النهضة الحسينية.. استنقاذ الإنسان من موت المعصية
ثورة ثقافية ضد الجهالة (6)
مرتضى معاش
2026-07-02 04:57
تناولت المقالات السابقة من هذه السلسلة معنى النهضة الحسينية بوصفها ثورة ثقافية كبرى ضد الجهالة، لا مجرد واقعة تاريخية عابرة، فهي مشروع استنقاذ للإنسان من عبودية الدنيا، وحيرة الضلالة، والاستغراق في الجسد، والوقوع تحت سلطان الغرائز والتضليل. وقد تبيّن أن زيارة الأربعين والشعائر الحسينية تمثلان طريقاً لإيقاظ الذات، وبناء التقوى، واستعادة المعنى، وتحرير الإنسان من الغفلة والسطحية والاقتباس الأعمى، كما أن الجهالة حين تستحكم في الفرد والمجتمع تنتج الحيرة والضلال والعصيان وأكل الحرام والاستهانة بالذنوب، حتى يفقد الإنسان بصيرته وقيمته وكرامته.
ومن هنا تأتي هذه المقالة لتستكمل هذا المسار، فتبيّن أن المعاصي ليست مجرد أخطاء عابرة، بل هي موت معنوي للإنسان، وأن الحياة الحقيقية لا تتحقق إلا بالعلم والطاعة والاستجابة لله وللرسول، والتمسك بمنهج الإمام الحسين وأهل البيت عليهم السلام.
فهم الحياة بمعناها المعنوي
قال الله تعالى في كتابه الكريم:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) الأنفال 24.
الله سبحانه وتعالى يدعو الإنسان إلى الحياة الصالحة والحياة الكريمة، ولكن هذه الدعوة مشروطة بشرط أساسي، وهو طاعة الإنسان واستجابته لهذه الدعوة.
فهنا شرط ومشروط متلازمان: فالالتزام والطاعة هو الذي يحقق الحياة بمعناها المعنوي بل والمادي أيضا، سواء للإنسان أو المجتمع او الأمة. لذلك فإن تحقق الحياة مشروط بالاستجابة.
فالحياة هنا في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) موجّهة إلى المؤمنين. وقوله تعالى: (اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ) يعني أن الدعوة للحياة هي دعوة إلى العلم والطاعة. على الإنسان أن يعلم ما هو المطلوب منه، وأن يتعلم كيف يطيع الله سبحانه وتعالى، وأن يلتزم بالمناهج التشريعية والأخلاقية التي أرسى اسسها الإسلام والرسول الأكرم صلى الله عليه وآله.
وفي المقابل فإن معنى عدم الاستجابة هو الموت. فالذي لا يستجيب لهذه الدعوة الكبيرة العظيمة، دعوة الاستنقاذ من الجهالة والخروج من عالم الجاهلية الذي كان يعيش فيه الناس إلى العالم المتحضر المملوء بالنعم الإلهية، يكون قد فوّت على نفسه باب الحياة. وهذا كله مرتبط بقبول الإنسان وطاعته.
العلم حياة والجهل موت
ان قوله تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) يحمل معاني كبيرة ويحتاج إلى تأمل كبير.
يقول المفسرون إن الذي يحول ويمنع الإنسان من أن يتدارك ما فاته هو الموت. فالإنسان الذي لا يستجيب لهذه الدعوة، ويدخل في عالم المعاصي، ويمتلئ قلبه بها، قد يصل إلى حد لا يستطيع معه أن يتدارك ما فاته، حيث تمنعه من التوبة.
والموت في المعنى البلاغي يعني انقطاع الفيض. فالإنسان يعدّ ميتاً إذا كان فيضه لا يصل إلى الآخرين، وعلمه لا يصل إلى الآخرين، ولا يؤثر فيهم. ومن هنا نلاحظ أن صدر الآية يتكلم عن إرشاد الناس إلى طاعة الله وطاعة الرسول، في حين أن خاتمتها تتضمن تحذيرا بأن الله عزوجل يحول بين المرء وقلبه.
