العيش في المنطقة الرمادية.. حين يتحول الحياد إلى خذلان للحق السعادة في زيارة الأربعين.. وخصوصية ارتباطها بالإمام الحسين عليه السلام(4)

مرتضى معاش

2026-08-04 06:16

طرحنا في المقالات السابقة معنى السعادة في قول الإمام الصادق عليه السلام في زيارة الأربعين: «أكرمته بالشهادة وحبوته بالسعادة»، وبيّنا أن أسمى معاني السعادة تجسدت في سيرة الإمام الحسين عليه السلام ومواقفه، حتى أصبح نهجه معيارًا يهتدي به الإنسان إلى الحياة الطيبة.

وتناولنا الحياة الطيبة بوصفها حياة الإيمان والعمل الصالح والحلال والقناعة والطمأنينة، ثم انتقلنا إلى قول الإمام الحسين عليه السلام: «إني لا أرى الموت إلا سعادة، والحياة مع الظالمين إلا برمًا»، فبحثنا معنى الحياة مع الظالمين، وكيف تتحول إلى ضيق شديد وقلق وغياب للأمان.

كما تبيّن أن التعايش مع الظلم يمر بمراحل تبدأ بالتمكين من الظلم بسبب الخوف والطمع والرغبة، ثم تنتقل إلى التطبع معه حتى يصبح مألوفًا، ثم إلى التطبيع الكامل الذي يجعل القبيح مقبولًا والظلم جزءًا من البنية الثقافية والسلوكية. وتكون النتيجة هي النفاق والاغتراب عن الذات وفقدان وضوح الهدف والانتماء.

التعايش مع الباطل بالعيش في المنطقة الرمادية

وفي هذا المقال ننتقل إلى مفهوم يرتبط بالحياة مع الظلم، وهو التعايش مع الباطل والوقوف في المنطقة الرمادية. فالباطل لا ينتشر بقوة أصحابه وحدهم، بل قد يتسع أيضًا حين يتراجع القادرون على نصرة الحق عن أداء مسؤوليتهم.

إنهم لا يعلنون الوقوف مع الظالم، لكنهم لا ينصرون المظلوم. ولا يقولون إنهم يتبنون الباطل، لكنهم عندما يرون الحق معطلًا والباطل منتشرًا لا يتخذون موقفًا.

يظنون أنهم وجدوا لأنفسهم مكانًا آمنًا بين الطرفين، وأن ابتعادهم عن المواجهة يحمي مصالحهم ويجنبهم الألم. لكن هذا الموقف لا يبقى بلا أثر بعد اتضاح الحق وقيام الحجة والقدرة على أداء المسؤولية، لأنه يترك للباطل مساحة يتحرك فيها من دون مقاومة.

والبحث هنا لا يتناول الباطل بوصفه مفهومًا مجردًا، بل يتناول أولئك الذين يعرفون الحق، ثم يترددون في نصرته طلبًا للراحة والأمان، أو خوفًا من المشقة، أو هربًا من المسؤولية.

ومن هنا تظهر العلاقة بين معنى السعادة في نهج الإمام الحسين عليه السلام وبين الموقف من الحق. فالسعادة لا تتحقق بالابتعاد عن المسؤولية، ولا بصناعة سلام موهوم مع واقع الباطل، بل تتحقق حين يعرف الإنسان الحقيقة ويعمل بها ويتحمل مسؤوليته تجاهها.

الباطل هو مخالفة الحقيقة أو تحريفها أو وضع الأمور في غير مواضعها. وحين يتعايش الإنسان معه يبتعد عن الواقع الذي ينبغي أن يبني عليه مواقفه واختياراته.

أما الحق فهو الانسجام مع الفطرة ومع القوانين التكوينية والتشريعية التي وضعها الله سبحانه وتعالى. ومن خلال هذا الانسجام يحقق الإنسان وجوده الحقيقي، ويعرف غايته وموقعه ومسؤوليته.

قال تعالى:

(وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) طه/124.

فالإعراض عن ذكر الله هو إعراض عن الحقيقة التي تمنح الحياة معناها وتنظم علاقة الإنسان بذاته وبالآخرين. ومن يعرض عن هذا الواقع يعيش الضيق والتعب، وإن حاول أن يصنع لنفسه صورة ظاهرية من الراحة.

ومن أبرز مصاديق فقدان الحياة الطيبة أن يتعايش الإنسان مع الباطل بعد أن يعرفه، أو يرى الحق ثم لا يعمل به، أو يشاهد الظلم ثم لا يسهم في منعه مع قدرته على ذلك.

وقد لا يبدأ التعايش مع الباطل بإعلان الانتماء إليه، بل يبدأ حين يقول الإنسان إنه لا يريد اتخاذ موقف، وإنه يفضل البقاء بعيدًا عما يجري.

وهذه هي المنطقة الرمادية التي يتخذها الإنسان حين يرفض نصرة الحق، لكنه لا يريد أن يعد نفسه من أنصار الباطل.

الحياد بعد اتضاح الحق

يقول بعض الناس: لسنا مع الباطل، لكننا لا نستطيع أن نساعد الحق. لا نريد الوقوف ضد الإمام الحسين عليه السلام، لكننا لا نملك الاستعداد لنصرته. نحب أهل البيت عليهم السلام، لكننا لا نريد أن ندفع ثمن هذا الحب موقفًا ومسؤولية.

وهذا ما حدث مع كثير ممن كانوا يعرفون الإمام الحسين عليه السلام ويعرفون منزلته ومنزلة أهل البيت عليهم السلام، لكنهم وقفوا في الحياد يوم عاشوراء ولم ينصروه.

