الإمام السجاد (ع) وإدارة المرحلة الأخطر في تاريخ الأمة الإسلامية
صباح الصافي
2026-07-11 04:54
تُعدُّ دراسة القيادة في لحظات الأزمات الكبرى من أهمِّ ميادين البحث في الدِّراسات الحضاريَّة؛ لأنَّ الأمم لا تُختبر في أوقات الاستقرار بقدر ما تُختبر في مراحل الاضطراب والانهيار، حين تتعرَّض هويتها الفكريَّة، وقيمها الدِّينيَّة، ووحدتها الاجتماعيَّة إلى أخطار تهدِّد وجودها. وفي مثل هذه الظُّروف تبرز شخصيَّة القائد الذي يمتلك رؤية بعيدة، وقدرة على تشخيص الواقع، واختيار الوسائل المناسبة لحماية المبادئ، وصيانة الرِّسالة من التَّحريف والضياع. ومن هنا فإنَّ دراسة سيرة الأئمَّة (عليهم السلام) لا ينبغي أن تقتصر على عرض الوقائع التَّاريخيَّة؛ وإنَّما تتجه إلى استكشاف مناهجهم في إدارة الأزمات، وتحليل قراراتهم في ضوء الظُّروف السِّياسيَّة والاجتماعيَّة والفكريَّة التي أحاطت بهم.
وقد أولى القرآن الكريم عناية كبيرة بقيادة الأنبياء والأوصياء (عليهم السلام) في المراحل الحرجة، فجعل من قصصهم مادةً للتَّدبر والاعتبار، قال الله (تعالى): (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَٰكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)(1)، وقال (سبحانه): (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ)(2). وتكشف هاتانِ الآيتانِ أنَّ القيادة الإلهيَّة تقوم على البصيرة، والصَّبر، واليقين، وهي عناصر تتجلَّى بأوضح صورها عند دراسة مواقف أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام) في مواجهة الأزمات التي عصفت بالأمَّة الإسلاميَّة.
ومن المفاهيم التي تحتاج إلى تأصيل في هذا السِّياق مفهوم إدارة المرحلة؛ ويراد به رسم سياسة متكاملة تراعي طبيعة الواقع، وتحدِّد الأولويات، وتحافظ على الثَّوابت، مع اختيار الوسائل الأكثر قدرة على تحقيق الأهداف في ظلِّ الإمكانات المتاحة. ويكشف القرآن الكريم عن هذا المنهج في أكثر من موضع، ومن ذلك قوله (تعالى): (ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ)(3)، وقوله (سبحانه): (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ)(4)؛ إذ تشير الآيتان إلى أنَّ نجاح المشروع الإلهي يرتبط بحسن اختيار الأسلوب المناسب، مع الثَّبات على المبادئ وعدم التَّفريط بها.
ويكتسب هذا المفهوم بعدًا أعمق عند دراسة المرحلة التي أعقبت واقعة عاشوراء؛ فهي من أكثر المراحل حساسيَّة في التَّاريخ الإسلامي، لِما اقترن بها من اضطراب سياسي، وانهيار أخلاقي، وتشويه فكري، ومحاولات منظمة لطمس معالم الرِّسالة المحمَّديَّة، وإلغاء الامتداد الشَّرعي المتمثِّل بأهل البيت (عليهم السلام).
وفي خضم هذه الظُّروف، تولَّى الإمام عليُّ بن الحسين السجاد (عليهما السلام) قيادة الأمَّة في واحدة من أدق المراحل وأشدِّها تعقيدًا. فقد اجتمع عليه عبء المحافظة على خط الإمامة، وصيانة أهداف النَّهضة الحسينيَّة، وإعادة بناء الإنسان المؤمن في زمنٍ ساد فيه الخوف، وتراجعت فيه معايير الحقِّ والباطل عند كثير من النَّاس. ومن هنا اتَّخذ الإمام (عليه السلام) منهجًا ينسجم مع طبيعة المرحلة، فاعتمد التَّربية، ونشر المعارف، وبناء الوعي، وإحياء الذَّاكرة الحسينيَّة، وإرساء منظومة الحقوق، حتَّى هيَّأ الأرضيَّة العلميَّة والفكريَّة التي ازدهرت في عصر الإمامينِ الباقر والصَّادق (عليهما السلام).
وقد أشار الإمام الصَّادق (عليه السلام) إلى هذا الواقع المرير بقوله: "ارْتَدَّ النَّاسُ بَعْدَ قَتْلِ الحُسَيْنِ (عليه السلام) إلَا ثَلَاثَةً، أَبَا خَالِدٍ الكَابُلِيَّ، وَيَحْيَى بْنَ أُمِّ الطَّوِيلِ، وَجُبَيْرَ بْنَ مطعمٍ"(5)، وهو نصٌّ يكشف حجم التَّحدي الذي واجهه الإمام زين العابدين (عليه السلام) عند بداية إمامته، كما يكشف طبيعة المشروع الإصلاحي الذي نهض به لإعادة بناء القاعدة المؤمنة.
المحور الأوَّل: تشخيص المرحلة
المطلب الأوَّل: انهيار الشَّرعيَّة السياسيَّة وآثارها
شكَّلت واقعة الطَّف نقطة فاصلة في التَّاريخ السِّياسي الإسلامي؛ إذ كشفت عن أزمة عميقة في مفهوم الشَّرعيَّة التي ادَّعتها السُّلطة الأمويَّة. فقد كان قُتِلَ سبط رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، وهو الإمام الحسين (عليه السلام)، مع أهل بيته وأصحابه (عليهم السلام)، ثمَّ سبي نسائه وأطفاله، حدثًا هزَّ الضَّمير الإسلامي، وأسقط الغطاء الدِّيني والأخلاقي الذي حاولت الدَّولة الأمويَّة أن تضفيه على حكمها. ومنذ تلك اللحظة أصبح الجدل يدور حول أصل مشروعيَّة بقائه في موقع القيادة بعد ارتكابه جريمة استهدفت الامتداد الشَّرعي لرسول الله (صلَّى الله عليه وآله).
وقد قرَّر القرآن الكريم أنَّ القيادة لا تنال بالبطش والقوَّة؛ وإنَّما ترتبط بالعدالة والطَّهارة، قال الله (تعالى): (وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) (6). وتضع هذه الآية قاعدة عامَّة مفادها أنَّ الظُّلم يسقط أهليَّة الإنسان لتولِّي منصب الإمامة والقيادة، فلا يمكن الجمع بين الظُّلم وبين حمل العهد الإلهي.
ومن هنا فقد فقدت السُّلطة الأموية أحد أهمِّ مقوِّمات الاستقرار السِّياسي، وهو القبول الشَّعبي القائم على الشَّرعية الدِّينيَّة، وأصبحت تعتمد بصورة متزايدة على أدوات القوَّة العسكريَّة والأمنية لضمان استمرار نفوذها، الأمر الذي مهَّد لظهور موجات متلاحقة من الاعتراض والثَّورات في مختلف الأقاليم الإسلاميَّة.
فقد ثار أهل المدينة بعد عودة السَّبايا ونقلهم تفاصيل المأساة، كما عاد وفد المدينة من دمشق معلنًا فساد يزيد وانحرافه، فخلع أهل المدينة طاعته وأخرجوا عامله. وردَّ يزيد بإرسال جيش بقيادة مسلم بن عقبة الذي ارتكب مجزرة الحرَّة، فقتل الآلاف من أهل المدينة، وانتهكت الحرمات، وخلَّفت الواقعة آثارًا اجتماعيَّة وإنسانيَّة بالغة القسوة(7).
كما قامت ثورة التَّوابين بقيادة سليمان بن صرد الخزاعي، حيث اجتمع الآلاف عند قبر الإمام الحسين (عليه السلام) معلنين التَّوبة من تقصيرهم في نصرته، ثمَّ توجهوا لقتال الجيش الأموي في عين الوردة، واستبسلوا في القتال حتَّى استشهد قادتهم وانتهت الثَّورة عسكريًّا، مع بقائها رمزًا للنَّدم والوفاء(8).
وأعقبها قيام ثورة المختار الثَّقفي التي رفعت شعار الثَّأر للإمام الحسين (عليه السلام)، وتمكَّنت من الاقتصاص من عدد كبير من المشاركين في قتله (صلوات الله عليه)(9).
