توافق سريع.. ضرورة أم تكتيك سياسي؟

مصطفى ملا هذال

2026-01-01 02:21

التصويت على رئيس مجلس النواب ونائبيه بهذه السرعة، حدث لفت انتباه الرأي العام بسبب وتيرته التي خالفت ما اعتادت عليه البلاد خلال السنوات السابقة، حيث كانت هذه المناصب تخضع لمفاوضات طويلة ومعقدة قد تمتد لأشهر. 

هذا التغيير في الإيقاع السياسي يثير تساؤلا جوهريا: هل ما حدث هو مؤشر على نضوج سياسي وتفاهم بين القوى الرئيسية، أم مجرد تسريع لعملية تقاسم المغانم والمصالح بين الأحزاب؟

النظر لهذه العملية يجب ان يكون من زاويتين:

الزاوية الأولى يمكن لسرعة التصويت ان تعبر عن رغبة وطنية في تجاوز حالة الجمود وتجنب الفراغ الدستوري وتعطل مؤسسات الدولة، لا سيما وان العراق يواجه تحديات اقتصادية وأمنية وخدمية متراكمة، وتأخير تشكيل السلطات كان يفاقم من حالة الغليان الاجتماعي، ويُضعف ثقة المواطن بالنظام الديمقراطي.

لذلك قد يكون التعجيل في اختيار القيادات خطوة ضرورية لاستقرار الدولة وبدء تنفيذ برامج إصلاحية طال انتظارها.

اما الزاوية الثانية، يمكن وصف السياسة العراقية بأنها اخذت تشهد تحولا نسبيا باتجاه الواقعية، ذلك ان التجارب الطويلة من الصراع والتجاذبات السياسية جعلت الأحزاب تدرك أن تعطيل تشكيل السلطات لا يخدم أحدا، وأن الحفاظ على الحد الأدنى من التوافق ضرورة لضمان استمرار العملية السياسية.

ومن الطبيعي او الممكن جدا ان تكونا الزاويتين غير معبرات عن الواقع او الحقيقة، اذ قد يكون التسريع، لا يعكس بالضرورة تقدما في الوعي السياسي، بل هو نتاج اتفاقات مسبقة بين القوى المؤثرة لتوزيع المناصب وفق مبدأ المحاصصة.

وقد يشي التوافق الحاصل في الجلسة الأولى للبرلمان الى اتفاق او تفاهم مسبق بين مكونات العملية السياسية، الذي بدوره اوهم الجمهور المراقب بأن هنالك نضوجا سياسيا، بينما في الحقيقية يمكن اعتبار جلسة البرلمان اشبه بالمسرح لإعلان ما تم الاتفاق عليه خلف الأبواب المغلقة. 

وما تقدم يقودنا الى التساؤل الآتي: إذا كان قادة الكتل قادرين على الوصول إلى اتفاقات بهذه السرعة عندما تكون المناصب على المحك، فلماذا لا نرى نفس الحماس والقدرة عند التعامل مع الملفات التي تهم المواطن مثل الخدمات والكهرباء والتعليم وفرص العمل؟ هذا التباين يثير الشكوك حول الأولويات الحقيقية للعملية السياسية.

وبالنظر إلى المشهد العام، يمكن القول إن سرعة التصويت قد تحمل معانٍ كثيرة، أهمها انها تعكس رغبة في الخروج من دوامة الانسداد السياسي، لكنها من جهة أخرى تكشف استمرار نمط المحاصصة وتقاسم النفوذ الذي اعتاد عليه العراقيون. التحول الحقيقي لن يقاس بسرعة اختيار المناصب، بل بما ستقدمه السلطة الجديدة من أداء ونتائج ملموسة على أرض الواقع.

في الوقت الحاضر لا يمكن الحصول على إجابات المقنعة عن هذا الأسئلة، ما يجعل الشارع أكثر حذرا في تقييم ما حصل، وينتظر ما ستقدمه القيادات الجديدة من خطوات عملية تبرهن أن توافق القوى السياسية لم يكن مجرد صفقة عابرة.

وأخيرا سأختم مقالتي بهذا السؤال الذي لا اعرف متى اُجاب عليه، هل ما شهدناه هو نضوج سياسي يضع مصلحة الوطن قبل كل شيء؟ أم مجرد تقاسم مصلحي سريع تحت مظلة جديدة؟

الإجابة ستتضح مع ما تحمله الأيام المقبلة من قرارات ونتائج على أرض الواقع.

ذات صلة

العام الجديد وفرصة العمل الخالص للهعام ٢٠٢٦.. عامُ الدَّولةِالامر بالمعروف والنهي عن المنكر في الدولة الحديثةمورد النفط والعجز الإنتاجيالإِمَامُ مُحَمَّدُ الجَوَاد (ع) بَابُ المُرًادِ وَحُجَّةُ اللهِ عَلَى العِبَاد