لقد عرفوا الحق، لكن معرفتهم لم تتحول إلى موقف. وأحبوا الإمام الحسين عليه السلام، لكن محبتهم لم تتحول إلى نصرة عند قيام المسؤولية.

وروي عن الإمام الحسين عليه السلام أنه قال:

«مَنْ سَمِعَ وَاعِيَتَنَا أَوْ رَأَى سَوَادَنَا فَلَمْ يُجِبْنَا وَلَمْ يُعِنَّا كَانَ حَقّاً عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُكِبَّهُ عَلَى مَنْخِرَيْهِ فِي النَّارِ»(1).

فالنداء يضع الإنسان أمام مسؤولية، ولا يترك له مجالًا للقول إنه لم يعرف أو لم يدرك ما يحدث، خصوصًا حين تكون القضية واضحة ويكون قادرًا على أداء دور فيها.

وقال الإمام الحسين عليه السلام في مسيره إلى كربلاء:

«الا ترون أن الحق لا يعمل به، وأن الباطل لا يتناهى عنه، ليرغب المؤمن في لقاء الله محقا فاني لا أرى الموت الا شهادة ولا الحياة مع الظالمين الا برما»(2).

هذه الكلمة تضع الإنسان أمام واقعين: حق لا يعمل به، وباطل لا ينهى عنه. وهي لا تتحدث عن الذين يحملون السلاح مع الباطل فقط، بل تشمل الذين يشاهدون تعطيل الحق وانتشار الباطل ثم لا يتحملون مسؤوليتهم.

فالإنسان قد لا ينصر الباطل بصورة مباشرة، لكنه حين يعرف الحق ويقدر على نصرته ثم يتركه، فإنه يسمح للباطل بأن يستمر.

ولا يعني ذلك أن كل توقف أو تريث يعد خذلانًا. فقد يحتاج الإنسان أحيانًا إلى التثبت حين لا تتضح له الحقيقة، أو يسعى إلى الإصلاح بين الأطراف، أو يعجز فعلًا عن تقديم النصرة. لكن الحياد بعد اتضاح الحق وقيام الحجة والقدرة على أداء المسؤولية لا يبقى بلا موقف، بل يتحول في النتيجة الى موقف لمصلحة الطرف الآخر.

ومن يعيش هذا الحياد ينظر غالبًا إلى ما يحقق مصالحه الخاصة. ينتظر حتى يعرف من سينتصر، ثم يلتحق بالمنتصر. ويبحث عما يمنحه راحة مؤقتة وأمانًا ذاتيًا، من دون أن يسأل عن مسؤولية الحق أو عاقبة انتشار الباطل.

وقد عبّر الإمام الحسين عليه السلام عن هذه الحالة بقوله:

«إن الناس عبيد الدنيا، والدين لعق على ألسنتهم، يحوطونه ما درّت معايشهم، فإذا محصوا بالبلاء قل الديانون»(3).

فالناس قد يتحدثون عن الدين ما دام لا يهدد مصالحهم، ويتمسكون به ما دام ينسجم مع معيشتهم ومكاسبهم. لكن الامتحان الحقيقي يظهر عندما يحتاج الدين إلى موقف، وعندما تتعارض نصرة الحق مع الراحة والمصلحة.

في تلك اللحظة يتراجع كثيرون، لأن الدين بقي على ألسنتهم ولم يتحول إلى يقين راسخ في قلوبهم وسلوكهم.

ومن أبرز المواقف التي تكشف معنى الحياد ما جرى في معركة الجمل، حين جاء الحارث بن حوط إلى أمير المؤمنين عليه السلام:

(قِيلَ إِنَّ الْحَارِثَ بْنَ حَوْطٍ أَتَاهُ فَقَالَ أَ تَرَانِي أَظُنُّ أَصْحَابَ الْجَمَلِ كَانُوا عَلَى ضَلَالَةٍ.

فَقَالَ (عليه السلام): يَا حَارِثُ إِنَّكَ نَظَرْتَ تَحْتَكَ وَلَمْ تَنْظُرْ فَوْقَكَ فَحِرْتَ إِنَّكَ لَمْ تَعْرِفِ الْحَقَّ فَتَعْرِفَ مَنْ أَتَاهُ وَلَمْ تَعْرِفِ الْبَاطِلَ فَتَعْرِفَ مَنْ أَتَاهُ.

فَقَالَ الْحَارِثُ: فَإِنِّي أَعْتَزِلُ مَعَ سَعِيدِ بْنِ مَالِكٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، فَقَالَ (عليه السلام):

إِنَّ سَعِيداً وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ لَمْ يَنْصُرَا الْحَقَّ وَلَمْ يَخْذُلَا الْبَاطِلَ)(4).

وقع الحارث في الحيرة لأنه نظر إلى الأشخاص قبل أن ينظر إلى المبدأ. رأى في الطرف الآخر شخصيات لها مكانتها وتاريخها، فلم يستطع أن يتصور أنها قد تكون على باطل.

لقد نظر الحارث إلى الأسماء والمواقع، ولم ينظر إلى المعيار الأعلى الذي يزن به المواقف. ولهذا فقد البصيرة ووقع في الحيرة.

البصر يرى الأشخاص والمظاهر، أما البصيرة فتنفذ إلى المبادئ والحقائق. ومن لا يملك البصيرة ينظر إلى مكانة الأشخاص ثم يحاول أن يحدد الحق من خلالهم، بينما المنهج الصحيح هو أن يعرف الحق أولًا، ثم يعرف أهله ومن يسير فيه.

اما عبارة "لم ينصرا الحق ولم يخذلا الباطل"، فانها تعني إنهما لم يعملا على نصرة الحق، ولم يسعيا إلى إضعاف الباطل ومنعه من التقدم.

