ما بعد الشرعية الانتخابية
إدارة السلطة في العراق بين نص الدستور وصمت الممارسة
أنور مؤيد الجبوري
2026-01-19 03:10
تمثل الانتخابات في النظم الديمقراطية الحديثة الركيزة الأساسية لاكتساب الشرعية السياسية، غير أن هذه الشرعية تظل ناقصة ما لم تُترجم إلى حكم فعلي قائم على قواعد دستورية واضحة وممارسات مؤسسية مستقرة.
وفي التجربة العراقية، وعلى الرغم من انتظام العملية الانتخابية شكليًا، يبقى الانتقال من شرعية النتائج إلى شرعية الحكم إحدى أكثر المراحل تعقيدًا وإشكالية، حيث تخضع في الغالب لمنطق التوافقات السياسية أكثر مما يحكمها النص الدستوري.
ينص الدستور العراقي لسنة 2005 في مادته الخامسة على أن «السيادة للقانون، والشعب مصدر السلطات وشرعيتها»، كما تؤكد المادة (20) حق المواطنين في المشاركة بالشؤون العامة عبر الانتخاب والترشيح. غير أن هذه النصوص، على أهميتها، تؤسس لشرعية التفويض الشعبي دون أن تقدم تصورًا تفصيليًا لكيفية إدارة السلطة بعد اكتمال هذا التفويض، ما يجعل مرحلة ما بعد الانتخابات ساحة مفتوحة للتأويل السياسي.
ويفترض الدستور، وفق المادة (49)، أن يمثل مجلس النواب الشعب بأكمله، وأن يضطلع بدور التشريع والرقابة. إلا أن الممارسة السياسية أفرغت هذا الدور من مضمونه أحيانًا، إذ يبدأ البرلمان دورته مثقلًا باتفاقات ما قبل الانعقاد، فتتحول الأغلبية البرلمانية من أداة للحكم إلى وسيلة تفاوض، ويغدو التمثيل النيابي أداة لإعادة إنتاج التوازنات السياسية بدل تصحيحها.
وتتجلى الإشكالية بصورة أوضح عند تشكيل الحكومة. فالمادة (76) التي تنص على تكليف مرشح «الكتلة النيابية الأكثر عددًا» بتشكيل مجلس الوزراء، بقيت واحدة من أكثر المواد إثارة للجدل، بسبب غموض مفهوم الكتلة الأكبر، ما جعل النص الدستوري عنصرًا لتأزيم الصراع السياسي بدل أن يكون أداة لحسمه.
في هذا السياق، يظهر ما يمكن تسميته بـ«صمت الدستور»، وهو صمت لا يعني غياب النصوص، بل عموميتها وعدم اقترانها بآليات تنفيذية صارمة. وقد جرى ملء هذا الصمت بتفاهمات سياسية مؤقتة لا ترتقي إلى مستوى الأعراف الديمقراطية، ما جعل إدارة الدولة بعد كل انتخابات خاضعة لمنطق التوازن السياسي لا لمنطق المسؤولية الدستورية.
وتبرز هنا أهمية المحكمة الاتحادية العليا، وفق المادة (93)، بوصفها الجهة المختصة بتفسير النصوص الدستورية. غير أن تضخم دور القضاء الدستوري في حسم الخلافات السياسية يعكس خللًا بنيويًا في النظام السياسي، حيث يُطلب من القضاء معالجة نتائج إخفاقات سياسية، لا مجرد فض نزاعات قانونية، الأمر الذي يثير تساؤلات جدية حول حدود التفسير القضائي ودوره في تنظيم العملية السياسية.
ويبقى مجلس النواب حجر الزاوية في النظام البرلماني، لاسيما مع الصلاحيات الرقابية الواسعة التي منحها له الدستور في المادة (61). إلا أن هذه الصلاحيات غالبًا ما تُعطَّل في بداية كل دورة برلمانية بذريعة الحفاظ على التوافق أو ضمان الاستقرار، ما يحول الرقابة من واجب دستوري إلى خيار سياسي تحكمه التحالفات لا متطلبات الحكم الرشيد.
إن جوهر الأزمة العراقية لا يكمن في النص الدستوري بحد ذاته، بل في الفجوة بين شرعية الانتخابات وشرعية الحكم. فالأولى تُكتسب عبر صناديق الاقتراع، بينما الثانية تُبنى عبر الأداء المؤسسي، واحترام الدستور، وتفعيل مبدأ المساءلة. وما لم يُحسم الخيار بين منطق الأغلبية الحاكمة ومنطق التوافق الدائم، ستبقى شرعية الحكم مؤجلة.
ومن منظور استراتيجي، لا يمكن تحقيق استقرار سياسي مستدام دون وضوح العلاقة بين النص الدستوري والممارسة اليومية للسلطة. فالدستور ليس وثيقة تُستدعى عند الأزمات، بل إطار ناظم للسلوك السياسي، وأي إدارة للسلطة خارج هذا الإطار تعكس هشاشة مؤسسية تُضعف الثقة العامة وتؤجل بناء الدولة.
إن التحدي الحقيقي في مرحلة ما بعد الانتخابات لا يتمثل في عدد المقاعد أو شكل التحالفات، بل في القدرة على تحويل الشرعية الانتخابية إلى شرعية حكم فعلي، تُقاس بمدى احترام القانون وخضوع السلطة للمساءلة. وعندما يصمت الدستور، لا ينبغي أن يتكلم الفراغ، بل يجب أن تتقدم المسؤولية السياسية بوصفها المعيار الحقيقي لنجاح أي نظام ديمقراطي.