الزائرين المشاة ورسالة التغيير عند أبواب الحكام
محمد علي جواد تقي
2026-07-28 05:02
عندما ورد الصحابي الجليل؛ جابر بن عبد الله الانصاري أرض كربلاء بعد حوالي اربعين يوماً من استشهاد الامام الحسين، عليه السلام، برفقة صديقه؛ عطية العوفي، أدى مراسيم الزيارة لمن كان يكنّ له حبّاً شديداً من أيام طفولته وصباه، وكان جابر بصيراً –مكفوفاً- وما أن دلّه صاحبه الى تراب القبر وأحسّ ببرده سقط مغشياً عليه، الى آخر الرواية، ولكن؛ هذا الصحابي الجليل والموالي المخلص، سمع من صاحبه أن سوادة تطلّ عليهم من بعيد، و على الفور استجمع جابر قواه وطلب التحقق مما اذا كان القادمون من جُند ابن زياد، يقول: "لعلنا نلجأ الى ملجأ"، طبعاً؛ كانت السوداة هي قافلة الامام زين العابدين، مع عماته ومن تبقى من عيال الإمام الحسين، قادمة من الشام صوب المدينة، وقد عرجوا على كربلاء لزيارة مرقد الامام الحسين، عليه السلام.
لماذا كانت الدوريات العسكرية للنظام الأموي تجوب صحاري كربلاء بالقرب من مرقد الامام الحسين لمنعهم من زيارته؟
ما الذي كان يخشاه عبيد الله بن زياد، والنظام الأموي، ومن بعدهم العباسيون من زائري مرقد الامام الحسين إن كانت الزيارة متقصرة على البكاء والنحيب، وممارسة طقوس وأعمال معينة؟
الحزن والبكاء عند مرقد الامام الحسين له أبعاد واسعة أدركها جيداً الحكام الطغاة قبل غيرهم، فهي عاطفة مدعومة بالعقل والإرادة والتدبّر والتفكّر بالأوضاع السائدة التي يخلقها أهل السياسة والحكم، وعادة ما تكون مغموسة بالفساد والظلم وانتهاك الحريات والحرمات، ويكفي إجراء مطابقة سريعة بين هذه السياسات وبين أسباب نهضة الامام الحسين، و وقوفه بوجه النظام الأموي، لتخلق قوة معارضة من نوع خاص لا يُقهر يأتي تدريجياً على أسس وقواعد تلكم السياسات، والبداية؛ في سلب الشرعية الجماهيرية، ثم تعبئة الرأي العام للتحرك والمواجهة، والأهم من كل هذا، وهي النقطة الانفجارية غير القابلة للتحكم؛ مفهوم الشهادة والتضحية لتحقيق الإصلاح والتغيير الشامل أسوة بما قام به الامام الحسين، عليه السلام، في واقعة الطف.
رسالة التغيير السلمية
ربما يعتقد البعض أن حركة الامام الحسين، عليه السلام، وما جرى يوم عاشوراء، تتّسم بالطابع الثوري والعسكري، وهي السمة التي فرضها الطرف المقابل لجبهة الحق، بينما أصرّ الامام الحسين حتى اللحظات الاخيرة لأن يثبت للتاريخ والاجيال سلمية حركته من خلال سلسلة طويلة من الخطب والنصائح في ظهيرة اليوم العاشر من المحرم، ثم اقتدى به عدد من الصحابة الكرام بخطب عصماء بينت الحقائق لأهل الكوفة المغرر بهم، لإلقاء آخر الحجج عليهم بشكل نهائي "فنحن إخوة على دين واحد قبل أن يقع بيننا وبينكم السيف"، كما في التعبير البليغ للصحابي المتبصّر؛ مسلم بن عوسجة.
إن العنف والإرهاب والقسوة ليست من شيم أهل بيت رسول الله، ولا هي من منهجهم الرسالي الممتد منذ فجر الإسلام، إنما هي وسائل العاجزين والخائبين من الرد المنطقي والعقلي على دعوات الإصلاح والتغيير التي تمثل استجابة لحاجات الانسان الفطرية، وحمل السيف والسلاح هو للدفاع عن النفس ليس إلا، حتى إن الحديث الشريف عن أمير المؤمنين بأن "اغزوهم قبل أن يغزوكم، فوالله ما غُزي قومٌ في عقر دارهم إلا ذلوا"، تعود الى حالة المواجهة العسكرية المستمرة بين جبهة الاسلام وجبهة الكفر والنفاق، كما في الغزوات التي كان يخوضها رسول الله، صلى الله عليه وآله، دفاعاً عن الإسلام والمسلمين، ومن بعده أمير المؤمنين، عليه السلام، وحروبه الدفاعية للقضاء على فايروس الفتنة في جسد الأمة.