وهذه الكلمة تشرح معنى الاعتزال بعد اتضاح الموقف. فالباطل لا يحتاج دائمًا إلى أن ينصره جميع الناس بصورة مباشرة، بل يكفيه أن يتراجع أهل الحق عن مسؤوليتهم ويتركوه يتحرك من دون مقاومة.

فمن يتخلى عن نصرة الحق بعد معرفته والقدرة عليها قد يتحول صمته إلى صورة من صور الخذلان. ومن لا يعمل على توهين الباطل يتركه قويًا قادرًا على التمدد.

وهنا تظهر أهمية قول الإمام الحسين عليه السلام:

«ليرغب المؤمن في لقاء الله محقًا».

فالإنسان يعلم أنه سيموت ويلقى الله سبحانه وتعالى. والسؤال الذي ينبغي أن يرافقه في حياته هو: كيف يريد أن يلقى الله تعالى؟ هل يريد أن يلقاه محقًا، أم يلقاه وقد عرف الحق ثم لم ينصره؟

إن الرغبة في لقاء الله محقًا تختلف عن الرغبة في أن يعيش الإنسان حياته الخاصة بعيدًا عن المسؤوليات. الأولى توجهه نحو الغاية الكبرى وتجعله يزن مواقفه بميزان الآخرة، أما الثانية فتحصره في مصالحه العاجلة وراحته المؤقتة.

فالإنسان تتحرك حياته وفق ما يرغب فيه. فإذا كانت رغبته هي رضا الله تعالى ولقاءه على الحق، أصبح مستعدًا لتحمل المسؤولية والصبر على المشقة.

أما إذا كانت رغبته منصرفة إلى الراحة والمصلحة والخوف على الجسد، فإنه يبحث عن مكان يختبئ فيه من التكاليف، ثم يتوهم أن هذا التجنب قد منحه السعادة.

لكن السعادة لا تتحقق بالهروب من الحق، وإنما تتحقق حين يعرف الإنسان الحق ويثبت عليه، ويكون مستعدًا للقاء الله وهو محق.

وهم الراحة والأمان

ينبع الوقوف في المنطقة الرمادية من وهم كبير، وهو أن الإنسان سيكون سعيدًا إذا بقي بعيدًا عن المشكلات والمسؤوليات.

يقول لنفسه إن الوقوف على التل أسلم، وإن الحياد يوفر له الأمان والراحة، لأنه لا يدخل في مواجهة ولا يتحمل ألمًا أو خسارة.

إنه يبحث عن الراحة السهلة، ويرى أن السعادة تعني الابتعاد عن التكاليف والتحديات. يعود إلى بيته ويغلق عليه بابه ويقول: لا علاقة لي بما يحدث. وبذلك يظن أنه أصبح مطمئنًا.

لكن هذه الطمأنينة تقوم على الهروب من الواقع. وهذا هو المعنى الذي أشار إليه أمير المؤمنين عليه السلام حين قال للحارث: «إنك نظرت تحتك ولم تنظر فوقك».

فالذي ينظر إلى الأمر من زاوية مصلحته المباشرة يرى الراحة في عدم التدخل، أما الذي ينظر ببصيرة إلى النتائج فيعرف أن ترك الحق من دون نصرة سيجعل الباطل أقوى.

وروي عن الامام علي عليه السلام:

«إِنَّ الْحَقَّ ثَقِيلٌ مَرِي‏ءٌ، وَإِنَّ الْبَاطِلَ خَفِيفٌ وَبِي‏ءٌ»(5).

الحق ثقيل لأنه مسؤولية، ويحتاج إلى جهد وعمل وتضحية وإيثار وصبر واستقامة. ويحتاج إلى إيمان وتقوى والتزام بالأحكام الشرعية وطاعة لله سبحانه وتعالى. لكنه مريء، أي إن عاقبته طيبة ومريحة، كالغذاء الطيب الذي يسهل هضمه ويمنح الجسد قوة وعافية. فالإنسان قد يجد في الالتزام بالحق مشقة، لكنه يصل من خلاله إلى راحة الضمير والطمأنينة وصحة النفس والجسد.

أما الباطل فهو خفيف في بدايته، لأنه لا يحتاج إلى التزام ولا صبر ولا تقوى ولا تحمل للمسؤولية. يستطيع الإنسان أن يسكت ويتهرب ويجاري الآخرين، ويشعر أن الأمر سهل ولا يكلفه شيئًا. لكنه وبيء، أي إن عاقبته المرض والأذى. وما يبدو راحة في البداية يتحول إلى ألم ممتد، لأن الباطل يدخل إلى النفس ويجعلها تعيسة، ثم تنتقل آثاره إلى الأسرة والمجتمع.

فالوقوف مع الباطل أو ترك مقاومته يبدو خفيفًا، لكنه يحمل في داخله مرضًا أخلاقيًا وروحيًا. يبدأ الإنسان بالتنازل عن موقف، ثم يعتاد التنازل، ويفقد تدريجيًا قدرته على مقاومة الخطأ.

وتربط آيات قرآنية بين الباطل وأكل الأموال، كما في أكل أموال الناس بالباطل وأكل أموال اليتامى ظلمًا.

(وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ) البقرة/188.

وهذا يكشف أن من يسير في الباطل يريد في كثير من الأحيان إرضاء جسده ورغباته. يخاف على ماله وجسده وموقعه، ولذلك لا يقف مع الحق. لكنه حين يطلب الراحة الجسدية بهذه الطريقة يحصل على ألم أكبر.

(إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا) النساء/10.

فالمال الحرام قد يبدو وسيلة إلى الراحة، لكنه لا يمنح الإنسان الطمأنينة. يضره ويؤثر في أبنائه وحياته، بينما المال الحلال الناشئ من العمل والحق ينفع الإنسان ويمنحه البركة والرضا.

