بناء وطن: بناء دولة

محمد عبد الجبار الشبوط

2022-12-07 08:54

بعد وصول كريستوفر كولومبس الى القارة الاميركية في عام ١٤٩٢ (وهو نفس عام سقوط غرناطة وانتهاء الحكم العربي الاسلامي في اسبانيا) تدفق آلاف الأوروبيين من جنود وتجار وأساقفة وأشخاص عاديين على القارة الجديدة إما بسبب الاضطهاد السياسي، أو الأزمات الاقتصادية، أو بحثا عن الثروة. وكان هؤلاء يحلمون ببناء وطن جديد وكانت اولى لبنات هذا الوطن تأسيس مدينة جيمس تاون عام ١٦٠٧، التي زُرعت فيها بذرة الديمقراطية الاميركية التي ستبهر الفرنسي توكوفيل الذي أصدر الجزء الاول من كتابه "الديمقراطية الاميركية" عام ١٨٣٥. وكان المستوطنون الجدد أعلنوا في عام ١٧٧٦ اقامة الولايات المتحدة بقيادة الجنرال جورج واشنطن.

لا أستطيع القول ان البحث عن وطن يمثل غريزة فطرية لدى الانسان، لكن الثابت تاريخيا، خاصة بعد استقرار المجموعات البشرية بعد اكتشاف الزراعة قبل أكثر من ١٢ الف عام، ان الشعور بالارتباط بوطن خاص بهذه المجموعات نشأ من ذلك الحين، ليتطور بعد ذلك الشعور الى اقامة دول المدن في وادي الرافدين وصولا الى العصر الحالي.

بعد انفصال العراق عن الدولة العثمانية، راود العراقيون امل اقامة دولة عراقية مستقلة. وربما كان مشروع الملكية اول تعبير عن هذا الهدف. لكن الجيش العراقي أسقط مشروع الملكية واقام الجمهورية التي تداولها الضباط عقدا كاملا قبل ان يفترسها حزب البعث لمدة ٣٥ سنة، انتهت بسقوط صدام عام ٢٠٠٣ وقيام نظام المحاصصة الذي أجهض حلم الدولة.

في هذه الاثناء نشأت ثلاثة احزاب ايديولوجية رفعت شعارات تبدو جميلة في ظاهرها وهي شعار "وطن حر وشعب سعيد" للحزب الشيوعي، وشعار "وحدة حرية اشتراكية" لحزب البعث، وشعار "استئناف الحياة الاسلامية" لحزب الدعوة. ولكن ايا من هذه الشعارات لم يتحقق في ارض الواقع لأسباب خارجة عن هذا المقال. وحين قامت التظاهرات الاحتجاجية في عام ٢٠١٩ رفع المتظاهرون شعار "نريد وطنا"، لكن كان من أبرز ما قاموا به هو منع الدوام في المدارس. وكان هذا مؤشرا سلبيا.

لا يمكن ان نأخذ عبارة "نريد وطنا" بحرفيتها، فالوطن موجود، بحدود معروفة، وشخصية قانونية معترف بها دوليا. لكننا بحاجة الى اقامة دولة في هذا الوطن، ارضها حدوده الحالية، ومادتها الاولية ساكنو هذه الارض الذين اكتسبوا جنسيتها فأصبح عنوانهم الشعب العراقي. ولأن السعي وراء السعادة والحياة الطيبة هدف فطري لكل انسان، فان هذه الدولة التي نفتقد وجودها يجب ان تكون قادرة على تحقيق السعادة والحياة الطيبة للعراقيين بما في ذلك توفير الحرية والامن والصحة والتعليم والسكن وفرص العمل والرخاء (أكثر من لقمة العيش)، وغير ذلك مما يتطلع اليه كل انسان.

وبما ان الخبرة البشرية التاريخية اثبتت ان الدولة الوحيدة القادرة على ذلك هي الدولة الحضارية الحديثة، وهي نموذج ذو مصاديق متعددة يجمعها قدرة هذه الدولة على تفعيل المركب الحضاري لها بعناصره الخمسة بالشكل المحقق للسعادة والحياة الطيبة، وهذا يتوقف على منظومة القيم العليا الحافة بالمركب الحضاري، فالمتعين، بناءً على ذلك، هو ان تكون اقامة الدولة الحضارية الحديثة هدفا مشتركًا لكل العراقيين وجامعا لكل مساعيهم واعمالهم.

وهذا يتطلب حصول نقلة حضارية كبيرة في وعي الناس، وفي التزاماتهم العملية، لتصب كل جهودهم في مصب واحد يؤدي الى الدولة الحضارية الحديثة. ويمكن ان يقوم بها العمل طرفان، اولهما الطبقة المثقفة الواعية من ابناء المجتمع، وثانيهما المدرسة من خلال تنشئة الجيل الجديد على قيم الدولة الحضارية الحديثة. وهذه النقطة الثانية تقع مسؤوليتها على الحكومة من خلال تبني النظام التربوي الحضاري الحديث.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

ذات صلة

الأسباب الخفية للهجوم على المحكمة الاتحاديةزيارة بلينكن وملهاة حل الدولتينالحكومة العراقية بين الازمة البنيوية للنظام السياسي وتحدي العلاقات الاقليمية والدوليةالصورة النمطيَّة تتكسر على جذع النخلةحكومة السوداني بين الطموحات والتحديات