وفي المقابل، برزت حركة عبد الله بن الزُّبير مستثمرة حالة السَّخط الشَّعبي على الأمويين، إلَّا أنَّ دوافعها كانت ذات طابع سياسي يهدف إلى الوصول إلى الحكم، ولم تنطلق من مشروع إصلاحي مرتبط بأهل البيت (عليهم السلام)، كما عُرف عن ابن الزُّبير موقفه السّلبي منهم (عليهم السلام)(10). وممَّا نُقل أنَّه قال ذات مرَّة لابن عبَّاس: "إنِّي لأكتم بغضكم أهل البيت منذ أربعين سنة"(11).
وقد برهنت هذه الأحداث وغيرها على أنَّ السُّلطة التي تفقد مشروعيَّتها الأخلاقيَّة والدِّينية لا تستطيع المحافظة على بقائها إلَّا بالقوَّة والقمع، في حين بقيت نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) المرجعيَّة الفكريَّة التي استلهمت منها تلك الحركات دوافعها، وإن اختلفت في أهدافها ووسائلها ونتائجها.
المطلب الثَّاني: الأزمة الاجتماعيَّة والأخلاقيَّة
إنَّ دراسة الواقع الذي أعقب واقعة الطَّف لا تكتمل من دون الوقوف على طبيعة البيئة التي وجد الإمام السَّجاد (عليه السلام) نفسه فيها؛ فقد ورث مجتمعًا أنهكته الأزمات، وأحاطت به موجات متلاحقة من الانحراف الأخلاقي والاجتماعي والفكري، حتَّى غدت القيم الإسلاميَّة الأصيلة مهدَّدة في كثير من مفاصل الحياة. ولم تكن هذه التَّحولات وليدة ظروف عفويَّة؛ وإنَّما جاءت نتيجة سياسات مدروسة انتهجتها السُّلطة الأمويَّة لإعادة تشكيل وعي الأمَّة بما ينسجم مع مصالحها، فعملت على إضعاف الضَّمير الدِّيني، وتفكيك التَّركيبة الاجتماعيَّة، ومحاصرة الامتداد الرِّسالي لأهل البيت (عليهم السلام). ومن هنا تبرز أهميَّة التَّعرف إلى أبرز ملامح هذا الواقع؛ لأنَّه يمثِّل المدخل الأساس لفهم طبيعة المشروع الإصلاحي الذي نهض به الإمام زين العابدين (عليه السلام)، وحجم التَّحديات التي واجهها في سبيل إعادة بناء الإنسان والمجتمع؛ وأهمّها:
1. إشاعة اللهو والمجون
يمتلك الحاكم قدرة كبيرة على تشكيل المناخ الأخلاقي في المجتمع؛ وسرعان ما تنتقل سلوكياته إلى المحيط العام عبر القدوة والنُّفوذ. وقد اتَّسم عهد يزيد بن معاوية بانحدار أخلاقي واضح؛ لانغماسه في اللهو وشرب الخمر ومجالس الطَّرب، إلى جانب ولعه بالقرود والكلاب والفهود. "وهذه المظاهر لم تبقَ محصورة في شخصه؛ وإنَّما انتشرت بين ولاته وأتباعه، حتَّى شاع الغناء في مكَّة والمدينة، وكثر استعمال الملاهي، وظهر التَّهاون بشرب الخمر، وأصبح يُؤتى بقرده المكنى بـ"أبي قيس" إلى مجالس الشَّراب، ويُجلس على وسادة، في صورة تعكس حجم التَّدهور الأخلاقي الذي ساد آنذاك(12). وامتدَّ أثر هذا الانحراف إلى عدد من الحواضر الإسلاميَّة، وفي مقدِّمتها مكَّة المكرَّمة والمدينة المنورة، نتيجة السِّياسة التي انتهجتها السُّلطة الأمويَّة في نشر مظاهر اللهو والمجون، بقصد إضعاف المكانة الدِّينيَّة لهاتينِ المدينتينِ في نفوس المسلمينَ. ومع مرور الوقت، أخذ الغناء والملاهي ينتشرانِ على نطاق واسع، حتَّى غدت المدينة المنورة بيئةً معروفة بهذا اللون من التَّرف، حتَّى قال بعض المؤرخين: "إنَّ الغناء في المدينة لا ينكره عالمهم، ولا يدفعه عابدهم"(13)، وهو وصف يكشف حجم التَّحول الأخلاقي الذي أصاب المجتمع آنذاك.
وتكشف هذه المظاهر عن مستوى خطير من التَّراجع الأخلاقي الذي شهده ذلك العصر، وهو واقع يتعارض بصورة مباشرة مع المبادئ التي أرستها الشَّريعة الإسلاميَّة، القائمة على تهذيب النَّفس، وترسيخ الإيمان والتَّقوى، وصيانة الإنسان من مواطن اللهو والفساد. فقد وجَّه الإسلام أتباعه إلى استثمار أعمارهم في العمل الصَّالح، والتَّنافس في الخيرات، والسَّعي إلى تزكية النَّفس والارتقاء بها نحو مراتب الكمال، قال الله (تعالى): (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ)(14)، وقال (سبحانه): (وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ* وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ)(15)، ولذلك، فإنَّ شيوع اللهو والمجون مثَّل خروجًا عن المنظومة القيميَّة التي جاء بها الإسلام لبناء الفرد والمجتمع.
2. تفكك المنظومة الاجتماعيَّة
شهد المجتمع الإسلامي في تلك المرحلة تحولات اجتماعيَّة عميقة أفرزت أنماطًا متعدِّدة من الانحراف، جاءت نتيجةً لتراكم عوامل فكريَّة وأخلاقيَّة وسياسيَّة. وقد أسهم اتِّساع رقعة الدَّولة الإسلاميَّة بفعل الفتوحات في انفتاح المسلمين على حضارات وثقافات وعادات متنوِّعة، كما أدَّى اختلاطهم بالشُّعوب التي دخلت الإسلام إلى انتقال كثير من الموروثات الاجتماعيَّة والسُّلوكيات الوافدة إلى البيئة الإسلاميَّة، الأمر الذي أحدث تغيُّرات واضحة في المنظومة الاجتماعيَّة، وأوجد ممارسات لم تكن مألوفة في المجتمع الإسلامي الأوَّل.
وفي العهد الأموي بلغت مظاهر الانحراف الاجتماعي مستويات خطيرة، حتَّى أصبح الولاء للسُّلطة في بعض الأحيان مقدَّمًا على المبادئ والقيم، فوجدت فئة باعت ضمائرها ومواقفها لقاء المكاسب الدُّنيويَّة، متخليةً عن الحقِّ والعدل. وقد أشار القرآن الكريم إلى خطورة هذا المسلك بقوله (تعالى): (وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا)(16)، في إشارة إلى رفض المتاجرة بالدِّين أو المبادئ من أجل المصالح الزَّائلة، وهي صورة تجسِّد جانبًا من التَّراجع القيمي الذي أصاب شريحة من المجتمع في تلك المرحلة(17).
ومن مظاهر التَّدهور الاجتماعي في العصر الأموي تراجع الشُّعور بالأمن، وانتشار أجواء الخوف في مختلف أقاليم الدَّولة، فلم يعد النَّاس-مسلمين وغير مسلمين- يشعرون بالطَّمأنينة على أنفسهم وأموالهم. وقد أسهمت سياسة البطش التي انتهجتها السُّلطة في تكريس هذا الواقع؛ إذ اتَّسعت دائرة العقوبات لتشمل الأبرياء، وأصبحت التُّهمة أو مجرَّد الشبهة كافية للزَّج بالأفراد في السُّجون أو تعريضهم للقتل، من دون مراعاة لموازين العدل أو ضمانات القضاء. وامتدَّت مظاهر الاستبداد إلى امتهان كرامة الإنسان والحط من منزلته، فاتَّبعت السُّلطة وسائل تشير إلى إخضاع الرَّعية وإشعارها بالدُّونيَّة، حتَّى نُقل أنَّ بعض الولاة كانوا يختمون في أعناق المسلمين أو أيديهم بعلامات تميِّزهم، على نحو يشبه ما كان يُفعل بالعبيد والأسرى في بعض الأمم(18).
