الشَّعائرُ الحُسينيَّةُ… إلَّا المودَّة
عاشوراءُ السنةُ الثالثةَ عشرةَ (13-14)
نـــــزار حيدر
2026-07-09 04:46
لم يُفتِ أحدٌ بحُرمة زوجة أحدٍ عليه إذا لم يشترك في الشعائر الحسينية، ولم يُجبر أحدٌ أحدًا على البكاء على الحسين السبط (ع)، أو لطم صدره، أو شقِّ رأسه، أو غيرها من الشعائر والطقوس العاشورائية المتعارف عليها منذ قرونٍ متمادية، فكل أنواع المشاركات طوعية وإرادية واختيارية. مَن شاء أن يشترك في واحدةٍ منها أو أكثر فذلك قراره، ومَن لم يشأ أن يشترك في أيَّة واحدةٍ منها فالأمر إليه، فلماذا كل هذا الضجيج والجدال والصراخ والحرب التي تُشنُّ كل عام ضدها؟!
هل سمعتم أو رأيتم أحدًا من الذين يشتركون فيها مدفوعَ الثمن أو مُكرَهًا عليها أو خائفًا؟! وبكل خلفياتهم الدينية والمذهبية والإثنية؟!
في العقائد والمشاعر والحب والبغض والتولي والتبري لا مجال للإكراه أبدًا: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ)، فضلًا عن ذلك فإن عاشوراء لا تستوعب الاستعراضيين والمجبورين على الولاء لها وحبها والتعاطف معها!
ولو كان الأمر يدور مدار الحلال والحرام، كالصلاة والصيام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتولي والتبري وغير ذلك، لخضنا معكم غمرات الحرب، سواء انتصرنا فيها أو انهزمنا، إلا أن الأمر ليس كذلك؛ فكل العلماء والفقهاء والمراجع متفقون على أنها مستحبة، وإن اختلفوا بدرجات الاستحباب التي تتفاوت من واحدٍ لآخر، إلا أنها تبقى في مدار الاستحباب وليس في مدار الواجب. وإذا شذَّ أحدٌ وقال بوجوبها، فلم يقل بالوجوب العيني، وإنما بالوجوب الكفائي، أي إذا مارستها مجموعة سقطت عن الآخرين، فكن أنت ممن تسقط عنه المشاركةُ إذا كنت متشرعًا جدًّا! هذا لو افترضنا جدلًا بقول أحدٍ بالوجوب.
كل هذا يعني أن الخيار بيدك، وأن اختيار الشعيرة التي تريد أن تشترك فيها أو لا تشترك فيها بيدك أنت. لم يُفتِ لك أحدٌ بأمرٍ، ولم يُجبرك أو يُهددك، أو يرفع السلاح أحدٌ بوجهك لتشترك أو لا تشترك، لتختار شعيرةً أو لا تختار، فما دخلك بالآخرين اشتركوا أم لم يشتركوا؟! وبالطريقة التي يشاؤون؟!
أ/ إن المشاركة في الشعائر الحسينية تعبير عن مشاعر وأحاسيس وعواطف من نوعٍ ما، وهي من مصاديق التولي والتبري، بالإضافة إلى أنها من مصاديق قول الله تعالى: (ذَٰلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ۗ قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ ۗ وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ). وهذا الأجر الخاص والحصري لم يطلبه نبيٌّ ولا رسولٌ من أمته بإزاء تبليغها الرسالة إلا نبيَّ الإسلام، خاتم الرسل والأنبياء، الرسول الكريم (ص).
وفي المشاعر والأحاسيس لا يجوز لك أن تستهزئ أو تنتقص أو تشكك بالنوايا، خاصةً وأنها، في حالة الشعائر الحسينية، لا تضر أحدًا، ولا تتجاوز على حقوق أحدٍ، ولا تضايق أحدًا، ولا تعتدي على أحدٍ، فكلها سلمية ومدنية، وأن مَن يجد في بعضها عنفًا فهو [عنف الذات] إن صح التعبير، وغير موجَّه ضد أحدٍ.
قد تثير حنق البعض وغيظهم لأسبابٍ طائفيةٍ مثلًا، فتلك ليست مشكلة الذين يمارسونها، وإنما مشكلتهم هم. والله تعالى يقول: (هَا أَنتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ ۚ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ).
