ في لغة البيان والتبيين، والمنفلوطي في النظرات والعبرات، نجيب محفوظ في السرديات عن المكان والشخصيات بحثا عن تجليات وعوامل الهزيمة النفسية والفكرية للجيوش العربية من حرب 1967، كذلك في طبيعة الشعر العميق الذي يرتوي من صفاء القلب، ونقمة الشاعر، واغترابه عن دياره، وحال مجتمعه.

 الشعر العربي القديم، من شعراء الجاهلية، والشعر من دهاء الشعراء العرب كالمتنبي وأبو تمام والبحثري وأحمد شوقي، كل أمة قائمة في التاريخ ركبت أمواج الأدب، أنتجت شعراء وأدباء، عمر الخيام والأدب الفارسي، طاغور ومحمد إقبال في الأدب الهندي، هوميروس في الأدب الإغريقي، وغوته في الأدب الألماني، وشكسبير في الأدب الانجليزي، وتولستوي في الأدب الروسي، وغيرهم من عمالقة الفكر والأدب.

 والفلسفة بالمعنى العام بمثابة تاريخ للفكر البشري، تهدف للوصول إلى الحقيقة، وماهية الأشياء، لا تدعي امتلاك الحقيقة المطلقة، تنطلق من السؤال والدهشة، وتعبر الفلسفة عن تجليات الوجود المادي والإنساني معا، تتولد من الفلسفة أسئلة عن الحياة، إنها تفكير في معنى الوجود والموجود، انتشال الإنسان من براثن الأسطورة، تمرينات روحية في الظفر بالسعادة والسكينة، تمرينات ذهنية على التأمل، وإدراك طبيعة العالم والآخر، علاقة تكامل وتفاعل بين الذات والموضوع، تمتد الفلسفة نحو كل فروع المعرفة بوصفها نسق متكامل من الأجزاء، تتضمن الوجود والمعرفة والقيم، الفلسفة ممارسة استدلالية، وممارسة أسلوبية، بناء للمفاهيم، تشخيص للواقع، تفكيك للثابت وخلخلة للمعنى، هدفها بناء عالم ممكن للعيش المشترك من خلال الإلتقاء والاختلاف.

 ليست الفلسفة بالضرورة شاعرية، ولا تروم الثبات على ما هو جمالي وفني، كما هو سائد في الأدب، تلتقي الفلسفة مع الأدب في اللغة والأسلوب، تتوسل الفلسفة باللغة بوصفها مسكن الوجود حسب الفيلسوف "هايدغر"، اللغة الفلسفية تكشف عن المعنى والحقيقة وراء ركام من الغموض واللبس، الكشف عن حقيقة الوجود والموجود بالسؤال والنقد، حكماء اليونان القدماء من قبيل، طاليس ويارميند وهراقليد، يعرضون قصائدهم وأشعارهم من خلال الشعر، يفيض الشعر حكمة في انتشال المعنى من الغموض والتحجب، يضعون الكلمة في مغزى الطبيعة وحقيقة الوجود.

 هؤلاء الفلاسفة تفلسفوا، واعتبرهم نيتشه فلاسفة حقيقيون، وأول الفلاسفة طاليس الذي استطاع من خلال فكرة غريبة وجديدة أن يبلور مبدأ في تفسير الأشياء وطبيعتها، تفكير من رحم التأملات، ومن طبيعة الأشياء، وخصائصها المادية، يوقظ التفكير في الوجود صلابة الذهن في الفهم، لذلك عبروا عن النبع الأصيل للفلسفة في العصر المأساوي الإغريقي، قوة الشعر المفعم بالحكمة والدلالة، وإذا كان أفلاطون أخرج الشعراء من جمهوريته، لأن الشعر يقوم على فن المحاكاة ويحاكي العالم الحسي، فإن الشعر يبقى وسيلة لإيصال الفكرة الفلسفية بلغة شاعرية ودقيقة، الدقة ليس بالمعنى البلاغي، الدقة بدلالة الكلمات المفعمة بالحكمة، صوفية الكلمات، وعمقها الفلسفي في النظر للوجود والأشياء، النظر العقلي والحسي من منطلق الصيرورة والتغير.