المطلب الثَّالث: محاربة أهل البيت (عليهم السلام)
كان أهل البيت (عليهم السلام) يمثِّلون التَّحدّي الأكبر الذي يهدِّد شرعيَّة الحكم الأموي، فصبَّ جهوده على محاربتهم، والعمل على إقصائهم عن قيادة الأمَّة، والسَّعي إلى طمس ذكرهم ومحو آثارهم في الوجدان الإسلامي. وتجسَّد هذا النَّهج بأبشع صوره في واقعة الطَّف، حيث لم تقتصر آلة القتل على الإمام الحسين (عليه السلام) وأهل بيته وأصحابه (عليهم السلام)؛ وإنَّما امتدَّت إلى الطِّفل الرَّضيع، في مشهد يكشف حجم القسوة التي بلغها المشروع الأموي في مواجهة أهل البيت (عليهم السلام)(19).
ولم تقف سياسة بني أمية عند حدود المواجهة العسكريَّة، واتَّجهت إلى اعتماد وسائل متعدِّدة استهدفت استئصال فضائل أهل البيت (عليهم السلام)، والتَّعتيم على مناقبهم، وإبعادهم عن موقعهم الطَّبيعي في الحياة الإسلاميَّة، بغية إعادة تشكيل الوعي العام بما يخدم بقاء السُّلطة وترسيخ نفوذها. ومن أبرز الوسائل التي انتهجها الحكم الأموي لتحقيق ذلك ما يأتي:
- تسخير الوعاظ
اعتمدت السُّلطة الأمويَّة على المنبر الدِّيني باعتباره أداةً مؤثِّرة في توجيه الرَّأي العام، فاستعانت بعدد من الوعاظ والخطباء في مختلف الأقاليم لترويج الخطاب الرَّسمي وترسيخ شرعيَّة الحكم. وقد استُخدمت هذه المنابر في تشويه صورة أهل البيت (عليهم السلام)، والعمل على صرف النَّاس عنهم من خلال بثِّ الرِّوايات والأقوال التي تنتقص من مكانتهم (20)، بما يخدم المصالح السِّياسية للدولة الأمويَّة. وتمثِّل هذه الممارسة نموذجًا لاستغلال الخطاب الدِّيني في خدمة السُّلطة.
- افتعال الرِّوايات لتشويه مكانة أهل البيت (عليهم السلام)
من الوسائل التي نُسبت إلى السِّياسة الإعلاميَّة في العصر الأموي توظيف الرِّواية الدِّينيَّة لخدمة الأهداف السِّياسيَّة، وذلك من خلال تشجيع وضع الأخبار ونسبتها إلى النَّبيِّ الأكرم محمَّد (صلَّى الله عليه وآله) بما يخدم توجهات السُّلطة. وتشير المصادر التَّاريخيَّة إلى أنَّ هذه الظَّاهرة بدأت في عهد معاوية بن أبي سفيان، ثمَّ استمرت في العهود اللاحقة، حيث استُخدمت الرِّوايات الموضوعة للنَّيل من مكانة أهل البيت (عليهم السلام)، أو لصناعة فضائل مصطنعة لشخصيات أخرى بقصد إيجاد موازنة تقلل من منزلتهم في الوعي الإسلامي(21).
- العنف ضد شيعة أهل البيت (عليهم السلام)
تعرَّض أتباع أهل البيت (عليهم السلام) في العهد الأموي إلى حملات واسعة من القمع والاضطهاد، بدأت قبل واقعة كربلاء وازدادت حدَّتها بعدها، إذ انتهجت السُّلطة سياسة تقوم على ملاحقتهم والتَّضييق عليهم في مختلف جوانب حياتهم. وتشير المصادر التَّاريخية إلى أنَّهم تعرَّضوا لألوان متعدِّدة من العقوبات، شملت القتل والصلب والسجن والدَّفن أحياءً، فضلًا عن هدم منازلهم، وحرمانهم من العطاء، وردِّ شهاداتهم، وإثارة الرُّعب في أوساطهم، في محاولة لعزلهم وإضعاف حضورهم الاجتماعي والسِّياسي. ومن أبرز ضحايا تلك السِّياسة سعيد بن جبير، الذي قُتل بأمر الحجاج(22)، وكذلك كميل بن زياد النَّخعي؛ أحد خواص أمير المؤمنين (عليه السلام)، والذي استشهد بسبب ولائه وتمسكه بمبادئه، ليغدو مثالًا لما تعرَّض له أتباع أهل البيت (عليهم السلام) من اضطهاد خلال تلك المرحلة(23).
وتكشف هذه المظاهر عن أنَّ المجتمع الإسلامي بعد واقعة كربلاء كان يعيش أزمة حضاريَّة شاملة مسَّت جوانبه الأخلاقيَّة والاجتماعيَّة والفكريَّة، وامتدَّت إلى منظومة القيم والهوية والانتماء. فقد أُشيع اللهو والمجون، وتفككت الرَّوابط الاجتماعيَّة، وغُيِّبت معايير العدل والكرامة، وتعرَّض أهل البيت (عليهم السلام) وشيعتهم لأوسع حملات التَّشويه والإقصاء والاضطهاد، في محاولة لإفراغ الأمَّة من مرجعيتها الرِّساليَّة. وفي ظلِّ هذا الواقع المعقد، برزت الحاجة إلى مشروع إصلاحي طويل النَّفس، يتجاوز المواجهة العسكريَّة إلى إعادة بناء العقيدة، وإحياء الضَّمير، وصناعة الإنسان الواعي القادر على مقاومة الانحراف. ومن هذا المنطلق يمكن فهم طبيعة الأدوار التي اضطلع بها الإمام السَّجاد (عليه السلام)؛ إذ جاءت حركته المباركة استجابةً واعية لمقتضيات تلك المرحلة، وسعت إلى معالجة جذور الأزمة، وتمهيد الطَّريق لاستعادة الأمَّة هويتها الإسلاميَّة الأصيلة.
المطلب الرَّابع: ترويج الأفكار المنحرفة
روَّج أصحاب السُّلطة للأفكار والعلوم التي تخصُّ الحضارات الأخرى التي لا تعترف بالإسلام؛ ومن هنا فقد نشطت خطوط فكرية كثيرة منها المرجئة، والمجبرة، وغيرها من الخطوط المنحرفة؛ وهنا واجه الإمام (عليه السلام) هذه المشكلة بشتَّى فروعها سواء على المستوى العقائدي، أو الأخلاقي، أو الفقهي، أو في شتَّى مجالات العلم الأخرى.
وفي رواية لما كان (عليه السلام) في مسجد رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) ذات يوم إذ سمع قومًا يشبِّهون الله (سبحانه) بخلقه، ففزع لذلك وارتاع له، ونهض حتَّى أتى قبر رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، فوقف عنده، ورفع صوته يناجي ربَّه (تبارك وتعالى): "إِلَهِي، بَدَتْ قُدْرَتُكَ وَلَمْ تَبْدُ هَيْئَةٌ فَجَهَلُوكَ، وَقَدَّرُوكَ بِالتَّقْدِيرِ عَلَى غَيْرِ مَا بِهِ أَنْتَ شَبَّهُوكَ، وَأَنَا بَرِيءٌ يَا إِلَهِي مِنَ اَلَّذِينَ بِالتَّشْبِيهِ طَلَبُوكَ، لَيْسَ كَمِثْلِكَ شَيْءٌ. إِلَهِي، وَلَمْ يُدْرِكُوكَ وَظَاهِرُ مَا بِهِمْ مِنْ نِعْمَةٍ دَلِيلُهُمُ عَلَيْكَ لَوْ عَرَفُوكَ، وَفِي خَلْقِكَ يَا إِلَهِي مَنْدُوحَةٌ أَنْ يُنَاوِلُوكَ، بَلْ سَوَّوْكَ بِخَلْقِكَ، فَمِنْ ثَمَّ لَمْ يَعْرِفُوكَ، وَاِتَّخَذُوا بَعْضَ آيَاتِكَ رَبّاً فَبِذَلِكَ وَصَفُوكَ، فَتَعَالَيْتَ يَا إِلَهِي عَمَّا بِهِ اَلْمُشَبِّهُونَ نَعَتُوكَ"(24).