هنا يبدو أن الكرة في ملعب الحاكم، ومن أي منظومة سياسية كان؛ ديمقراطية، او ديكتاتورية، وحتى إن حكمت باسم الدين، فلها أن تقرر طريقة التعامل مع الطرح الإصلاحي –التغييري، و بقدر مرونتها وتفهمها تكون مساهمة في تحقيق السلم الأهلي والمصلحة العامة، لاسيما وأن جميع الانظمة السياسية في بلادنا الاسلامية تتحدث عن "مصالح الشعب"، فهذا هو ميدان الاختبار الحاسم أمام جماهير الأمة، فان هي اصطدمت بهذا المشروع الحضاري فانها تتحمل نتائج سيئة في الحاضر والمستقبل، فهي تخسر المواجهة الحقيقية كما خسرها أول الفاشلين في هذه المسيرة؛ يزيد بن معاوية، ثم يشتر الخسارة والخيبة، القاعدة الجماهيرية لذاك النظام الحاكم على مر الزمن بسبب وصمة العار التي ألصقها الحاكم على جبينهم، والمثال القديم؛ جمهور الأمويين، والمثال الحديث؛ جمهور "الصداميين"، الاثنين كانوا في زمانهم يتلذذون بنشوة الحكم والهيمنة على جماجم وأشلاء المعارضين، وحتى الاطفال والنساء بسبب الانتماء، ولكن فيما بعد اصبحوا يتوارون عن الانظار بعد سقوط صنمهم الكبير، ويحاولون غسل ايديهم من تلكم الدماء دون جدوى.
محاولات الاحتواء
إنها قضية حياة أو موت؛ مادياً ومعنوياً، فالقضية ليست بالهيّن لارتباطها بقيم تُعد من أسس البناء الحضاري لأي أمة متقدمة، مثل؛ الحرية، والعدالة، والمساواة، والكرامة الانسانية، لذا نلاحظ السعي على طول الخط لاحتواء الموضوع، او انتزاع صاعق الانفجار منه بهدوء من خلال إبعادها عن عنصر العقل والتفكّر الذي أشرنا اليه آنفاً، و حصر القضية في إطارها العاطفي بإقامة المجالس الحسينية، وتسيير المواكب في الشوارع، وتوزيع الطعام والشراب في كل مكان.
وقد جرب هذا النظام البعثي –الصدامي في سني السبعينات –كما اتذكر- لبضع سنوات قبل أن تتحول الى سهام عندما رفع بوجهها السيف بعد اكتشاف ضآلة حجمه أمام قضية بحجم النهضة الحسينية، فقد تصور امكانية الجمع بين زيارة المراقد المقدسة –كما فعل صدام بنفسه- وبين دخول الملاهي الليلية و نوادي القمار على سبيل المثال، بل كان عازماً على جعل هذه المراقد المقدسة معالم أثرية تاريخية تصلح لالتقاط الصور وتنظيم الرحلات الترفيهية كما تشهد معالم أثرية في العراق مثل؛ طاق كسرى جنوب شرق العاصمة بغداد، او زقورة أور في الناصرية، أو بوابة عشتار في بابل.
ولكنه اكتشف أن القضية أبعد بكثير من رؤيته المادية البسيطة، إنما الزائرون يتطلعون الى أعماق هذه المراقد، وتحديداً مرقد الامام الحسين، عليه السلام، لاستخلاص دروس وعِبر وأفكار جديدة تفيدهم لمعالجة واقعهم السيئ في ظل هذا النظام الفاسد.
وهذا تحديداً ما يخشاه كل نظام قائم على البرغماتية –الذرائعية التي تعد المنفعة معيار الحق في الحياة، فاليوم لا توجد مواجهة عسكرية على غرار ما جرى يوم عاشوراء، إنما الحياة طبيعية؛ سواءً في ظل الديكتاتورية او الديمقراطية، إنما المواجهة صامتة وقاتلة في آن، وهذه السمة المميزة في شعيرة الزيارة الاربعينية هي التي جعلت شيعة أمير المؤمنين في كل مكان يتمسكون بهذه الزيارة بكل ما أوتوا من قوة، ويتخذوا من المشي لمسافات بعيدة نحو مدينة كربلاء المقدسة، لغة للتحدث عن استحقاق الإصلاح والتغيير في الأمة بشكل عام، وفي البلدان التي يعيشون فيها بشكل خاص، وإلا ما هي المنفعة الملموسة من وراء إنفاق المال على إعداد الطعام، والشراب، وتوفير أماكن السكن والعلاج والنقل للزائرين هذه الأيام، لاسيما وأننا نلاحظ أن معظم المنفقين والعاملين في المواكب الخدمية هم من شريحة الطبقة المتوسطة أو دونها ايضاً، مع الحضور المميز لأصحاب الايادي البيضاء من الميسورين؟
الملايين الزاحفة نحو مرقد الامام الحسين تشكو اليوم الظلم والحرمان والفساد في أماكن سكناهم، وهم يشتركون مع مضيفيهم في قلّة ذات اليد بسبب السياسات الاقتصادية الفاشلة والجائرة للحكومات التي طالما تدّعي الدفاع عن "حقوق المواطن"، و"مصالح الشعب"، بينما هي أبعد ما تكون عنهم، وهي أقرب الى الفساد والمحسوبية والنهب المريع لثروات هذا الشعب.
وعليه؛ فان رسالة الإصلاح والتغيير السلمية تبقى مرفوعة بوجه الحكام خلال زيارة الاربعين كل عام، لتكون لافتة تذكير لاتخاذ ما يلزم من اجراءات سريعة لإعادة النظر في السياسات الاقتصادية، وطريقة تعاملهم مع المواطنين حفظاً للسلم والاستقرار وإلا؛ {فَلا عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ}.