ماذا تعلّمنا الأربعين عن الامتنان الذي يعيد بناء الإنسان؟

كمال عبيد

2026-08-04 05:15

في زحام الطريق المؤدي إلى كربلاء، كان أحد الزائرين يتوقف عند كل موكب تقريبًا، لا لأنه يحتاج إلى الطعام أو الماء، وإنما لأنه يريد أن يقول كلمة واحدة فقط: "شكرًا." كان يمدّ يده إلى الخادم، فيجيبه الأخير بسرعة وكأنه يخشى أن يسبقه الامتنان: "لا... إحنا اللي نشكرك لأنك شرّفتنا."

يتكرر المشهد عشرات المرات في اليوم الواحد. الزائر يشكر الخادم، والخادم يشكر الزائر، حتى يبدو الأمر وكأن كل طرف يشعر بأنه المدين للآخر.

في عالمٍ اعتاد أن يقيس العلاقات بمن قدّم أكثر ومن أخذ أكثر، تبدو هذه الصورة استثناءً يستحق التأمل. كيف تتحول الخدمة إلى امتنان؟ وكيف يصبح العطاء سببًا للشكر من الطرفين معًا؟ ولماذا تذبل هذه الثقافة في حياتنا اليومية بينما تزدهر بصورة لافتة في زيارة الأربعين؟

هذه الأسئلة لا تتعلق بزيارة دينية فحسب، وإنما تمسّ جوهر الإنسان، وطبيعة المجتمع، ومستقبل العلاقات بين الناس. لا تُولد ثقافة الامتنان من الوفرة، وإنما من الوعي بقيمة الإنسان.

ولهذا تبدو زيارة الأربعين تجربة اجتماعية نادرة؛ لأنها لا تكتفي بتقديم الطعام أو الماء أو المأوى، وإنما تعيد تعريف العلاقة بين من يعطي ومن يأخذ. فالخادم لا يشعر أنه صاحب فضل، والزائر لا يتصرف بوصفه مستحقًا للخدمة، وإنما يرى كل واحد منهما الآخر سببًا في نيل الأجر والمعنى.

هنا يفقد العطاء نبرة الاستعلاء، ويفقد الأخذ شعور الحرج. وتلك معادلة أخلاقية يصعب العثور عليها في كثير من المجتمعات الحديثة.

لقد تناول علماء النفس الإيجابي مفهوم الامتنان بوصفه أحد أهم مصادر الصحة النفسية والتماسك الاجتماعي. وتشير دراسات عديدة إلى أن الأشخاص الذين يمارسون الشكر بوعي يمتلكون مستويات أعلى من الرضا عن الحياة، وعلاقات أكثر استقرارًا، وقدرة أكبر على تجاوز الضغوط.

 

غير أن الامتنان في الأربعين يتجاوز كونه شعورًا فرديًا؛ فهو يتحول إلى ثقافة عامة يعيشها ملايين الناس في الوقت نفسه.

ربما لهذا السبب لا تكاد تسمع كلمة "هذا واجبي" بصيغتها الباردة، وإنما تسمع عبارات أكثر دفئًا: "قصرت ويانا." "سامحنا إذا قصرنا." "دعواتكم." "تشرفنا بخدمتكم."

هذه العبارات تبدو بسيطة، لكنها تحمل فلسفة اجتماعية كاملة. فهي لا تُنتج علاقة بين خادم وزائر، وإنما بين إنسان وإنسان. ولعل أخطر ما أصاب كثيرًا من المجتمعات المعاصرة هو تراجع هذه اللغة الإنسانية، حتى أصبحت الخدمات تُقاس بالثمن، والعلاقات تُقاس بالمصلحة، والكلمات الجميلة تُعدّ أحيانًا ترفًا لا ضرورة له.

أما في الأربعين، فإن كلمة شكر قد تكون أثمن من وجبة كاملة؛ لأنها تمنح الإنسان شعورًا بأن جهده لم يذهب سدى. ومن المثير أن الامتنان هنا يسير في اتجاهين. الخادم يشعر أن الزائر منحه فرصة للخدمة. والزائر يشعر أن الخادم حفظ له كرامته وأراحه في سفره. وهكذا لا يبقى أحد في موقع الأعلى أو الأدنى. إنها مساواة أخلاقية نادرة.

وقد لخّص القرآن هذه القيمة حين جعل الشكر جزءًا من بناء الإنسان قبل أن يكون مجرد ردّ فعل، فقال تعالى:

﴿وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾

(سورة لقمان: 12).