ولهذا قال أمير المؤمنين عليه السلام:

«وَإِنَّهُ مَنْ لَا يَنْفَعُهُ الْحَقُّ يَضُرُّهُ الْبَاطِلُ»(6).

وفي المواقف التي يتحدد فيها الحق وتقوم فيها المسؤولية لا يبقى اختيار الإنسان بلا أثر. فإذا لم ينتفع بالحق فإنه يفتح على نفسه باب الضرر الناتج عن الباطل.

فالحق مرتبط بالواقع، وكل ما ينفع الإنسان حقيقة يكون منسجمًا مع هذا الواقع. أما الباطل فهو خروج عنه، ولذلك تكون عاقبته الضرر وإن بدا في بدايته سهلًا ومريحًا.

ويحتاج الإنسان إلى إعادة فهم معنى الراحة والألم. فالسعادة لا تعني الابتعاد عن كل ألم، لأن بعض الآلام تنمي الإنسان وتربيه وتكشف له طاقاته.

وفي كثير من الأحيان يكون الألم علامة على وجود خلل يحتاج إلى علاج. فالألم الجسدي ينبه الإنسان إلى المرض ويدفعه إلى الذهاب إلى الطبيب، ولولاه لما عرف أن في جسده مشكلة.

وكذلك الألم المعنوي، فقد يكون دافعًا إلى المراجعة والتوبة والعمل والتغيير.

ومن الأمثلة على الألم الذي يحمل في داخله الراحة السير إلى زيارة الإمام الحسين عليه السلام. فالإنسان يمشي خطوات طويلة، ويتحمل الحر والتعب، وقد يشعر بألم في جسده، لكنه يجد في هذا الألم لذة معنوية وراحة نفسية.

وكذلك من يخدم زوار الإمام الحسين عليه السلام في الحر الشديد، فإنه يبذل جهدًا كبيرًا، لكنه يشعر بالسعادة والرضا، ولذلك يتسابق الناس إلى الخدمة ولا يعدون تعبهم خسارة والما، بل راحة كبرى.

والذهاب إلى الحج وممارسة العبادات قد يحملان مشقة جسدية، لكن هذه المشقة تمنح الإنسان طمأنينة لا يجدها في الراحة الخالية من الغاية.

وكذلك يتحمل الرياضي مشقة التدريب، لكنه يجد في نتائجها قوة ورضا، لأن التعب كان مرتبطًا بهدف واضح.

ومن يخرج صباحًا من بيته ويعمل بجد واجتهاد من أجل لقمة الحلال، يشعر حين يعود إلى أسرته بلذة السكن والراحة، لأنه بذل الجهد وأدى مسؤوليته.

وهذا هو معنى الوقوف مع الحق، قد يكون فيه تعب، لكن نتيجته طيبة. أما الباطل الذي يقوم على الكسل والهرب من المسؤولية، فقد يبدو راحة جسدية، لكنه يتحول إلى ألم يفسد النفس والحياة.

وقد قال أبو فراس الحمداني:

«ولا خير في دفع الردى بمذلة --- كما ردها يومًا بسوأته عمرو».

فالنجاة من الموت إذا كانت بثمن الذل ليست نجاة حقيقية. وقد يكون الموت مع الكرامة أفضل من حياة يفقد فيها الإنسان حريته وضميره وكرامته.

وهذا ما عبّر عنه الإمام الحسين عليه السلام حين رأى الموت في طريق الحق سعادة، ورأى الحياة مع الظالمين برمًا.

الهروب من التحديات والمسؤولية

الوهم الآخر الذي يدفع الإنسان إلى الحياد هو البحث عن الأمان من خلال الهروب من التحديات والمواجهات. حيث يظن الإنسان أن الأمان يعني ألا يواجه مشكلة، وألا يدخل في امتحان، وألا يتحمل مسؤولية يمكن أن تعرضه للخسارة.

لكن الهروب من التحديات لا يصنع إنسانًا آمنًا، بل يصنع شخصية ضعيفة. فالشخص الذي يهرب من كل تحدٍّ يعتاد الضعف، ويبدأ بتبرير فشله وإلقاء اللوم على الآخرين.

وإذا ظهر أمامه موقف يحتاج إلى شجاعة انسحب منه، ثم يكرر الانسحاب حتى يصبح الاستسلام جزءًا من شخصيته. وبذلك يعيش الهزيمة والذل بدل أن يحصل على الأمان الذي كان يبحث عنه.

ولا يقتصر أثر هذا السلوك عليه وحده، بل قد ينتقل إلى الآخرين، لأن الضعف يمكن أن يتحول إلى ثقافة يتعلمها أفراد المجتمع بعضهم من بعض.

والإنسان يميل بطبيعته إلى الراحة، خصوصًا إذا كان تفكيره سطحيًا ولا ينظر إلى النتائج البعيدة. ولهذا يكون وهم الأمان سهل الانتشار، بينما يحتاج الوقوف مع الحق إلى وعي وبصيرة وثبات.

وقد قال أمير المؤمنين عليه السلام:

«وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيَظْهَرَنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ عَلَيْكُمْ لَيْسَ لِأَنَّهُمْ أَوْلَى بِالْحَقِّ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لِإِسْرَاعِهِمْ إِلَى بَاطِلِ صَاحِبِهِمْ وَإِبْطَائِكُمْ عَنْ حَقِّي»(7).

كان الإمام عليه السلام يبين لأصحابه سبب تفوق أصحاب الباطل. لم يكن ذلك لأنهم أولى بالحق، بل لأنهم أسرعوا إلى نصرة باطلهم، بينما أبطأ أصحاب الحق وتخاذلوا عن نصرة إمامهم.