إنها مدة منقطعة غير ممتدة تنتهي بموت الإنسان. فالإنسان الذي يتمهل في الدنيا ويسوّف في حياته ولا يستجيب لهذه الدعوة هو ميت بمعنى من المعاني. وقد يأتيه الموت فجأة وإن عاش مدة طويلة. ومعنى قوله تعالى: (وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) أن عاقبة الإنسان أن يحشر إلى الله تعالى. وقد يكون الإنسان ميتاً بين الأحياء كما قال الإمام علي عليه السلام.
الحياة حياة القلب
وهناك معنى آخر أيضاً، فقد خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان، ووضع له قانوناً. هذا القانون أن قلب الإنسان في حد ذاته طاهر ونظيف، والقلب هو نبض الحياة. والقلب المعنوي هو الذي يعطي الحياة كما يعطي القلب المادي الحياة للجسد. وهذه استعارة لطيفة. فكما أن القلب المادي يمد جسم الإنسان بالدماء، كذلك القلب المعنوي يمد الإنسان بالحياة، بل ان القلب المعنوي هو الذي يعطي قوة للقلب المادي، لذلك فإن كثير من الذين يموتون بأمراض القلب هو لإنطفاء المعنوية في قلوبهم، بسبب الذنوب والسيئات وغياب الصالحات.
فإذا ملأ الإنسان قلبه بالصالحات والحسنات أصبح قلبه حياً. أما إذا ملأه بالسيئات والذنوب فإنه يقتل نفسه تدريجياً ويموت. وهذا هو النظام القانوني الذي وضعه الله سبحانه وتعالى. وهذا معنى آخر لقوله تعالى: (أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ).
وهناك روايات حول المعنيين، وكلا المعنيين مقبول. فالموت لا يمهل الإنسان، وحياة الإنسان في الدنيا محدودة، فلا بد أن يستفيد من هذه الدعوة ويستجيب لها. كما أن الإنسان إذا لم يستفد من السنن والقوانين الإلهية التي تعطيه الخير والنعمة، فإنه يسلك طريق النقم التي تؤدي في النتيجة إلى مقتله وموته.
وعن الإمام الصادق عليه السلام في قول الله عز وجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ) قال: نزلت في ولاية علي عليه السلام(1).
فولاية أمير المؤمنين عليه السلام هي المنهج الذي يعطينا الحياة، وهي المنهج الذي يغذي القلب بالصالحات. يقول الإمام علي عليه السلام: إِنَّ هَذِهِ الْقُلُوبَ أَوْعِيَةٌ فَخَيْرُهَا أَوْعَاهَا. أي افضلها في استيعاب الخيرات والصالحات.
وكذلك قول السيدة الزهراء عليها السلام: وجعل إمامتنا أمان من الفرقة، وطاعتنا نظام للملة. لذلك فإن ولاية أمير المؤمنين عليه السلام هي دعوة إلى الحياة. وقد فُسّرت الدعوة بالعلم والطاعة والجنة، ويمكن أن تكون هذه كلها مصاديق للمفهوم العام. كما ان ولاية الإمام علي عليه السلام تجمعها كلها.
وعندما نقرأ منهج الإمام علي عليه السلام نجده كله دعوة للحياة الصالحة، الحياة التي تقوم على طاعة الله سبحانه وتعالى.