وهكذا كان الطَّواغيت يصرِّحون بعقيدة الجبر حتَّى يبرروا أعمالهم؛ ولكن الإمام (عليه السلام) كان لهم بالمرصاد؛ فقد ذكر المؤرخون لمَّا التفت ابن زياد إليه (عليه السلام)، فقال: مَن هذا؟
فقيل: عليّ بن الحسين.
فقال: أليس قد قتل الله عليَّ بن الحسين؟
فقال (عليه السلام): قد كان لي أخٌ يقال له: عليّ بن الحسين، قتله النَّاس.
فقال: بل قتله الله.
وفي رواية: قال: كان لي أخ يسمَّى عليّ، فقتله النَّاس، أو "قد قُتل".
فقال: إنَّ الله قتله.
فقال (عليه السلام): اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِهَا.
فقال ابن زياد: ألَكَ جرأة على جوابي! اذهبوا به، فاضربوا عنقه.
فسمعت به عمَّته زينب الكبرى، فقالت: يابن زياد، إنّكَ لم تبقِ منَّا أحدًا، فإن كنت عزمت على قتله، فاقتلني معه، فكفَّ عنه.
فقال (عليه السلام) لعمَّته: اُسكتي ياعمَّتي حتَّى أُكلِّمه، ثُمَّ أقبل (عليه السلام) على ابن زياد: أبالقتل تهدِّدني يابن زياد؟! أما علمت أنَّ القتل لنا عادة، وكرامتنا الشَّهادة (25).
المحور الثَّاني: الرُّؤية الاستراتيجيَّة للإمام السَّجاد (عليه السلام) في إدارة المرحلة
المطلب الأوَّل: الانتقال من المواجهة العسكريَّة إلى البناء الحضاري
اتَّسمت سياسة الإمام السَّجاد (عليه السلام) بعد واقعة كربلاء بالنَّظر العميق إلى طبيعة المرحلة والظُّروف التي كانت تمرُّ بها الأمَّة؛ لذلك لم يتَّجه إلى المشاركة في الثَّورات التي اندلعت في عصره، كما لم يدخل في مواجهة مباشرة مع حكَّام بني أمية، إلَّا في الحالات التي تفرضها الضَّرورة. وقد انطلق هذا الموقف من قراءة دقيقة للواقع؛ إذ إنَّ أيَّ تحرُّك عسكري في تلك الظُّروف لم يكن يحقِّق الغاية المرجوة، في ظلِّ القبضة الأمنيَّة الشَّديدة التي فرضتها السُّلطة، وما تعرَّض له أتباع أهل البيت (عليهم السلام) من ملاحقة واضطهاد.
كما أنَّ ابتعاد الإمام (عليه السلام) عن الثَّورات المسلحة جعل السُّلطة تنظر إليه بوصفه منشغلًا بالعبادة والزُّهد والبكاء على أبيه الإمام الحسين (عليه السلام)، الأمر الذي دفعها إلى تخفيف جانب من الحصار والمراقبة المفروضينِ عليه، بعد أن لم تعد تراه قائدًا لتحرك عسكري مباشر. وقد أتاح هذا الواقع للإمام مساحة أوسع لممارسة دوره في رعاية المجتمع، والمحافظة على الامتداد الرِّسالي بعيدًا عن الصِّدام الذي كانت نتائجه معروفة في تلك المرحلة.
غير أنَّ هذا النَّهج لم يكن يعني انعزال الإمام (عليه السلام) عن المجتمع أو انصرافه عن أداء مسؤولياته الرِّسالية؛ وإنَّما اقتصر على تجنُّب المواجهة السياسيَّة المباشرة مع السُّلطة، مع استمرار حضوره الفاعل في رعاية المجتمع، وتوجيهه دينيًّا وأخلاقيًّا واجتماعيًّا. ومن هنا برزت أدواره الإصلاحيَّة المتعدِّدة التي أسهمت في معالجة مشكلات المجتمع الإسلامي على الرَّغم من الظُّروف الصَّعبة التي فرضها الحكم الأموي. ومن تلك الأدوار تجسيدُه لمبدأ التَّكافل الاجتماعي ورعاية الفقراء والمحتاجين، إذ لم يقتصر إصلاحه على التَّوجيه والإرشاد؛ بل امتدَّ إلى العمل الميداني المباشر في قضاء حوائج النَّاس وتأمين معيشتهم. فقد تكفَّل الإمام زين العابدين (عليه السلام) أيَّام حياته العديد من النَّاس، فكان يقضي حوائجهم في العيش. عن محمَّد بن إسحاق: "أَنَّهُ كَانَ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ يَعِيشُونَ لَا يَدْرُونَ مِنْ أَيْنَ مَعَاشُهُمْ، فَلَمَّا مَاتَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ فَقَدُوا مَا كَانُوا يُؤْتَوْنَ بِهِ بِاللَّيْلِ"(26). ويكشف هذا السُّلوك عن حرص الإمام (عليه السلام) على إخفاء صدقاته وإعانته للمحتاجين، وهو ما ينسجم مع ما ورد في أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) من الحثِّ على صدقة السَّر وبيان عظيم فضلها. فقد تضافرت الأخبار الشَّريفة عن أهل البيت (عليهم السلام) في فضل صدقة السِّر؛ ومن ذلك: عن أبي عبدالله (عليه السلام)، قال: "صَدَقَةُ الْعَلَانِيَةِ تَدْفَعُ سَبْعِينَ نَوْعاً مِنَ الْبَلَاءِ، وَصَدَقَةُ السِّرِّ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ"(27). وعنه (عليه السلام): "وَكَانَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ (عَلَيْهِمَا السَّلَامُ) يَخْرُجُ فِي اللَّيْلَةِ الظَّلْمَاءِ، فَيَحْمِلُ الْجِرَابَ فِيهِ الصُّرَرُ مِنَ الدَّنَانِيرِ والدَّرَاهِمِ حَتّى يَأْتِيَ بَاباً بَاباً، فَيَقْرَعُهُ، ثُمَّ يُنِيلُ مَنْ يَخْرُجُ إِلَيْهِ، فَلَمَّا مَاتَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ (عَلَيْهِمَا السَّلَامُ) فَقَدُوا ذَاكَ، فَعَلِمُوا أَنَّ عَلِيّاً (عَلَيْهِ السَّلَامُ) كَانَ يَفْعَلُهُ"(28).
وفي بعض الأخبار: "وَلَمَّا وُضِعَ (عليه السلام) عَلَى الْمُغْتَسَلِ نَظَرُوا إِلَى ظَهْرِهِ وَعَلَيْهِ مِثْلُ رُكَبِ الْإِبِلِ مِمَّا كَانَ يَحْمِلُ عَلَى ظَهْرِهِ إِلَى مَنَازِلِ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ"(29).
المطلب الثَّاني: صناعة الإنسان قبل صناعة الدَّولة
يكشف التَّأمل في منهج الإمام السَّجاد (عليه السلام) أنَّ مشروعه الإصلاحي انطلق من بناء الإنسان قبل التَّفكير في بناء الدَّولة؛ لأنَّ الدَّولة ليست سوى إطار تنظيمي يديره الإنسان، فإذا افتقد هذا الإنسان القيم والمبادئ والأخلاق، أصبحت الدَّولة أداةً لنشر الظُّلم والفساد، مهما امتلكت من قوَّة أو مؤسَّسات. أمَّا إذا صلح الإنسان، فإنَّ صلاحه ينعكس على جميع مفاصل الحياة، فتكون الدَّولة ثمرةً طبيعيَّة لذلك البناء.
ولهذا اتَّجه الإمام (عليه السلام) إلى إصلاح الإنسان من داخله، فعمل على تهذيب النَّفس، وتنمية الوعي، وترسيخ التَّقوى، وإحياء الضَّمير، حتَّى يكون الفرد قادرًا على حمل أمانة الحكم والإدارة متى ما تهيأت الظُّروف المناسبة. فبناء الإنسان يمثِّل الأساس الذي تُبنى عليه جميع المشاريع الحضاريَّة، ولا يمكن إقامة مجتمع صالح أو نظام عادل بأفراد فقدوا معايير الاستقامة والنَّزاهة.