فالامتنان لا يغيّر الآخر فقط، وإنما يعيد تشكيل صاحبه أيضًا. المشكلة أن هذه الثقافة كثيرًا ما تبقى حبيسة موسم الأربعين. فما إن تنتهي الزيارة حتى يعود كثير من الناس إلى لغة مختلفة؛ حيث يقلّ الاعتراف بالجميل، ويضعف تقدير الجهود، ويصبح النقد أسرع من الشكر.

 في مؤسساتنا، كم موظفًا يسمع كلمة "أحسنت"؟ وفي بيوتنا، كم مرة نشكر الأم على تعبها اليومي؟ وكم أبًا يعود من عمله دون أن يسمع كلمة تقدير؟ وكم معلّمًا يزرع سنوات من عمره في تلاميذه ثم يغادر بصمت؟ ربما لا نعاني من نقص الخدمات بقدر ما نعاني من ندرة الاعتراف بمن يقدمها. ولهذا فإن الامتنان ليس مسألة أخلاقية فحسب، وإنما مورد اجتماعي واقتصادي أيضًا. فالمؤسسات التي تنتشر فيها ثقافة التقدير ترتفع فيها الإنتاجية، ويزداد الانتماء، وتنخفض النزاعات، لأن الإنسان حين يشعر أن جهده مرئي، يمنح أكثر. وليس من المصادفة أن تكون المجتمعات الأكثر استقرارًا هي تلك التي نجحت في تحويل الامتنان إلى سلوك يومي، لا إلى مناسبة موسمية. فالشكر يعيد توزيع الطاقة الإيجابية بين الناس. ويمنح العامل دافعًا للاستمرار. ويمنح المتطوع سببًا لمواصلة عطائه. ويمنح الأسرة مناخًا أكثر دفئًا. ويمنح المجتمع قدرة أكبر على مقاومة القسوة التي تفرضها الحياة الحديثة.

إن أعظم ما يمكن أن نحمله معنا بعد انتهاء الأربعين ليس الصور، ولا الهدايا، ولا حتى الذكريات وحدها، وإنما هذه الثقافة الهادئة التي تجعل الإنسان يرى فضل الآخرين عليه قبل أن يرى فضله عليهم. ثقافة تقول إن كلمة طيبة قد ترفع معنويات إنسان أكثر مما تفعل مكافأة مالية. وإن الاعتراف بالجميل ليس مجاملة اجتماعية، وإنما استثمار طويل الأمد في العلاقات الإنسانية. وربما يحتاج العراق اليوم، كما تحتاج مجتمعات كثيرة، إلى أن تنتقل هذه الروح من المواكب إلى المؤسسات، ومن طريق الزائرين إلى المدارس والجامعات والدوائر والبيوت.

توصيات

اجعل الشكر عادة يومية، لا استجابة استثنائية عند المناسبات.

علّم الأطفال الامتنان بالفعل قبل الكلمات، فهم يتعلمون مما يرونه أكثر مما يسمعونه.

ليكن تقدير الجهد جزءًا من ثقافة المؤسسات، فالكفاءة تنمو في البيئات التي تعترف بالعطاء.

لا تربط الامتنان بحجم الإنجاز؛ فكثير من الأعمال الصغيرة تحفظ كرامة الإنسان وتصنع الفارق.

استثمر تجربة الأربعين بوصفها مدرسة اجتماعية، لا حدثًا موسميًا، وانقل قيمها إلى تفاصيل الحياة اليومية.

تذكّر أن المجتمع الذي يكثر فيه الشكر، يقلّ فيه الجفاء، ويزداد فيه التعاون، لأن الامتنان لا يغيّر العلاقات فقط، وإنما يعيد تشكيل الإنسان من الداخل، ويجعله أكثر قدرة على رؤية الخير في الآخرين قبل البحث عن أخطائهم.


ذات صلة

زيارة الأربعين والتكافل الحسيني في المنهج الحضاري للإمام الشيرازيالعيش في المنطقة الرمادية.. حين يتحول الحياد إلى خذلان للحق السعادة في زيارة الأربعين.. وخصوصية ارتباطها بالإمام الحسين عليه السلام(4)الأربعين كقوة ناعمة: كيف تعيد القيم الحسينية تقديم الإسلام للعالم؟زيارة الأربعين.. قراءة جديدة في حديث العلامات الخمس الهوية المؤمنة في مدرسة الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)زيارة الأربعين.. بوصفها مشروعاً لبناء الإنسان والمجتمع والدولة