ما دخلك أنت إذا أراد أحدٌ أن يبكي الحسين السبط (ع) الدهر كله، فتبيضَّ عيناه من البكاء حدَّ الهلاك، كما فعل نبي الله يعقوب (ع) على ولده نبي الله يوسف (ع)، كمدًا على فراقه، وهو يعلم أنه بخيرٍ لم يمسسه سوءٌ كما يحدثنا القرآن الكريم: (قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا ۖ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ عَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ * قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ)؟!
والملفت أن يعقوب (ع) حزن كل هذا الحزن على ولده [وهو ليس الوحيد، وإنما (1) من مجموع (11) ولدًا] وهو صابر، فما بالك إذا جزع [والعياذ بالله]؟!
وكذلك، لفتةُ نظرٍ؛ فإنهم يفعلون كل هذا وهم صابرون على مصاب سيد الشهداء (ع)، فما بالك إذا استحضروا قول الشهيد عابس بن شبيب: [إن حب الحسين أجنَّني]؟!
ب/ قد تقع بعضُ الصور التي لا يستسيغها عقل أو منطق برأي البعض، فلماذا تشارك نشرها والترويج لها إذا كنت تعتقد أنها مضرة برسالة عاشوراء؟!
رأيي أن الذي يروِّج لمثل هذه الصور والمقاطع أحدُ اثنين:
* إمَّا أنه مُغرض هدفه الطعن بشعائر عاشوراء.
* أو أنه جاهل مغفَّل لا يعرف كيف يدافع عن رسالة عاشوراء.
إن الحريص هنا لا يروِّج لما يمكن أن يكون مادة [دسمة] للانتقاص والاستهزاء والطعن برسالة عاشوراء، بل يكون فلترًا في طريق النشر، فيروِّج منها ما ينفع ويحجب منها ما يضر، فإن الترويج للسيئ شراكة مذمومة في إشاعة [الحرب الصفراء] على الحسين السبط (ع)، ومَن يتصور العكس فهو على خطأٍ كبيرٍ.
ج/ عاشوراء كالشمس التي تشرق يوميًّا على كل شيء، فبدلًا من أن تراقب كيف يستفيد منها الآخرون أو تنشغل بتنظيم وتحديد خياراتهم، اسعَ للاستفادة منها، وبالطريقة التي تراها مناسبةً وتنسجم مع عقليتك وفهمك للأمور، وبالمنطق الذي ينسجم مع شخصيتك وتربيتك وثقافتك، واترك الآخرين يختارون الطريقة والأسلوب الذي ينسجم مع منطقهم.
أنت لست وصيًّا على عاشوراء، ولست وكيلًا عن الحسين السبط (ع)، ولست تملك شيئًا من إرثها لتفرض على الناس كيف يفهمونها، وكيف يتصرفون عندما يمارسون أو يشتركون في إحيائها. لا عليك بأحد، إنما أنت مسؤول عن نفسك، يمكنك أن تختار لها الطريقة التي تحب، والله تعالى يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ ۖ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ۚ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ).
لماذا يدسُّ البعض أنوفهم في كل شيء، فيحلِّلون ويحرِّمون، ويستحسنون ولا يستحسنون، ويختارون وكأنهم وكلاءُ الله على الأرض؟!
في الوقت نفسه، لا يجوز لأحدٍ أن يطعن بعاشوراء إذا تقززت نفسه من شعيرةٍ من الشعائر الحسينية، فعاشوراء قيمة، والشعائر محاولة لإحياء هذه القيمة، قد تُصيب وقد تُخطئ، لكنها ليست هي القيمة، والفرق كبير في المعنيين، كالفرق بين الإسلام كدينٍ وبين صلاة أو صوم أو حجِّ المكلف! فلو أن أحدًا صنع من العنب خمرًا، فهل ستشتم العنب، أو تمتنع عن أكله، أو تحتج على الله لأنه خلق العنب؟!
هذا هراء وجنون.
فكل واحدٍ له الحق والحرية في اختيار الطريقة التي يستفيد بها من العنب وبما ينفعه، شريطة أن لا يؤذي أحدًا وأن لا يتجاوز على حقوق أحدٍ. فإذا كان متدينًا لا يصنع منه المُسكِر، ولكن ليس عليه أن يمنع غيره إذا صنع منه شيئًا لا يصنعه هو.