وقد أكَّد القرآن الكريم أنَّ إصلاح الواقع يبدأ بإصلاح الإنسان نفسه، قال الله (تعالى): (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ) (30)، فالآية تجعل تغيير النَّفس نقطة الانطلاق لكلِّ تغيير اجتماعي أو سياسي، وتقرِّر أنَّ إصلاح الأنظمة مرتبط بإصلاح النُّفوس التي تتولَّى إدارتها.
كما وصف القرآن الكريم مهمَّة الأنبياء (عليهم السلام) بأنَّها تبدأ بتزكية الإنسان قبل تعليمه، فقال (سبحانه): (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ) (31)، فجعل التَّزكية في صدارة المشروع الرِّسالي؛ لأنَّ المجتمع الذي يخلو من الإنسان المهذَّب سرعان ما تنحرف مؤسَّساته عن أهدافها.
ومن هذا المنطلق؛ انصرف الإمام السجَّاد (عليه السلام) إلى تربية الإنسان، وعدَّ إصلاح الفرد مقدِّمةً لإصلاح المجتمع. فكانت أدعيته ومواعظه وسيرته العمليَّة وسائل متكاملة لتكوين الشَّخصيَّة المؤمنة الواعية، القادرة على التَّمييز بين الحقِّ والباطل، والمتحلية بالأمانة والعدل والصَّبر والإخلاص.
ومن هنا يمكن فهم تركيز الإمام السَّجاد (عليه السلام) على صناعة الإنسان أكثر من تركيزه على إقامة سلطة سياسيَّة في تلك المرحلة؛ لأنَّ الدَّولة التي تُقام قبل إعداد الإنسان قد تقع في أيدي أشخاص تحكمهم الأهواء والمصالح، فتتحوَّل مؤسَّساتها إلى وسائل للفساد وإهدار الحقوق، وقد تنتهي إلى هدم المبادئ التي أُنشئت من أجل حمايتها. أمَّا الإنسان الذي تربَّى على التَّقوى والعدل، فإنَّه يحمل هذه القيم معه أينما كان، سواء كان فردًا عاديًا أم صاحب منصب أو حاكمًا.
المطلب الثَّالث: حفظ الهوية الحسينيَّة
شكَّل الحفاظ على الهوية الحسينيَّة أحد أبرز المرتكزات في مشروع الإمام السَّجاد (عليه السلام) بعد واقعة كربلاء، وكان ينظر إلى استذكار نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) بوصفه وسيلة لحفظ الرِّسالة الإسلاميَّة من التَّحريف، وصيانة المبادئ التي استشهد الإمام الحسين (عليه السلام) من أجلها. فقد أدرك الإمام السَّجاد (عليه السلام) أنَّ السُّلطة الأمويَّة ستسعى بعد قتل الإمام الحسين (عليه السلام) وأهل بيته وأصحابه (عليهم السلام) إلى طمس أهداف النَّهضة وتغيير وعي الأمَّة بحقيقتها، فكان الحفاظ على الهوية الحسينيَّة ضرورةً لبقاء الإسلام الأصيل.
وقد ارتبط هذا المنهج بما أشار إليه القرآن الكريم من وجوب صيانة الحقِّ من الضياع، قال الله (تعالى): (وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ) (32)، فإنَّ أيَّام الله (سبحانه) محطَّات يتجدَّد فيها الوعي بالإيمان والعدل ومواجهة الانحراف. كما قال (سبحانه): ( إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) (33)، وهو توجيه يرسِّخ ثقافة المحافظة على المبادئ مهما اشتدَّت التَّحديات.
ولهذا حرص الإمام السَّجاد (عليه السلام) على إبقاء واقعة الطَّف حاضرةً في وجدان المسلمين، فكان يذكر الإمام الحسين (عليه السلام) في مناسبات متعدِّدة، ويبكي عليه كلَّما أتي بطعام أو ماء؛ ليبقى ارتباط الأمَّة بتلك النَّهضة حيًّا لا يخضع لمحاولات النِّسيان أو التَّزييف. وكان هذا السُّلوك يحمل رسالة فكريَّة وتربويَّة تُعرِّف النَّاس بأهداف ثورة الإمام الحسين (عليه السلام)، وتكشف حقيقة الانحراف الذي أصاب الحكم الأموي.
المحور الثَّالث: وسائل الإمام السَّجاد (عليه السلام) في إدارة الأزمة
الوسيلة الأولى: البكاء وبناء الوعي الجمعي
شكَّلت مأساة كربلاء نقطةً مفصليَّة في حياة الإمام زين العابدين (عليه السلام)؛ إذ عاش بعد استشهاد أبيه الإمام الحسين (عليه السلام) في حالةٍ دائمة من الحزن والأسى، وأصبح البكاء أحد أبرز المظاهر التي عبَّر بها عن عمق المصاب، حتَّى عُدَّ من البكَّائين الخمسة الذين خلَّدت الرِّوايات ذكرهم. فقد روي عن الإمام الصَّادق (عليه السلام) أنَّه قال: "الْبَكَّاءُونَ خَمْسَةٌ: آدَمُ، وَيَعْقُوبُ، وَيُوسُفُ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ، وَعَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ..." (34). ويكشف هذا الحديث عن خصوصيَّة بكائه (عليه السلام)، وأنَّه كان امتدادًا لموقفٍ رسالي ارتبط بحفظ قضية النَّهضة الحسينيَّة، وإبقاء آثارها حاضرة في وجدان الأمَّة.
وقد جسَّد الإمام السجاد (عليه السلام) هذا الحزن في مختلف تفاصيل حياته اليوميَّة، فكان لا يُقدَّم إليه طعام أو شراب إلَّا وتستحضر ذاكرته ما جرى على أبيه (عليه السلام) وأهل بيته (عليهم السلام) في كربلاء، فتغلبه العبرة. وقد نقلت الرِّوايات أنَّ مَوْلًى لَهُ قَالَ لَهُ: "جُعِلْتُ فِدَاكَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ، إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ، قالَ: (إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ) (35) إِنِّي مَا أَذْكُرُ مَصْرَعَ بَنِي فَاطِمَةَ إِلَّا خَنَقَتْنِي لِذَلِكَ عَبْرَةٌ" (36). ويُظهر هذا الاستشهاد القرآني أنَّ حزن الإمام (عليه السلام) كان لونًا من ألوان الصَّبر، والارتباط بالله (تعالى)، واستذكارًا لمظلوميَّة أهل البيت (عليهم السلام).
وتؤكِّد الرِّوايات الشَّريفة استمرار هذه الحالة طوال حياة الإمام (عليه السلام)، فقد روي عن الإمام الصَّادق (عليه السلام): "إنَّ زَينَ العابِدينَ (عليه السّلام) بَكى عَلى أبيهِ أربَعينَ سَنَةً، صائِماً نَهارُهُ، وقائِماً لَيلُهُ، فَإِذا حَضَرَهُ الإِفطارُ وجاءَ غُلامُهُ بِطَعامِهِ وشَرابِهِ، فَيَضَعُهُ بَينَ يَدَيهِ، فَيَقولُ: كُل يا مَولايَ.
فَيَقولُ: قُتِلَ ابنُ رَسولِ اللَّهِ (صلَّى اللَّه عليه وآله) جائِعًا، قُتِلَ ابنُ رَسولِ اللَّهِ (صلَّى اللَّه عليه وآله) عَطشاناً، فَلا يَزالُ يُكَرِّرُ ذلِكَ، ويَبكي حَتّى يُبَلَّ طَعامُهُ مِن دُموعِهِ، ويَمتَزِجَ شَرابُهُ مِنها، فَلَم يَزَل كَذلِكَ حَتّى لَحِقَ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ" (37). ويشير هذا النَّص إلى أنَّ البكاء كان جزءًا من مشروعٍ تربوي وإعلامي حافظ من خلاله الإمام السَّجاد (عليه السلام) على حضور قضية كربلاء في ضمير الأمَّة، وربطها بالقيم التي خرج الإمام الحسين (عليه السلام) من أجلها، وفي مقدِّمتها نصرة الحقِّ، ورفض الظُّلم، وصيانة الدِّين من التَّحريف والانحراف.