والإمام لا يمدح إسراعهم إلى الباطل، بل ينتقد التفاوت بين حركة الباطل وتباطؤ أهل الحق. فالباطل قد ينتصر لأن أصحابه يتحركون، بينما يتردد أهل الحق وينتظرون ويبحثون عن السلامة.

ومن هنا تظهر خطورة الإبطاء عن الحق. فالإنسان قد لا يعلن أنه يرفض الحق، لكنه يؤخر موقفه حتى تضيع الفرصة، ويقول إنه يحتاج إلى مزيد من الوقت، أو ينتظر اتضاح النتائج بعد أن تكون الحجة قد اتضحت له.

وفي أثناء انتظاره يتقدم الباطل ويحتل المساحات التي تركها أهل الحق فارغة.

وقد كان أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام يعرفون منزلته، وسمعوا ما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله في ارتباط علي عليه السلام بالحق، لكن بعضهم تباطأ عن نصرته وخاف من المواجهة.

ومع تكرار التخاذل يصبح الجبن صفة مترسخة في النفس. يتخاذل الإنسان مرة، ثم ثانية وثالثة، حتى يستمكن منه الضعف والوهن.

وهكذا قد ينتصر الباطل بسبب الإبطاء عن الحق. فلا يحتاج دائمًا إلى أن يكون قويًا بذاته، بل تكفيه حالة السكون التي يعيشها من يفترض أنهم يحملون الحق ويدافعون عنه.

وقد قال أمير المؤمنين عليه السلام:

«وَايْمُ اللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ مِنْ سَاقَتِهَا حَتَّى تَوَلَّتْ بِحَذَافِيرِهَا وَاسْتَوْسَقَتْ فِي قِيَادِهَا مَا ضَعُفْتُ وَلَا جَبُنْتُ وَلَا خُنْتُ وَلَا وَهَنْتُ وَايْمُ اللَّهِ لَأَبْقُرَنَّ الْبَاطِلَ حَتَّى أُخْرِجَ الْحَقَّ مِنْ خَاصِرَتِهِ»(8).

في هذه الكلمات يظهر موقف الإنسان الذي لا يهرب من المسؤولية. فهو لا يضعف ولا يجبن ولا يخون ولا يهن، لأنه يعرف أن إخراج الحق من داخل الباطل يحتاج إلى جهد وثبات.

وهذا المعنى انعكس في عاشوراء، حيث تخاذل كثير من الناس عن نصرة الإمام الحسين عليه السلام، ولم يسارعوا إلى الحق، بل تباطؤوا وانتظروا.

والإنسان الذي يريد السعادة لا بد أن يتعلم ألا يهرب من مسؤوليته، وألا يجعل الخوف على نفسه ومصالحه سببًا لترك الحق.

وقد واجه أمير المؤمنين عليه السلام هذا السلوك حين دعا أصحابه إلى مواجهة العدو، فقال لهم:

«فَيَا عَجَباً عَجَباً وَاللَّهِ يُمِيتُ الْقَلْبَ وَيَجْلِبُ الْهَمَّ مِنَ اجْتِمَاعِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ عَلَى بَاطِلِهِمْ وَتَفَرُّقِكُمْ عَنْ حَقِّكُمْ فَقُبْحاً لَكُمْ وَتَرَحاً حِينَ صِرْتُمْ غَرَضاً يُرْمَى يُغَارُ عَلَيْكُمْ وَلَا تُغِيرُونَ وَتُغْزَوْنَ وَلَا تَغْزُونَ وَيُعْصَى اللَّهُ وَتَرْضَوْنَ، فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِالسَّيْرِ إِلَيْهِمْ فِي أَيَّامِ الْحَرِّ قُلْتُمْ هَذِهِ حَمَارَّةُ الْقَيْظِ أَمْهِلْنَا يُسَبَّخْ عَنَّا الْحَرُّ وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِالسَّيْرِ إِلَيْهِمْ فِي الشِّتَاءِ قُلْتُمْ هَذِهِ صَبَارَّةُ الْقُرِّ أَمْهِلْنَا يَنْسَلِخْ عَنَّا الْبَرْدُ كُلُّ هَذَا فِرَاراً مِنَ الْحَرِّ وَالْقُرِّ فَإِذَا كُنْتُمْ مِنَ الْحَرِّ وَالْقُرِّ تَفِرُّونَ فَأَنْتُمْ وَاللَّهِ مِنَ السَّيْفِ أَفَرُّ»(9).

كانوا يبحثون عن أعذار تتيح لهم تأجيل المسؤولية. فإذا جاء الشتاء قالوا البرد شديد، وإذا جاء الصيف قالوا الحر شديد. والمشكلة لم تكن في الطقس، بل في غياب الإرادة والاستعداد لتحمل الواجب.

ومن يهرب من المسؤولية لا يحصل على الأمان والراحة، بل يسمح للباطل بأن يتقدم ويستولي على حياته.

وقال أمير المؤمنين عليه السلام:

«أَيُّهَا النَّاسُ لَوْ لَمْ تَتَخَاذَلُوا عَنْ نَصْرِ الْحَقِّ وَلَمْ تَهِنُوا عَنْ تَوْهِينِ الْبَاطِلِ لَمْ يَطْمَعْ فِيكُمْ مَنْ لَيْسَ مِثْلَكُمْ وَلَمْ يَقْوَ مَنْ قَوِيَ عَلَيْكُمْ لَكِنَّكُمْ تِهْتُمْ مَتَاهَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَعَمْرِي لَيُضَعَّفَنَّ لَكُمُ التِّيهُ مِنْ بَعْدِي أَضْعَافاً بِمَا خَلَّفْتُمُ الْحَقَّ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَقَطَعْتُمُ الْأَدْنَى وَوَصَلْتُمُ الْأَبْعَدَ»(10).