 وكذلك من منطلق السكون والثبات، سلاسة اللغة، وبساطتها من حيث الدلالة، وتدفق المعنى جعل أفلاطون في "المحاورات" يسلك طريقا آخر للتعبير، وترويض الكلمات والأفكار، استعمل الاستعارة والصور، اختار أسلوب الحوار وتفنيد المغالطات على الطريقة السقراطية، توليد المعرفة من النفوس، منهجه قائم على الفحص، والعناية بالكليات، والصرامة في تعريف المفاهيم والألفاظ، سحر المعلم سقراط ترك بصمة في ذهن أفلاطون، وبالتالي، وفاء للمعلم جاءت المحاورات بصيغة بسيطة ومكثفة بالدلالة والقيمة، تروم بناء عقول الشباب، وتكريس نمط جديد من التعليم والتعلم، وبناء النفوس على السؤال، والتحرر من نمط التفكير الجاهز. ولذلك اعتبر سقراط محاكمته ادعاء عام للنيل من فكرته المنتشرة.

 التف الفيلسوف على السؤال، استعان بالأسطورة والرمز، والغاية إيصال الفكرة الفلسفية من خلال الثبات على عالم المثل، عالم الحقائق، والماهيات الثابتة، الحكيم اليوناني، فيلسوف، ورياضي، وشاعر وموسيقي، يتذوق عذوبة الكلمات وسحرها، وينقل التجربة الذاتية في غمار البحث عن حقيقة الحياة من خلال السكينة والهدوء، الحكمة العملية تحقيق للحياة الرغيدة.

 الفلسفة فن للعيش وأسلوب حياة، ويقوم الأدب كما وضع أسسه أرسطو في كتابه" فن الشعر" على ثلاث أشكال منها، التراجيديا والكوميديا والملحمة، مقام الأدب تعبير عن العواطف الإنسانية، ومحاكاة الواقع من خلال قدرة الأديب والشاعر على رصد الممكنات، وتبليغ الفكرة للتأثير في النفس والأفعال، وتسعى البلاغة كقوة في التأثير، والحجاج كخطاب فلسفي يروم الإقناع، واستمالة المخاطب من خلال لغة قائمة على البيان، والتبليغ للفكرة، وبناء على أركانه الأساسية التي تجمع بين الباتوس (حالة المستمع، وانفعاله في تقبل الخطاب)، والايتوس(شخصيته المتكلم، ومصداقيته الأخلاقية في توصيل الفكرة )، واللوغوس (قوة الخطاب، ومضمونه الفكري، وتماسكه المنطقي)، دعائم البلاغة التي تعتمد على حضور الأدب والنقد معا، تنم عن وحدة المعرفة، عن اللغة التي تضيف للفلسفة القيمة في التفكير، والتعيير بأشكال متعددة، من الأسلوب والبيان، أشكال التفكير حسب "أرسطو" كذلك تتدرج من الأدنى إلى الأعلى، من السفسطة، والجدل إلى البرهان، وبعيدا عن الصرامة المنطقية، والحقائق الصلبة، وتلك المفاهيم المجردة التي ظلت الفلسفة تسعى للبحث فيها، حاولت الفلسفة العاصرة ومن خلال أعلامها أن تسلك مسلكا آخر يتعلق بالليونة والمرونة في التعبير عن ظواهر وقضايا بلغة أقل تجريدا. 

الفلسفة التحليلية وتحليل المشكلات الفلسفية باعتبار الفلسفة فاعلية ونشاط في إزالة الغموض عن الفكر، مشكلة الفلسفة في سوء استخدام اللغة وغموضها.

