الطغيان: عطبٌ تربويّ وفائضُ قوّةٍ منقلب

د. مظهر محمد صالح

2026-01-11 03:56

منذ الطفولة التي غادرنا تنمّرها، وحتى شيخوختنا التي نبلغها مثقلين بالخبرة والخذلان، لم تنفكّ الحياة تُلاصقنا بعالم الطغيان. فما إن نحتكّ بالجماعة الاجتماعية، حتى ينبثق من بين صفوفها طاغية في هذا الفضاء المعولم، قد يخرج من أفقر القنوات وأضعفها، أو يتشكّل في أقصى حالات الثراء والتملّك والمكر الذي لا يُطاق.

ثم لا يلبث الطغيان أن يتمدّد، متحوّلًا إلى حالة مؤسسية تتزين بأسماء مهذّبة، وتُصنَّف تحت سقوفٍ وأبواب تُسمّى (بيروقراطية) لتُنتج فئة اجتماعية خطِرة، مُعطِلة للحياة، وقد يتشكّل داخلها هرمٌ كامل من الطغاة يمارسون حربًا ناعمة ضد الجماعة الإنسانية، عبر تعطيل العلاقات الاجتماعية وإفقار المعنى الإنساني. ولعلّ من أجمل ما كُتب عن الطغيان في أيامنا هذه ما قدّمه المفكّر الكبير حسين العادلي، حين لخّص عالم الطغيان بهمسة عالية، رقيقة المعنى، فقال: لا يطغى المرء حين يقوى، بل حين يغيب من يذكّره بحدّه، أساس كل طاغٍ طفلٌ مُهمَل لم يجد من يربّيه، الطغيان نزعةُ سيطرةٍ مشفوعةٌ بفزع السقوط، من رضي بالطغيان مُسِخ، ومن رفض وسكت استُعبد، ومن رفض ونهض تحرّر، تطغى الشعوب بالفوضى، ويطغى الحكّام بالسلطة، الطغيان لا يُنجبه الحاكم، بل يبدأه صمت المحكومين، الطغيان صفقة فاسدة: يعرض الحاكم فيها الخوف والحاجة، ويُسلّم الشعب السمع والطاعة، الطغيان لا يموت بسقوط الحاكم، بل بسقوط الخضوع.

ومن حيث انتهى العادلي، وأنا أبلغ عامي السابع والسبعين، أنظر إلى كرة الأرض وقد مرّ بها عدد لا يُحصى من الطغاة، فأجدهم، على اختلاف الأزمنة واللغات والعوالم والبلدان، تحكمهم قاعدة واحدة عقدة النقص التربوية، أولئك الذين دفعتهم القاع إلى الصعود، لا بوصفه تحرّرًا من تنمّر الماضي، بل بوصفه انتقالًا من موقع الضحية إلى موقع الجلاد، فبدل أن يتصالحوا مع العالم، أعادوا إنتاج قسوتهم عليه في صورة طغيانٍ مضاد.

وهكذا، فإنّ الطغيان في جوهره ليس فائض قوّة، بل عطبٌ تربويّ عميق وغيابٌ كامل للدِّفء الاجتماعي. إنّه نتاج فراغٍ عاطفيّ وقيميّ، يُراكم هشاشةً داخلية لا تجد وسيلة للتعبير سوى القمع والعنف. فالطاغية لا يمارس البطش ليُثبت سلطته فحسب، بل ليُقنع ذاته بوجودٍ مهدَّد، فيُغلق جراحه بفتح جراح الآخرين، ويُسكن خوفه بإسكات أصواتهم. وحين تغيب التربية على الاعتراف، ويتلاشى الإحساس بالانتماء والاحتواء، يتحوّل الإنسان إلى كائنٍ انتقاميّ يرى في الحياة ساحة اختبار دائم لسطوته، عندها يصبح القمع لغة، والغرابة سلوكًا، واستسهال الموت نتيجةً منطقية لانهيار العلاقة السويّة بين الذات والآخر.

ومن هنا، لا يعود الطغيان حادثةً اجتماعية أو سياسية معزولة، ولا انحرافًا طارئًا في مسار التسلّط، بل علامةً كاشفة على خللٍ بنيويّ في المنظومة التربوية والقيمية للمجتمع. فالمجتمعات لا تُهزم حين تُقهَر خارجيًا بقدر ما تُستنزف من الداخل، حين يُطبَّع الصمت، ويُقدَّس الخضوع، ويُحيَّد العقل النقدي. وحيثما تتراجع التربية بوصفها فعل احتواء وتهذيب، ويُختزل العقد الاجتماعي في السيطرة لا في الخدمة، عندها يصيح الطغيان قابلًا لإعادة الإنتاج بأشكال جديدة ، حتى بعد سقوط رموزه الظاهرة.

وعليه، فإنّ مقاومة الطغيان لا تبدأ بإزاحة الطغاة وحدهم، بل بإعادة بناء الإنسان: إنسانٍ مُدرَّب على المساءلة، محصَّن بالقيم، ومؤهَّل نفسيًا وأخلاقيًا لتحمّل الحرية. تلك هي المعركة الفكرية الحقيقية، معركة الوعي ضد التسلّط والتنمر، والتربية ضد العنف، والإنسانية ضد فائض القوّة حين ينقلب على ذاته…!

ذات صلة

مخرجات العمل المشذَّب من العنفمركز الفرات ناقش.. العراق وانتخابات 2025 ما قبل التصويت وما بعدهتظاهر واهداف معاكسةأزمة العملة الإيرانية قد تكون سبب سقوط النظامالمملكة العربية السعودية والمُضي قُدُما وسط انخفاض أسعار النفط