الوسيلة الثَّانية: الصَّحيفة السَّجاديَّة
تُعدُّ الصحيفة السجادية من أبرز الآثار العلميَّة والرُّوحية التي خلَّفها الإمام زين العابدين (عليه السلام)، وهي تمثِّل منظومةً معرفيَّةً متكاملة صيغت بلغة الدُّعاء والمناجاة، فجمعت بين التَّربية العقديَّة، والتَّهذيب الأخلاقي، والتَّوجيه الاجتماعي، والرُّؤية الفكريَّة الإسلاميَّة، وكذلك، قدَّمت منهجًا تربويًّا يُرسِّخ معاني العبوديَّة الخالصة، ويغرس في النَّفس روح الخشوع، واستشعار مراقبة الله (تعالى)، والتَّأمل في نعمه وآلائه، حتَّى استحقت أن تُوصف بـ"زبور آل محمد (عليهم السلام)" لِما اشتملت عليه من مضامين إيمانيَّة ومعارف سامية.
وقد جاءت أدعية الإمام السجَّاد (عليه السلام) في ظرفٍ تاريخي اتَّسم بانتشار الانحراف الفكري والأخلاقي، وسيطرة السُّلطة الأمويَّة على المنابر ومؤسَّسات التَّوجيه، فاختار الإمام (عليه السلام) الدُّعاء وسيلةً لبناء الإنسان وإحياء الضَّمير الدِّيني؛ إذ أعادت ربط الإنسان بخالقه (سبحانه)، وربَّته على معرفة النَّفس، واستحضار نعم الله (سبحانه)، والالتزام بمنهج الطَّاعة والعبوديَّة. ويتجلَّى هذا المنهج بوضوح في دعاء عرفة؛ إذ يستعرض الإمام (عليه السلام) مسيرة الإنسان منذ بداية خلقه، متأملًا في فيض النِّعم الإلهيَّة التي أحاطته في جميع مراحل حياته؛ من تكوينه في بطن أمِّه، وحفظه في طفولته، ورزقه، وتربيته، ثمَّ هدايته إلى الإيمان ومعرفة الله (تعالى)، وإلهامه الشُّكر والطَّاعة. ويصوِّر الإمام (عليه السلام) هذه المراحل بأسلوبٍ يوقظ الشُّعور بعظمة المنعم (سبحانه)، ويُنمِّي في النَّفس الإحساس بالافتقار الدَّائم إلى الله (تعالى)، فيقول: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَرْغَبُ إِلَيْكَ، وَأَشْهَدُ بِالرُّبُوبِيَّةِ لَكَ، مُقِرّاً بِأَنَّكَ رَبِّي، وَأَنَّ إِلَيْكَ مَرَدِّي، ابْتَدَأْتَنِي بِنِعْمَتِكَ قَبْلَ أَنْ أَكُونَ شَيْئاً مَذْكُوراً، وَخَلَقْتَنِي مِنَ التُّرَابِ، ثُمَّ أَسْكَنْتَنِي الْأَصْلَابَ، آمِناً لِرَيْبِ الْمَنُونِ وَاخْتِلَافِ الدُّهُورِ، فَلَمْ أَزَلْ ظَاعِناً مِنْ صُلْبٍ إِلَى رَحِمٍ فِي تَقَادُمِ الْأَيَّامِ الْمَاضِيَةِ وَالْقُرُونِ الْخَالِيَةِ، لَمْ تُخْرِجْنِي لِرَأْفَتِكَ بِي وَلُطْفِكَ لِي وَإِحْسَانِكَ إِلَيَّ فِي دَوْلَةِ أَيَّامِ الْكَفَرَةِ، الَّذِينَ نَقَضُوا عَهْدَكَ، وَكَذَّبُوا رُسُلَكَ؛ لَكِنَّكَ أَخْرَجْتَنِي رَأْفَةً مِنْكَ وَتَحَنُّناً عَلَيَّ لِلَّذِي سَبَقَ لِي مِنَ الْهُدَى الَّذِي فِيهِ يَسَّرْتَنِي وَفِيهِ أَنْشَأْتَنِي وَمِنْ قَبْلِ ذَلِكَ رَؤُفْتَ بِي بِجَمِيلِ صُنْعِكَ وَسَوَابِغِ نِعْمَتِكَ، فَابْتَدَعْتَ خَلْقِي مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى، ثُمَّ أَسْكَنْتَنِي فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ بَيْنَ لَحْمٍ وَجِلْدٍ وَدَمٍ، لَمْ تُشَهِّرْنِي بِخَلْقِي، وَلَمْ تَجْعَلْ إِلَيَّ شَيْئاً مِنْ أَمْرِي، ثُمَّ أَخْرَجْتَنِي إِلَى الدُّنْيَا تَامّاً سَوِيّاً، وَحَفِظْتَنِي فِي الْمَهْدِ طِفْلًا صَبِيّاً، وَرَزَقْتَنِي مِنَ الْغِذَاءِ لَبَناً مَرِيّاً، وَعَطَفْتَ عَلَيَّ قُلُوبَ الْحَوَاضِنِ، وَكَفَّلْتَنِي الْأُمَّهَاتِ الرَّحَائِمِ، وَكَلَأْتَنِي مِنْ طَوَارِقِ الْجَانِّ، وَسَلَّمْتَنِي مِنَ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ، فَتَعَالَيْتَ يَا رَحِيمُ يَا رَحْمَانُ حَتَّى إِذَا اسْتَهْلَلْتُ نَاطِقاً بِالْكَلَامِ أَتْمَمْتَ عَلَيَّ سَوَابِغَ الْإِنْعَامِ فَرَبَّيْتَنِي زَائِداً فِي كُلِّ عَامٍ، حَتَّى إِذَا كَمَلَتْ فِطْرَتِي، وَاعْتَدَلَتْ سَرِيرَتِي أَوْجَبْتَ عَلَيَّ حُجَّتَكَ بِأَنْ أَلْهَمْتَنِي مَعْرِفَتَكَ، وَرَوَّعْتَنِي بِعَجَائِبِ فِطْرَتِكَ، وَأَنْطَقْتَنِي لِمَا ذَرَأْتَ فِي سَمَائِكَ وَأَرْضِكَ مِنْ بَدَائِعِ خَلْقِكَ، وَنَبَّهْتَنِي لِذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ وَوَاجِبِ طَاعَتِكَ"(38).
ويتوافق مضمون هذا الدُّعاء مع عدد من الآيات القرآنيَّة التي تدعو إلى التَّفكر في نعم الله (تعالى) واستحضار فضله، كقوله (سبحانه): (إِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ)(39)، وقوله (تعالى): (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ)(40)، كما ينسجم مع وعد الله (سبحانه) للشاكرين في قوله: (لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ)(41). ومن يراجع دعاء عرفة يظهر أنَّ الإمام السجَّاد (عليه السلام) يقوم بسرد النِّعم الإلهيَّة، ويوجِّه الإنسان إلى استثمارها في ترسيخ معرفة الله (تعالى)، وتجديد الشُّكر له، وترجمة تلك المعرفة إلى طاعةٍ وسلوكٍ عملي.
وعبر هذا البناء المعرفي، تحوَّلت الصَّحيفة السَّجاديَّة إلى مدرسةٍ تربويَّة متكاملة، تجمع بين العقيدة والعبادة والأخلاق، وتغرس في الإنسان الوعي بعلاقته بالله (تعالى)، وتدفعه إلى مراجعة ذاته ومحاسبتها، بعيدًا عن المظاهر الشكليَّة للتدين. ولهذا بقيت الصَّحيفة السجاديَّة مصدرًا أصيلًا للفكر الإسلامي، ومرجعًا في التَّربية بشتَّى مجالاتها، لما اشتملت عليه من معانٍ عميقة وأساليب تجمع بين العقيدة السَّليمة، وسلامة المنهج، وجمال الخطاب.