 أن نجعل الفلسفة تمتد كما قال "دولوز"، الامتداد إلى فروع من المعرفة، ومجالات تنفتح فيها الفلسفة على السينما والشعر والأدب والفن، توظف الفلسفة من الأدب الحكايات والقصص والروايات، انفتاح مشروع لا يقوض معالم الفلسفة، ولا يقلل من شأنها، بل يغني مسارها وتنوعها، الفكرة الفلسفية يتبناها الأديب عن طريق الأدب، فكرة تتعلق بالوجود والحقيقة والحياة، الفكرة التي يركبها الأديب في قالب حكائي بتحطيم العلاقة بين المرئي واللامرئي، تقارب بين الإبداع الأدبي والعمق الفلسفي، في المسرحيات والروايات، الرواية التي تدور في فلك الفلسفة، وتركب الحقيقة برؤية فلسفية مفتوحة على الإمكانيات، ومفعمة بالحيرة والسؤال والقلق من قبل الروائي، روايات بدون نهايات قطعية، روايات لا تنتصر للبطل الأحادي، متشظية، ومنقسمة بانقسام الشخصيات النامية والمواقف.

 روايات ما بعد الحداثة، تشخيص مأزق الوجود الإنساني، سرديات عن صراع الإنسان مع عبثية الحياة وهموم الذات، حدود الفعل الإنساني أمام مغريات الحياة السائلة، تفكك الروابط الاجتماعية والإنسانية، الاغتراب والبحث عن المعنى، رحلة الإنسان الشاقة للظفر بالسعادة والسكينة، رحلة الإنسان في عالم تحكمه القوة، اكتشاف نوازع الإنسان نحو الخير والشر، أعمال "كافكا" وسارتر، وألبير كامي ومارسيل بروست، وميلان كونديرا، وكيبركجارد، وأعمال روائية من أمربكا اللاتينية، من ماركيز إلى ساراماغو، وبابلو كويلو.

 التعبير بلغة أدبية، ومحاولة الغوص في التجربة الإنسانية بمنطق فلسفي يروم تبيان هشاشة الوجود الإنساني، تكشف الأقلام الأدبية عن حدود الإنسان في الفعل أمام تحديات العالم، حدود أمام الحتميات، وما يحيط بعالمنا من أزمات تنذر بالنهاية والأفول، لقد عبر الأديب عن الهشاشة النفسية باعتبار الإنسان كائن زماني مهدد بالفناء والموت، كتب "هايدغر" بلغة شاعرية مفعمة بالحذر والترقب لمصير الإنسان من جراء التقنية، كتب عن غياب السؤال في دلالة الوجود، وكتب عن الغياب الذي جعل الإنسان يتخبط في الوجود المزيف، الكتابة بلغة القلب دليل على مشاعر إنسانية أو دليل على القلق الذي يحيط بنا، ولا ندرك طبيعته.

 يكشف القلق عن العدم، قلق الإنسان من ذاته، لا يعني القلق من حضور الغير في حياتنا بوصف الآخر الجحيم الذي يقلل من الحرية والعفوية، ونشعر بالضيق والحرج من وجوده بتعبير سارتر، بل القلق على شيء غير ملموس، القلق يفزعنا من تناهي الوجود، القلق الذي يدل أننا كائنات فانية وزمانية، معلقة بين الحياة والموت، لذلك ارتأى الفلاسفة صبغة معينة للعيش مع النسيان، العيش وفق ما يرسمه الإنسان لنفسه من قناعات ومبادئ، السبب الوحيد للظفر بالوجود الأصيل، أن نحيا حياة السكينة والهدوء، أن نحيا على أمل أن نحيا بعيدا عن الرتابة والثرثرة والفضول، إذا كان الأمر يتعلق بالفلسفة، وقضية وجود الإنسان فإن الأدب بدوره لا يخلو من نسمات فلسفية، يتضمن الأدب البعد الوجودي، وحقيقة الإنسان من خلال التعمق في أهداف ونوايا الشخصيات، أشواق النفس مادة الأدب، نوازع الإنسان نحو الفعل تشكل قيمة التعبير والإنشاء من خلال تحديد متعدد للوجوه، وللشخصيات التاريخية والشخصيات المتخيلة، الأدب يجسد تفسيرا فنيا للعالم، الأدب يزيل الحدود، ويرسم معالم فنية للشخصيات المتخيلة بنظرة لا تخلو من فلسفة، أعمال فلسفية في قالب أدبي، وأعمال أدبية في قالب فلسفي، سارتر والوجود الإنساني، رحلة البحث في طبيعة الموجود من خلال القلق والحرية، تجربة الإنسان في واقع الحياة، اصطدام الموجود بإكراهات المجتمع، إكراهات تنم عن ضعف الإنسان، وهشاشته في تقرير مصيره، الحرية التي يرسمها الفلاسفة والأدباء ليست مسألة عادية، بل تجربة ومخاض في سبيل التحرر من القيود وسلاسل الحتميات.