وفي الحج مثلًا تلاحظ حالاتٍ وعاداتٍ ما أنزل الله تعالى بها من سلطانٍ برأي زيد، أما برأي عمرو فهي جزء من الشعائر التي فرضها الله تعالى في الحج! فهل يحق لأيٍّ منهما الاستهزاء بالآخر، أو التدخل في شؤونه، أو منعه من أن يمارس طقوسه الخاصة؟! أم هل لأحدهما أن يكفر بالحج لأن في الموسم مَن يمارس شعائر يراها هو بدعةً مثلًا؟!
الإسلام نفسه، ألم ينتمِ إليه [طغاة وفسقة وفجار وقتلة]؟ فهل نرتد عنه مثلًا أو نحتج على مرسله ورسوله؟!
هذا هراء وجنون!
إن لكل شعب، ولكل ملة، ولكل أتباع دين ومذهب وطائفة وعقيدة، طقوسهم وشعائرهم ما لا يقبله أحدهم من الآخر، فإذا جاز لأي واحدٍ منهم أن يدس أنفه في طقوس الآخرين، فستتحول الحياة إلى غابةٍ من الوحوش يتقاتلون مع بعضهم، ويذبح بعضهم البعض الآخر لأن أحدهم لا يستسيغ طقوس الآخر!
انظروا إلى الهند العظيمة، ففيها [180] دينًا ومعتقدًا، [6] منها الأساسية، ومع ذلك فإنهم متعايشون، وهي تنمو وتتطور بشكلٍ ملفتٍ.
والملفت أن ما تتعرض له الشعائر الحسينية من حرب وازدراء، وعلى يد كل مَن هبَّ ودبَّ، وعلى مر التاريخ، لم تتعرض له أيَّة شعائر أخرى! وهذا يكفي لمعرفة السبب والعلة!
د/ لو افترضنا أن من حق زيدٍ أن يُدلي بدلوه [لتهذيب وتشذيب] الشعائر الحسينية على حد وصفهم، فهل سيتم له ذلك بالسب والشتم والانتقاص والاستهزاء والازدراء؟! أم بالعقل والحكمة والمنطق؟!
يقول تعالى: (ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ).
حتى مع الطاغية فرعون، فعندما أرسل الله تعالى نبيه موسى (ع) وأخاه هارون (ع) له ليبلغاه الرسالة، أمرهما بلين الكلام: (اذْهَبَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ).
هل رأيتم أحدًا نجح في إصلاح سلوك أحدٍ بالقوة والعنف؟! إن الأب سيفشل في ذلك مع ابنه الصغير، فكيف يريد [مصلح] أن يحقق هدفه فيهذب ويشذب الشعائر بالشتائم والتهم والازدراء والاستهزاء؟!
على العكس من ذلك، فإن الإكراه في مثل هذه الحالات عامل مساعد على تكثير سوادها وسعة انتشارها.
انظروا مثلًا كم بذلت النظم الشمولية المستبدة من جهود، مارست فيها العنف والقهر والقوة، لدرجة القتل والتدمير والدم والهدم، للقضاء أو التقليل على الأقل من حجم المشاركات الشعبية في بعض هذه الشعائر، إلا أنها كلها فشلت فشلًا ذريعًا؛ فرحلوا وبقيت الشعيرة!
إن لك مطلق الحق والحرية في قراءة الشعائر بما يتناسب ومتبنياتك الفكرية والثقافية، فتكتب وتخطب عنها وبشأنها، فذلك من حرية التعبير، بشرط أن تحترم مَن يعتقد بها ويمارسها ويشارك فيها ويحرِّض عليها، فذلك كذلك من حرية التعبير، لا يجوز أن تتمتع بها وتحرم غيرك من أن يتمتع بها! وإذا شتمت أحدًا منهم فلا تزعل إذا شتمك: (وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ كَذَٰلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).
لا يجوز لأحدٍ أن يستخدم اللغة السوقية الهابطة وهو ينتقد شعيرةً ويعبِّر عن رأيه بأخرى، فذلك خلاف العقل والمنطق، فمردوده عكسي بالتأكيد، فلا أحد يمتلك الحق المطلق عندما يُدلي برأيه: (قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ قُلِ اللَّهُ ۖ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ).
إن للأسلوب والطريقة دورًا مهمًا جدًّا في عملية الإقناع وتغيير القناعات، فكلما كانت أكثر منطقيةً وعقليةً وهادئةً، كان التأثير أكبر وأعمق وأشمل، والعكس هو الصحيح.