التسويف يؤدي الى الهلاك
والمعنى الأول الذي ذكرناه في قضية (يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ) يتضح أكثر من خلال كلام أمير المؤمنين عليه السلام:
(وَأَنَّكَ طَرِيدُ الْمَوْتِ الَّذِي لَا يَنْجُو مِنْهُ هَارِبُهُ وَلَا يَفُوتُهُ طَالِبُهُ وَلَا بُدَّ أَنَّهُ مُدْرِكُهُ فَكُنْ مِنْهُ عَلَى حَذَرِ أَنْ يُدْرِكَكَ وَأَنْتَ عَلَى حَالٍ سَيِّئَةٍ قَدْ كُنْتَ تُحَدِّثُ نَفْسَكَ مِنْهَا بِالتَّوْبَةِ فَيَحُولَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ ذَلِكَ فَإِذَا أَنْتَ قَدْ أَهْلَكْتَ نَفْسَكَ)(2).
فالإنسان يحدث نفسه بالتوبة ثم يؤجلها لعله يرجو أن يتوب يوماً ما، وهذا هو التسويف الذي يؤدي الى هلاكه فيحول الموت بينه وبين التوبة.
وعن الإمام على عليه السلام: (فتدارك ما بقي من عمرك، ولا تقل: غدا وبعد غد، فإنما هلك من كان قبلك بإقامتهم على الأماني والتسويف، حتى أتاهم أمر الله بغتة وهم غافلون)(3).
وعن الإمام الباقر عليه السلام: (إياك والتسويف، فإنه بحر يغرق فيه الهلكى)(4).
وعن الإمام الصادق عليه السلام: (تأخير التوبة اغترار، وطول التسويف حيرة)(5)، والحيرة هي موت من نوع آخر حيث يعيش القلق والشك والخوف.
فالإنسان لا يجوز له أن يمني نفسه، ومن يتمهل ويتأنى في التوبة يجب أن يتعجل بها. وهذه دعوة للحياة، والخروج من مستنقع الهلاك والموت.
المعصية موت للإنسان
المعصية نقيض الحياة، فمن الجهالة القاتلة حين يحدث الانسان نفسه بالتوبة ثم يهلك نفسه بالتسويف. ألا يتصور أنه في أية لحظة يمكن أن يموت؟ ومن يضمن استمراره في الحياة لحظات، لا ساعات؟
لذلك لا بد للإنسان أن يخرج من الجهالة، وأن يعلم أن طاعة الله طاعة مستمرة لاتنقطع، وأن يتعلم ويعمل بذلك.
وعن الإمام علي عليه السلام: (بالعلم تكون الحياة). ويقول عليه السلام: (اكتشفوا العلم يكسبكم الحياة). ويقول أيضاً: (الجاهل ميت بين الأحياء)(6).
والاحاديث الاخيرة تعني أن الله سبحانه وتعالى أعطاك هذه النعم العظيمة، وكثير منها خافٍ يحتاج من الإنسان إلى سعي لاكتشافها، والسعي ليس عملاً فقط، بل هو علم ومعرفة، وهذه المعرفة هي التي تجعل الانسان يحس ويشعر بقيمة هذه النعم.
ومن ذلك عندما يأتي زائر الإمام الحسين عليه السلام لزيارته، فلا بد أن يزوره عن معرفة. لأن الإمام الحسين عليه السلام كنز كبير مخفي لا نعلم عنه إلا قليلاً. فلا بد أن نستكشف، وأن نتعلم وأن نتعرف، وأن نقرأ أكثر حتى نصل إلى فهم وادراك هذه النعمة. وكلما قرأ الإنسان الأحاديث والروايات وتعلمها وتعمق فيها عاش أكثر، لا بمعنى العمر المديد ماديا بل بقيمة اكتشافه للمعارف.
فمفهوم الحياة مفهوم له مراتب، يبدأ بسيطاً ثم يصبح أعظم فأعظم. وكلما ازداد الإنسان علماً وإيماناً وتقوى ازدادت مديات حياته. وهذا كالنور، فهناك نور الشمعة وهناك نور الشمس، وكلاهما نور، ولكن الفارق بينهما كبير جداً. فالإنسان كلما تعلم أكثر ازدادت قدرته على استكشاف المخفيات، فعاش حياة أطول وأفضل، وهذا قد يكون معنى الاستجابة.