فالتخاذل عن نصرة الحق يجعل الباطل يطمع في الناس ويقوى عليهم. ومن يضع المسؤولية جانبًا يدخل في التيه، لأنه يفقد الطريق والغاية.

والتيه لا يقف عند جيل واحد، بل قد يتضاعف في الأجيال التالية. فكل جيل يترك مسؤوليته يورث الجيل الذي بعده واقعًا أشد تعقيدًا، حتى يصبح المجتمع غير قادر على معرفة المخرج.

وعدم الوصول إلى المخرج هو أحد معاني التيه. وهذا ما تعانيه كثير من المجتمعات، ومنها بعض مجتمعاتنا الإسلامية، حيث يضع كل فرد المسؤولية على الآخرين.

يقول الواحد منهم: أنا غير مسؤول، وليتحمل غيري الأمر. وبذلك تضيع الواجبات العينية والكفائية، ويبقى الباطل بلا مقاومة.

وحتى إذا لم ينصر الإنسان الباطل بصورة مباشرة، فإنه قد يقويه حين يترك مسؤوليته بعد أن تتضح له.

وتحمل المسؤولية من أهم مبادئ تحقيق السعادة، لأنها تمنح الإنسان معنى وغاية، وتخرجه من السكون والتيه.

ويستفاد من قول الإمام الحسين عليه السلام:

«إن لم يكن لكم دين وكنتم لا تخافون المعاد فكونوا أحرارًا في دنياكم».

أن الحر يعرف الحق ويتحمل مسؤوليته، أما العبد فإنه يركن إلى الباطل ويجعل نفسه تابعًا للدنيا ومصالحها.

الحرية ليست أن يفعل الإنسان ما يشاء من دون ضابط، بل أن يتحرر من الخوف والطمع والرغبة التي تجعله عبدًا للظالم أو للمصلحة.

ومن هنا يكون تحمل المسؤولية أساسًا للخروج من التيه، والعودة إلى المسار الذي يمنح الحياة معناها.

الواقع الموهوم والاستلاب الثقافي

من نتائج التعايش مع الباطل أن يصنع الإنسان لنفسه واقعًا ذاتيًا موهومًا.

فهو يريد الهرب من آلام الواقع وتحدياته، ومن الصبر والعمل والجهد الذي يحتاجه التغيير، فيبدأ بتقديم تفسيرات تريحه من المسؤولية.

يبرر موقفه مرة، ثم يكرر التبرير حتى يصدق ما صنعه لنفسه. يكذب على ذاته، ثم يبدأ بتحوير الواقع، فلا يراه كما هو، بل كما يريد أن يراه.

وبذلك يصنع واقعًا وهميًا ينسجم مع مصالحه وأهوائه، ويعيش فيه كأنه الحقيقة.

وتزداد خطورة هذا الوهم حين يتحول إلى حالة اجتماعية سائدة، لأن الناس يتعلم بعضهم من بعض، ويصبح التبرير ثقافة عامة.

فالواحد يرى الآخرين يتهربون من المسؤولية، فيجد في موقفهم دليلًا يبرر به موقفه. وهكذا يبتعد المجتمع عن الحق ويقترب من الباطل، مع أنه يزعم أنه يعيش في حياد.

والتبرير المتكرر يجعل الإنسان يعيد تفسير الواقع وفق مصلحته. ومع استمرار ذلك يفقد قدرته على رؤية الحقيقة كما هي، ثم يصبح مستعدًا لتلقي أفكار الآخرين وتبنيها من دون فحص، فتظهر حالة الاستلاب العقائدي والثقافي.

فالإنسان الذي يبتعد عن العقيدة الحقيقية يحتاج مع ذلك إلى تصور يفسر له الحياة، فيتبنى أفكارًا تتغير بحسب مصالحه وأهوائه، لأنها لم تبن على أساس عقائدي ثابت.

قال تعالى:

(وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُواْ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ) البقرة/42.

فتلبيس الحق بالباطل يعني خلطهما حتى تضيع الحدود بينهما. يأخذ الإنسان شيئًا من الحق وشيئًا من الباطل، ثم يصنع منهما تصورًا موهومًا لا يقوم على حقيقة ثابتة.

وقد يستخدم الطغاة والمستبدون هذه التصورات للهيمنة على الناس. فبدل أن يفرضوا سلطتهم بالقوة وحدها، يعملون على نشر أفكار تبرر لهم وتمنحهم القدرة على التحكم في المجتمع.

كما تتلقى مجتمعاتنا اليوم بعض الأفكار والأنماط الاستهلاكية الوافدة من الغرب من دون فحص أو نقد، ويتعامل معها بعض الناس بوصفها معيارًا للتقدم والانفتاح، من غير أن يختبروا مدى انسجامها مع عقيدتهم وقيمهم وواقعهم.

والإشكال ليس في الاستفادة من تجارب الآخرين أو التعرف إلى أفكارهم، بل في التلقي الأعمى الذي يسلب الإنسان قدرته على التفكير انطلاقًا من هويته وواقعه.

وقد بثت بعض الاتجاهات في الناس أن من يتبنى أفكارها هو المثقف والتنويري والمنفتح، بينما من يتمسك بقيمه وعقيدته يقدم بوصفه متخلفًا أو منغلقًا.

لكن هذه التبعية ليست ثقافة حقيقية، لأنها تسلب الإنسان قدرته على المراجعة والتمييز، وتجعله يستهلك الأفكار كما يستهلك السلع.

وكلما اتسعت مساحة التردد والابتعاد عن المسؤولية أصبح الحق أصعب على الناس، لأن الباطل ينمو فيها، وتنمو معه الأفكار المنحرفة والتبعية الثقافية.