الوسيلة الثَّالثة: رسالة الحقوق
من أهمِّ النُّصوص الإسلاميَّة التي تناولت موضوع الحقوق والواجبات بمنهج متكامل (رسالة الحقوق) للإمام زين العابدين (عليه السلام)؛ فإنَّها تمثِّل رؤيةً حضاريَّةً شاملة لتنظيم علاقة الإنسان بربِّه (تعالى)، وبنفسه، وبالآخرين، عن طريق تحديد الحقوق المتبادلة التي يقوم عليها المجتمع. وقد دوِّنت هذه الرِّسالة في وقتٍ مبكر من التَّاريخ الإسلامي، قبل ظهور المواثيق والنَّظريات القانونيَّة الحديثة التي عُنيت بحقوق الإنسان، الأمر الذي يكشف عن سبق الفكر الإسلامي، ولا سيَّما مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، في تأصيل مفهوم الحقِّ، وإرساء قواعده الأخلاقيَّة والتَّشريعيَّة.
ومن يتأمَّل فيها سيجدها تشمل مختلف جوانب الحياة، فتتناول حقوق الله (تعالى)، وحقوق الإنسان اتِّجاه نفسه، وحقوق أفراد الأسرة، والجيران، والأصدقاء، والمعلمين، والرَّعية، والحاكم، وسائر فئات المجتمع، لتقدِّم بذلك منظومةً متكاملة من الحقوق والالتزامات التي تحفظ التَّوازن في العلاقات.
وقد حظيت الرِّسالة باهتمام العلماء والباحثين، فتناولها عدد كبير منهم بالشَّرح والتَّحليل، بسبب ما اشتملت عليه من مضامين عقديَّة وأخلاقيَّة وتربويَّة وفقهيَّة، ولما تضمَّنته من رؤية دقيقة لمفهوم الحقِّ بوصفه أساسًا لتنظيم حياة الإنسان.
وقد افتتح الإمام (عليه السلام) رسالته ببيانٍ موجز رسم فيه الهيكل العام للحقوق التي بلغ عددها خمسين حقًا، فجاءت مرتبةً وفق تسلسل منطقي يربط بعضها ببعض، بحيث تبدو منظومةً واحدة تتكامل عناصرها، ويؤدِّي كلُّ حق فيها وظيفةً محددة ضمن البناء العام للعلاقات الإنسانية. ويبدأ هذا النّسق بحقِّ الله (تعالى)، باعتباره الأصل الذي تتفرع عنه بقيَّة الحقوق، فيقول: "إعْلَــــمْ رَحِـــــمَكَ اللهُ: أَنَّ للهِ عَلَيْكَ حُــــقُوقًا مُحِيطَةً بكَ فِي كـُلِّ حَرَكَة تَحَرَّكْتَهَا، أَوْ سَكَـــــنَة سَكَنْتَهَا، أَوْ مَنْزِلَة نَزَلْتَهَا، أَوْ جَارِحَة قَلَّبْتَهَا وَآلَةٍ تَصَرَّفْتَ بهَا، بَعْضُهَا أَكْبَرُ مِنْ بَعْض. وَأَكْبَرُ حُقُوقِ اللهِ عَلَيْكَ مَا أَوْجَبَهُ لِنَفْسِهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مِنْ حَقِّهِ الَّذِي هُوَ أَصْلُ الْحُقُوقِ وَمِنْهُ تَفَرَّعَ. ثُمَّ أَوْجَبَهُ عَلَيْكَ لِنَفْسِكَ مِنْ قَرْنِكَ إلَى قَدَمِكَ عَلَى اِختِلافِ جَوَارِحِكَ"(42)، ثمَّ ينتقل إلى حقوق النَّفس والجوارح، فحقوق العباد، حتَّى تتشكَّل رؤية متماسكة تؤكِّد أنَّ استقامة المجتمع لا تتحقَّق إلَّا بحفظ هذه الحقوق والالتزام بأدائها وفق المنهج الذي رسمه الإسلام.
الوسيلة الرَّابعة: العبادة والأخلاق
كان الإمام السجاد (عليه السلام) كثير العبادة، شديد الخوف من الله (تعالى)؛ عن الإمام الصَّادق (عليه السلام)، قال: "كَانَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ (عليه السلام) شَدِيدَ الِاجْتِهَادِ فِي الْعِبَادَةِ، نَهَارُهُ صَائِمٌ، وَلَيْلُهُ قَائِمٌ، فَأَضَرَّ ذَلِكَ بِجِسْمِهِ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَهْ كَمْ هَذَا الدُّءُوبُ؟، فَقَالَ أَتَحَبَّبُ إِلَى رَبِّي؛ لَعَلَّهُ يُزْلِفُنِي" (43).
وكان (عليه السلام) يُربّي النَّاس عمليًّا على عدم الغرور بالأعمال واستكثارها؛ لذا كان (عليه السلام) كثيرًا ما يذكر عبادة أجداده الأطهار (عليهم السلام)، ويستصغر عبادته أمامها؛ عن الإمام الصَّادق (عليه السلام)، قال: "وَلَقَدْ دَخَلَ أَبُو جَعْفَرٍ عَلَى أَبِيهِ (عليه السلام)، فَإِذَا هُوَ قَدْ بَلَغَ مِنَ الْعِبَادَةِ مَا لَمْ يَبْلُغْهُ أَحَدٌ، وَقَدِ اصْفَرَّ لَوْنُهُ مِنَ السَّهَرِ، وَرَمِضَتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْبُكَاءِ، وَدَبِرَتْ جَبْهَتُهُ مِنَ السُّجُودِ، وَوَرِمَتْ قَدَمَاهُ مِنَ الْقِيَامِ فِي الصَّلَاةِ. قَالَ: فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَلَمْ أَمْلِكْ حِينَ رَأَيْتُهُ بِتِلْكَ الْحَالِ مِنَ الْبُكَاءِ، فَبَكَيْتُ رَحْمَةً لَهُ، وَإِذَا هُوَ يُفَكِّرُ فَالْتَفَتَ إِلَيَّ بَعْدَ هُنَيْهَةٍ مِنْ دُخُولِي، فَقَالَ: يَا بُنَيَّ أَعْطِنِي بَعْضَ تِلْكَ الصُّحُفِ الَّتِي فِيهَا عِبَادَةُ عَلِيٍّ، فَأَعْطَيْتُهُ، فَقَرَأَ فِيهَا يَسِيراً، ثُمَّ تَرَكَهَا مِنْ يَدِهِ تَضَجُّراً، وَقَالَ: مَنْ يَقْوَى عَلَى عِبَادَةِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ" (44).
ومن الأُموور المهمّة التي كانت واضحة في سيرة الإمام زين العابدين (عليه السلام) التَّأكيد على الأخلاقيات، ومنها: العفو عن الآخرين لدى إساءتهم، وعدم الردِّ بالمثل.
يروى أنَّه "كَانَ عِنْدَهُ (عليه السلام) قَوْمٌ أَضْيَافٌ، فَاسْتَعْجَلَ خَادِماً لَهُ بِشِوَاءٍ كَانَ فِي التَّنُّورِ، فَأَقْبَلَ بِهِ الْخَادِمُ مُسْرِعاً فَسَقَطَ السَّفُّودُ مِنْهُ (45) عَلَى رَأْسِ بُنَيٍّ لِعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ تَحْتَ الدَّرَجَةِ، فَأَصَابَ رَأْسَهُ، فَقَتَلَهُ، فَقَالَ عَلِيٌّ لِلْغُلَامِ، وَقَدْ تَحَيَّرَ الْغُلَامُ وَاضْطَرَبَ: أَنْتَ حُرٌّ، فَإِنَّكَ لَمْ تَعْتَمِدْهُ وَأَخَذَ فِي جَهَازِ ابْنِهِ وَدَفَنَهُ" (46).
وَدَعَا (عليه السلام) مَمْلُوكَهُ مَرَّتَيْنِ، فَلَمْ يُجِبْهُ، ثُمَّ أَجَابَهُ فِي الثَّالِثَةِ، فَقَالَ (عليه السلام) لَهُ: يَا بُنَيَّ أَمَا سَمِعْتَ صَوْتِي؟
قَالَ: بَلَى.
قَالَ: فَمَا بَالُكَ لَمْ تُجِبْنِي؟
قَالَ: أَمِنْتُكَ، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ مَمْلُوكِي آمِناً مِنِّي" (47).
وكان (عليه السلام) آية في الحلم، وكظم الغيظ حتَّى مع ألدِّ خصومه. فهو من أهل بيت شيمتهم الحلم، وخُلُقهم الصَّفح، وردُّ السَّيئة بالحسنة.
