أزمة اختيار رئيس الوزراء: عقم سياسي مقنّع بتنافس شكلي

محمد عبد الجبار الشبوط

2026-01-17 05:18

تكشف عملية اختيار رئيس الوزراء في العراق، كما تجلّت في ذلك الظرف السياسي، عن أزمة بنيوية عميقة في النظام السياسي القائم، أزمة لا تتعلق بالأشخاص بقدر ما تتصل بطبيعة الطبقة الحاكمة وآليات تفكيرها وإنتاجها للسلطة. فما جرى على الساحة لم يكن تنافسًا سياسيًا بالمعنى الحقيقي للكلمة، ولا صراعًا بين مشاريع أو رؤى مختلفة لإدارة الدولة، بل كان خلافًا محدودًا ومغلقًا يدور حول أسماء بعينها، أعيد تدويرها مرارًا داخل الإطار نفسه، دون أي تجديد في المحتوى أو الاتجاه.

إن غياب التنافس البرامجي يكشف فراغًا سياسيًا خطيرًا؛ إذ لم تُطرح تصورات واضحة لإدارة الدولة، ولا رؤى اقتصادية أو مؤسسية متمايزة، ولا مقاربات مختلفة لمعالجة أزمات الحكم، بل انحصر الجدل كله في شخصيات معروفة سلفًا، تشترك في الانتماء إلى المنظومة ذاتها، وتعيد إنتاج السياسات ذاتها، مهما اختلفت تسمياتها أو مواقعها. وهذا بحد ذاته مؤشر على أن النظام السياسي لا يعمل بوصفه ساحة تداول أفكار، بل كحلقة مغلقة لتقاسم المواقع والنفوذ.

الأخطر من ذلك أن الإصرار على تداول الأسماء القديمة يكشف حالة عقم سياسي واضحة داخل الطبقة الحاكمة، عقمًا يمنعها من إنتاج قيادات جديدة أو حتى السماح بظهور بدائل حقيقية. فالمشكلة لم تعد في غياب الكفاءات داخل المجتمع، بل في انسداد القنوات التي تسمح بانتقال هذه الكفاءات إلى مواقع القرار. وبذلك تتحول رئاسة الوزراء من منصب وطني جامع إلى موقع محكوم بمنطق التوازنات الضيقة والترضيات السياسية، لا بمنطق المسؤولية العامة.

إن هذا النمط من “التنافس الاسمي” يعكس فشلًا في إدراك معنى التداول السياسي ذاته؛ إذ لا يمكن الحديث عن استقرار أو إصلاح أو بناء دولة في ظل نظام يعيد إنتاج ذاته بالأدوات نفسها، والأشخاص أنفسهم، والعقليات نفسها. فحين تُستنفد الأسماء ولا تتجدد الأفكار، يصبح الصراع على السلطة دليل ضعف لا قوة، وعلامة أزمة لا حيوية.

وعليه، فإن أزمة اختيار رئيس الوزراء ليست أزمة ظرفية أو تقنية، بل هي انعكاس مباشر لأزمة أعمق في بنية الحكم، وفي الثقافة السياسية التي تدير الدولة. أزمة تؤكد أن المشكلة الحقيقية لا تكمن في من يتولى المنصب، بل في المنظومة التي لا تسمح إلا بوجوه مألوفة، ولا تنتج إلا حلولًا مستهلكة، وتغلق الباب أمام أي تحول سياسي حقيقي.

ذات صلة

الحياة السياسية العراقية.. قرن من الإخفاق في بناء الدولةاقتصاد يلفظ أنفاسه: على ماذا تراهن الحكومة المقبلة؟نظام عالمي يعيد تشكيله ترامب.. براغماتية استعمارية أشد توحشاسجناء الرأي.. من قيود “الكاظم” إلى زنازين الحداثةتنازع الهرم الاجتماعي : من عالم السياسة العمودي إلى دنيا الرياضة الأفقي