ويميل الناس إلى الأكثرية، فيقول الإنسان: هل يعقل أن يكون هؤلاء جميعًا مخطئين وأكون أنا وحدي على صواب؟

لكن كثرة السالكين لا تجعل الطريق حقًا، كما أن قلة أهل الحق لا تجعلهم على باطل.

وقد كانت مساحة التردد واسعة في زمن الإمام الحسين عليه السلام. كان كثير من الناس محايدين ومترددين، بينما كان الذين وقفوا معه قلة.

ولهذا قال أمير المؤمنين عليه السلام:

«أَيُّهَا النَّاسُ لَا تَسْتَوْحِشُوا فِي طَرِيقِ الْهُدَى لِقِلَّةِ أَهْلِهِ فَإِنَّ النَّاسَ قَدِ اجْتَمَعُوا عَلَى مَائِدَةٍ شِبَعُهَا قَصِيرٌ وَجُوعُهَا طَوِيلٌ»(11).

فالإنسان يستوحش حين يرى الأكثرية في جهة أخرى، ويشعر أن الوقوف مع الحق يحتاج إلى شجاعة. لكن الحق لا يقاس بعدد أتباعه، بل بموافقته للحقيقة والعدل.

ويقول أمير المؤمنين عليه السلام:

«وَلَا تُطِيعُوا الْأَدْعِيَاءَ الَّذِينَ شَرِبْتُمْ بِصَفْوِكُمْ كَدَرَهُمْ وَخَلَطْتُمْ بِصِحَّتِكُمْ مَرَضَهُمْ وَأَدْخَلْتُمْ فِي حَقِّكُمْ بَاطِلَهُمْ وَهُمْ أَسَاسُ الْفُسُوقِ وَأَحْلَاسُ الْعُقُوقِ اتَّخَذَهُمْ إِبْلِيسُ مَطَايَا ضَلَالٍ وَجُنْداً بِهِمْ يَصُولُ عَلَى النَّاسِ وَتَرَاجِمَةً يَنْطِقُ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ اسْتِرَاقاً لِعُقُولِكُمْ وَدُخُولًا فِي عُيُونِكُمْ ونَفْثاً فِي أَسْمَاعِكُمْ فَجَعَلَكُمْ مَرْمَى نَبْلِهِ وَمَوْطِئَ قَدَمِهِ وَمَأْخَذَ يَدِهِ»(12).

تكشف هذه الكلمات اسباب الاستلاب العقائدي والتبعية الثقافية، فالناس شربوا مع صفائهم الفطري الملوثات الكدرة لأدعياء منحرفين، خلطوا صحة عقيدتهم بمرضهم النفسي والاخلاقي، فأدخلوا باطلهم في حقهم.

والأدعياء هم أساس الفسوق، وقد جعلهم إبليس مطايا للضلال وجنودًا يتحرك بهم بين الناس. ينطق على ألسنتهم، ويدخل من خلالهم إلى العقول والعيون والأسماع.

وبذلك يصبح الإنسان هدفًا للتضليل وكذلك وسيلة، وموضعًا تتحرك فيه مشروعات الظالمين، لأنه لم يحافظ على صفاء عقيدته ووعيه.

فالخلط بين الصفاء والكدر، وبين الصحة والمرض، وبين الحق والباطل، يصنع واقعًا موهومًا يظن الإنسان أنه يمنحه السلام والأمان.

لكنه سلام موهوم، لأن الإنسان قد يتحول في النهاية إلى أداة في مشروعات الآخرين، وهو يتصور أنه محايد أو مستقل.

الهداية من حيرة الضلالة

من هنا نفهم بصورة أعمق قول الإمام الصادق عليه السلام في زيارة الأربعين:

«وبذل مهجته فيك ليستنقذ عبادك من الجهالة وحيرة الضلالة».

لقد أصبح الابتعاد عن المسؤولية واقعًا يعيشه كثير من الناس في أفكارهم وسلوكهم، حتى تطبعوا معه وعدّوه حياة طبيعية. وفي هذا الواقع تختلط المفاهيم، فلا يعرفون الحق من الباطل، ولا يعرفون أين يقفون، ويعيشون حيرة الضلالة.

وقد بذل الإمام الحسين عليه السلام مهجته ليستنقذ الناس من هذه الجهالة والحيرة، ويمنحهم معيارًا واضحًا يعرفون من خلاله الحق ويتحملون مسؤوليتهم تجاهه.

ولهذا نحتاج إلى وعي يمنع سرقة عقولنا من الأدعياء الذين يلبسون الحق بالباطل ويصنعون للناس واقعًا موهومًا. ونحتاج في ذلك إلى إدراك مسؤوليتنا، فلا نهرب منها، ولا نتحول إلى أدوات لأجندات الظالمين والمستبدين.

إن قول الإمام الحسين عليه السلام: «ليرغب المؤمن في لقاء الله محقًا» يمثل محور السعادة الذي ينقذ الإنسان من الاستلاب العقائدي والتبعية الثقافية. فمن جعل غايته لقاء الله محقًا لم يسمح للمصلحة والخوف والراحة السهلة بأن تسرق منه موقفه، ولم يبحث عن مكان يختبئ فيه من مسؤوليته.

خاتمة وتمهيد للمقال الخامس

تكشف المنطقة الرمادية عن وهم الحياد بين الحق والباطل بعد اتضاح الحقيقة وقيام المسؤولية. فالإنسان الذي لا ينصر الحق ولا يعمل على توهين الباطل لا يبقى موقفه بلا أثر، بل قد يسمح للباطل بأن يتقدم ويصبح ذلك موقفا.