 الفيلسوف "نيتشه" وأدواته العملية في التقويض والهدم، كل ما هو يقيني وثابت تم ترسيخه بالعقل والفكر الخالص ضد الحياة والصيرورة، الكتابة بأسلوب شذري، والكتابة من القلب، يسكب عليها الفيلسوف طابع الذاتية وصدق المشاعر، رؤية فنية وأدبية بناء على لغة تروم الوصف وما هو جمالي، علاقة الشعر بالفلسفة، واستدلال بعض الفلاسفة بالشعراء، علاقة الأدباء بالفلسفة، منهم، غوته ودوستويسفكي، وعمر الخيام، وأبو العلاء المعري، وأبو حيان التوحيدي، أدبهم يحتوي نظرة فلسفية وجودية، تضفي الفلسفة عمقا وتفكيرا على رؤية الشاعر والأديب.

 ويمنح الأدب للفلسفة دقة الأسلوب، وسلامة الكتابة في جودة الكلمات، الشعر يرتقي بالفكرة نحو الأعلى، يشتغل الشعر على الرمز والاستعارة، ويساهم الشعراء في الخيال، والتغني، والتحرر من صرامة المنطق والبرهان في لغة انسيابية، فلا يخلو الشعر من تعبير فني وجمالي عن حقيقة ما يحمله الشعراء من اغتراب فكري ونفسي يتعلق بانتكاسة الأحلام، ومصادرة الحق في التعبير، ولو كان الأسلوب مغاير عن الفلسفة، هناك عناصر تعبر عن التكامل والانفصال بين الشعر والفلسفة، وبين الفلسفة والأدب عموما، نقطة التقاطع أو التجاور سائدة بين الفلسفة والأدب، الالتقاء وارد، ارتفاع بالإنسان إلى وجود أسمى تعبير عن هشاشة الوجود، وتعبير بقوالب فنية وجمالية عن التجارب الإنسانية، وإذا كان الأدب في خطر كما يقول "تودوروف" فإن الأمر يتعلق باختزال الأدب إلى أدوات منهجية، وأساليب فنية، اختزاله في الشكل دون المضمون، ذلك يحد من قيمته في فهم الواقع والإنسان.

 الأدب في حاجة للفلسفة، الأدب المسكون بالفلسفة في طرح أسئلة وجودية وأخلاقية، رسالة الأدب في اكتشاف الحقيقة، ورؤية للجمع بين الواقعي والمتخيل، الرسالة لا بد أن تحمل معنى ومضمون، يحكي الأديب، يعبر، ويحاول اختراق الحصون في سبيل التأثير في العقليات، في سبيل التقليل من الألم، ومهما وصل القارئ إلى تفسير وتأويل النص الأدبي، والتسلح بالمناهج، يصعب بالفعل استخلاص نوايا الكاتب، وموته لا يعني نفي لعمله بالذات، لأن القارئ يقرأ في ثنايا الأحداث، ويحتاج بالفعل للتواصل مع الكاتب وفهم مقاصده، وما كان يرمي إليه في عمله، جزء مهم للقراءة المتأنية، وجزء مهم للفهم والحوار مع النص الأدبي في توليد المعنى، ودائما تكون الحاجة إلى قارئ متمرس يخترق غابة السرد، ويقيم قليلا داخل النص بأدوات فلسفية.

ذات صلة

صفات وملَكات الحاكمالجليد المشتعل.. ملحمة التنافس الجيوسياسي على غرينلاند وأعالي القطب الشماليالامام السجاد(ع) وتعدد الأدوار الإصلاحيةالإصلاح في المنظومة السياسية للعراقاضطرابات إيران ومخاطرها على العراق