روي أنَّ رجلًا من أهل بيته أسمعه (عليه السلام) وشتمه لم يكلمه، فلمَّا انصرف قال لجلسائه: قد سمعتم ما قال هذا الرَّجل، وأنا أحبُّ أن تبلغوا معي إليه حتَّى تسمعوا منِّي ردِّي عليه، فقالوا له: نفعل، ولقد كنَّا نحبُّ أن تقول له ونقول، قال: فأخذ نعليه، ومشى، وهو يقول: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (48) فعلمنا أنَّه لا يقول له شيئًا.
قال: فخرج حتَّى أتى منزل الرَّجل فصرخ به، فقال: قولوا له: هذا عليّ بن الحسين، قال: فخرج إلينا متوثِّبًا للشَّر، وهو لا يشكّ أنَّه إنَّما جائه مكافيًا له على بعض ما كان منه.
فقال له عليّ بن الحسين (عليهما السلام): يا أخي إنَّك كنت قد وقفت عليَّ آنفاً، قلت وقلت، فإن كنت قد قلت ما فيَّ فأنا أستغفر اللّه منه، وإن كنت قلت ما ليس فيَّ، فغفر الله لك.
قال: فقبَّل الرَّجل بين عينيه، وقال: بلى قلت فيك ما ليس فيك، وأنا أحقُّ به" (49).
وروي أنَّ هشام بن إسماعيل بن هشام بن الوليد المخزومي كان واليًا على المدينة لعبد الملك بن مروان. وقد أساء جوار الإمام (عليه السلام) ولحقه منه أذى، فلمَّا مات عبد الملك عزله الوليد بن عبد الملك، وأوقفه للنَّاس؛ لكي يقتصُّوا منه. فقال: والله إنِّي لا أخاف إلَّا علي بن الحسين. فمرَّ عليه الإمام (عليه السلام) وسلَّم عليه، وأمر خاصَّته أن لا يتعرَّض له أحد بسوء. وأرسل له: إن كان أعجزك مال تؤخذ به فعندنا ما يسعك ويسدّ حاجتك، فطِب نفساً منّا ومن كلّ من يطيعنا. فقال له هشام بن إسماعيل: الله أعلم حيث يجعل رسالته" (50).
المحور الرَّابع: نتائج الإدارة السجاديَّة للمرحلة
النَّتيجة الأولى: حفظ خط الإمامة
حافظ الإمام السجاد (عليه السلام) على خط الإمامة في مرحلة كانت من أخطر المراحل بعد واقعة كربلاء، حيث سعت السُّلطة الأمويَّة إلى إنهاء الامتداد الشَّرعي لأهل البيت (عليهم السلام). واعتمد (عليه السلام) في ذلك منهج الحكمة والصَّبر، فصان موقع الإمامة، واستمر في توجيه الأمة علميًّا وتربويًّا. كما رسَّخ مفهوم الإمامة في نفوس أصحابه، وأعدَّ النُخبة المؤمنة لحفظ تعاليم أهل البيت (عليهم السلام) ونقلها للأجيال. وهيّأ الإمام محمَّد الباقر (عليه السلام) لتسلُّم الإمامة، بما ضمن استمرار القيادة الشَّرعيَّة بصورة طبيعيَّة. وبهذه الإدارة الواعية حُفظت الإمامة وعلوم أهل البيت (عليهم السلام) وتراثهم، واستمر دورهم في الهداية والإصلاح على الرَّغم من ظروف التّضييق.
النتيجة الثَّانية: حفظ القضية الحسينيَّة
واجهت نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) بعد انتهائها محاولات واسعة لإخفاء أهدافها وتشويه حقيقتها، وسعت السُّلطة الأمويَّة إلى تقديمها على أنَّها حركة خارجة على الدَّولة، بعيدًا عن كونها مشروعًا إصلاحيًّا هدفه إحياء الإسلام وصيانة قيمه. ومن هنا، كان الحفاظ على حقيقة النَّهضة الحسينيَّة ضرورةً لحماية الرِّسالة الإسلاميَّة من التَّحريف، وحفظ الوعي الدَّيني لدى الأمَّة.
النَّتيجة الثَّالثة: صناعة المدرسة العلميَّة لأهل البيت (عليهم السلام)
أسهم الإمام السجَّاد (عليه السلام) في تأسيس المدرسة العلميَّة لأهل البيت (عليهم السلام) عبر إعداد البيئة الفكريَّة والإيمانيَّة التي ازدهرت في عصر الإمامينِ الباقر والصَّادق (عليهما السلام). وركَّز على بناء الإنسان علميًا وروحيًا، فربّى التَّلامذة والرُّواة وربطهم بالقرآن الكريم وسنَّة النَّبيِّالأكرم (صلَّى الله عليه وآله). كما نشر المعارف الإسلاميَّة من خلال الدُّعاء والوعظ والحوار، وجسَّدت آثاره، وفي مقدِّمتها (الصحيفة السجادية) و (رسالة الحقوق)، هذا المشروع العلمي والتَّربوي. وأولى عناية خاصَّة بإعداد الإمام محمَّد الباقر (عليه السلام) ليواصل نشر علوم أهل البيت (عليهم السلام). وعندما تراجعت القيود السياسيَّة، انطلقت النَّهضة العلميَّة واتَّسعت في عصر الإمامين الباقر والصَّادق (عليهما السلام).
النَّتيجة الرَّابعة: إسقاط شرعيَّة الدَّولة الأمويَّة
كشف (عليه السلام) التَّناقض بين ادعاء بني أمية تمثيل الإسلام وبين ممارساتها القائمة على الظُّلم والقتل وانتهاك الحرمات. واعتمد في ذلك منهج البيان وإحياء الوعي، مستندًا إلى مبادئ القرآن الكريم التي تجعل العدل والتَّقوى أساس الشَّرعيَّة. كما حافظ على استقلال موقع الإمامة، وفضح حقيقة ما جرى في كربلاء من خلال مواقفه وخطبه، ولا سيَّما في الكوفة والشام. وأظهرت سيرته العمليَّة القائمة على العبادة والرَّحمة والإحسان التباين الكبير بين أخلاق أهل البيت (عليهم السلام) وسلوك الحكام الأمويين. وأسهم ذلك في تغيير نظرة المسلمين إلى الدَّولة الأمويَّة، فسقطت شرعيتها. وبذلك ترسَّخت القناعة بأنَّ الشرعيَّة الحقيقيَّة تقوم على العدل والحق، وأنَّ أهل البيت (عليهم السلام) هم الامتداد الأصيل لقيم الإسلام.
وممَّا مرَّ يتبيَّن أنَّ إدارة الإمام السجاد (عليه السلام) لمرحلة ما بعد واقعة كربلاء كانت مشروعًا حضاريًّا متكاملًا استند إلى رؤية بعيدة المدى، أسهمت في حفظ الرِّسالة الإسلاميَّة، وصيانة خط الإمامة، وإعادة بناء الوعي في المجتمع الإسلامي. وقد استطاع الإمام (عليه السلام) أن يحوِّل ظروف المحنة إلى منطلقٍ للإصلاح والتَّغيير، من خلال توظيف الوسائل المناسبة التي فرضتها طبيعة المرحلة.
وقد كشفت هذه التَّجربة عن جملةٍ من المبادئ التي تمثِّل أسُسًا راسخة في إدارة الأزمات، يأتي في مقدِّمتها دقَّة تشخيص الواقع، والحكمة في اختيار الوسائل، والثَّبات على المبادئ، وبناء الإنسان وإعداد الكفاءات، والاستثمار في العلم والوعي، وترتيب الأولويات وفق مقاصد الرِّسالة، والتَّخطيط البعيد المدى، وتحويل الأزمات إلى فرص للنُّهوض والإصلاح. وتمثِّل هذه المبادئ نموذجًا حضاريًّا صالحًا للاقتداء في مختلف الأزمنة، لما تتضمنه من رؤية متوازنة تجمع بين المحافظة على الثَّوابت، والمرونة في الوسائل، بما يحقِّق استدامة المشروع الإصلاحي، ويضمن استمراره عبر الأجيال.