وقد عاش كثير ممن عرفوا الإمام الحسين عليه السلام هذا الوهم. أحبوه وعرفوا منزلته، لكنهم لم ينصروه، لأنهم بحثوا عن الراحة والأمان والابتعاد عن الألم والمسؤولية.

غير أن الراحة الحقيقية لا تتحقق بالهرب من الحق. فالحق ثقيل في تكاليفه لكنه طيب العاقبة، والباطل خفيف في بدايته لكنه يحمل المرض والأذى والعاقبة السيئة.

كما أن الألم ليس دائمًا نقيض السعادة. فقد يصبح الألم الذي يتحمله الإنسان في العبادة والعمل وخدمة الآخرين ونصرة الحق طريقًا إلى الطمأنينة والرضا، بينما تتحول الراحة الخالية من المسؤولية إلى ضعف وتيه وقلق وحزن.

والهروب من التحديات يضعف الشخصية، والهروب من المسؤولية يسمح للباطل بأن يستمكن، ثم يقود إلى صناعة واقع موهوم يستبدل فيه الإنسان الحقيقة بالتبرير.

ومن هذا الواقع تنشأ حالة الاستلاب العقائدي والتبعية الثقافية، حيث تختلط العقيدة بالأوهام، ويدخل الباطل في الحق، ويصبح الإنسان متلقيًا لأفكار الآخرين من دون فحص أو وعي.

أما السعادة في نهج الإمام الحسين عليه السلام فتقوم على معرفة الحق ونصرته وتحمل المسؤولية والرغبة في لقاء الله محقًا. ومن خلال هذه المعاني يخرج الإنسان من التردد، ويستعيد بصيرته وحريته ووضوح غايته.

وفي المقال الخامس نواصل البحث من خلال مفهوم الحقيقة النسبية التي تؤدي إلى حجب الفطرة وخلط المفاهيم وتقبيح الحسن وتحسين القبيح مما يجعل المجتمعات تعيش حياة كئيبة ومظلمة تفتقد الطمأنينة، وهنا يأتي دور الاستنقاذ من مستنقع الجهالة وحيرة الضلالة التي تسببها الحقيقة النسبية عبر تحرير الفطرة، وعندما يتواصل الإنسان مع فطرته يدرك بوضوح أن الحق والباطل مطلقان وليسا نسبيان.

انتهى المقال الرابع من السلسلة...

* حوارات بثت على قناة المرجعية في مناسبة زيارة الأربعين 1447

................................................

**للاطلاع على المقال الأول من السلسلة:

https://annabaa.org/arabic/ashuraa/46742

المقال الثاني:

https://annabaa.org/arabic/ashuraa/46826

المقال الثالث:

https://annabaa.org/arabic/ashuraa/46922

(1) ثواب الأعمال وعقاب الأعمال، الشيخ الصدوق، ص ٢٥٩.

عَنْ أَبِي الْجَارُودِ عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ الْمَشْرِقِيِّ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى الْحُسَيْنِ ع أَنَا وَابْنُ عَمٍّ لِي وَهُوَ فِي قَصْرِ بَنِي مُقَاتِلٍ فَسَلَّمْنَا عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَمِّي يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ هَذَا الَّذِي أَرَى خِضَابٌ أَوْ شَعْرُكَ فَقَالَ خِضَابٌ وَالشَّيْبُ إِلَيْنَا بَنِي هَاشِمٍ يُعَجِّلُ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا فَقَالَ جِئْتُمَا لِنُصْرَتِي فَقُلْتُ إِنِّي رَجُلٌ كَبِيرُ السِّنِّ كَثِيرُ الدَّيْنِ كَثِيرُ الْعِيَالِ وَفِي يَدِي بَضَائِعُ لِلنَّاسِ وَلَا أَدْرِي مَا يَكُونُ وَأَكْرَهُ أَنْ أُضَيِّعَ أَمَانَتِي وَقَالَ لَهُ ابْنُ عَمِّي مِثْلَ ذَلِكَ قَالَ لَنَا فَانْطَلِقَا فَلَا تَسْمَعَا لِي وَاعِيَةً وَلَا تَرَيَا لِي سَوَاداً فَإِنَّهُ مَنْ سَمِعَ وَاعِيَتَنَا أَوْ رَأَى سَوَادَنَا فَلَمْ يُجِبْنَا وَلَمْ يُعِنَّا كَانَ حَقّاً عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُكِبَّهُ عَلَى مَنْخِرَيْهِ فِي النَّارِ.

(2) مقتل الحسين (ع)، أبو مخنف الأزدي، ص ٨٦.

(3) مقتل الحسين (ع)، المقرم، عبد الرزاق المقرم، ص ١٩٩.

(4) نهج البلاغة، الحكمة رقم: 262.

(5) نهج البلاغة، الحكمة رقم: 376.

(6) نهج البلاغة، خطبة رقم: 28.

(7) نهج البلاغة، خطبة رقم: 97.

(8) نهج البلاغة، خطبة رقم: 104.

(9) نهج البلاغة، خطبة رقم: 27.

(10) نهج البلاغة، خطبة رقم: 166.

(11) نهج البلاغة، خطبة رقم: 201.

(12) نهج البلاغة، خطبة رقم: 192.


ذات صلة

زيارة الأربعين والتكافل الحسيني في المنهج الحضاري للإمام الشيرازيالأربعين كقوة ناعمة: كيف تعيد القيم الحسينية تقديم الإسلام للعالم؟زيارة الأربعين.. قراءة جديدة في حديث العلامات الخمس الهوية المؤمنة في مدرسة الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)زيارة الأربعين.. بوصفها مشروعاً لبناء الإنسان والمجتمع والدولةلماذا يشعر الزائر الأجنبي في الأربعين أنه لم يعد غريبًا؟