مجتمعات ميتة تعيش الركود
كثير من المجتمعات تعيش اليوم حالة التخلف لأنها تخلت عن هذه الاستجابة. فهي مجتمعات ميتة تعيش الركود والجمود والمعاناة والتبعية الثقافية والحضارية، بما يؤدي الى العيش في حالات من الإحباط واليأس.
ولذلك فإن بركة أهل البيت عليهم السلام، هي التي تستنقذ الناس من حيرة الجهالة الى الطاف المعرفة والحياة والنجاة، حيث منهج الإمام الحسين عليه السلام يرتقي بنا إلى قمة الحضارات والمجتمعات. فإذا أخذ الإنسان كلمة منه وتعلم منها وجعلها مفتاحاً للحياة ارتفع بها نحو القمة، فهذه كنوز مخفية لا بد أن نستكشفها.
في بعض الأحيان نقرأ بعض الأحاديث من باب البركة، أو من باب الموعظة، أو قراءة عابرة لا نتدبر فيها. فلا تدبر، ولا عمل، ولا منهج نمشي به على ضوء هذه الكلمة أو هذه العبارة، فتضيع قيمتها كمصابيح هادية في ظلمات التخلف. لذلك لا بد أن نلتزم بهذا المعنى: اكتشفوا العلم يكسبكم الحياة، والجاهل ميت بين الأحياء.
وهذا يعني كذلك أن الإنسان العالم يبقى حياً حتى بعد موته. كما نرى العلماء اليوم، فإن كتبهم وتراثهم وعظمتهم موجودة بين الناس إلى الآن، وهذه هي الحياة الحقيقية.
وعن رسول الله صلـى الله عليه وآله: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلاّ مـن ثلاث صدقة جارية أو كتب علم يُنتفع بها أو ولد صالح يدعو له)(7).
فالعلم يعطينا الطرق الصحيحة للعمل في الحياة، والسبل الصحيحة للعيش، وكيف نعيش ونتخلص من الأزمات ونعالج المشكلات ونجد الحلول السليمة.
استصغار المعاصي موت
وتدعو روايات اهل البيت الى اجتناب السيئات والمعاصي لأنها موت وعدم استجابة للحياة، فعن الامام الباقر عليه السلام: (لا تستصغرن سيئة تعمل بها، فإنك تراها حيث تسوؤك)(8)، وكذلك عن الامام الحسين عليه السلام: (مَنْ حَاوَلَ أَمْراً بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ كَانَ أَفْوَتَ لِمَا يَرْجُو وَأَسْرَعَ لِمَجِيءِ مَا يَحْذَرُ)(9).
حيث أن الإنسان الذي يبحث عن الأرباح السريعة بشتى الطرق لحياة لذيذة، يقع في المحذور، وهو الخسارة التي أراد ان يتجنبها.
وعن الإمام علي عليه السلام: (الكذاب والميت سواء، فإن فضيلة الحي على الميت الثقة به، فإذا لم يوثق بكلامه بطلت حياته)(10).
فالإنسان الذي لا يضع اعتباراً للمجتمع ويكذب عليه ويخونه، فلن تجد من يثق به وبالتالي فلا اعتبار له، فهو كالميت لا قيمة له ولوجوده. وهذه مفاتيح مهمة لحياة سعيدة. فالصدق هو الذي يعطي الإنسان الحياة والاعتبار. والأمانة هي التي تعطيه الثقة والقيمة بين الناس. والنجاة في الصدق.
الموت مفهوم يحتاج إلى تأملات كبيرة
ذكر الإمام الحسين عليه السلام مفهوماً رائعاً جداً عن الحياة والموت. ونحن نحتاج إلى تأمل كبير في قوله عليه السلام: إني لا أرى الموت إلا سعادة، والحياة مع الظالمين إلا برماً.
وقد ذكر الإمام علي عليه السلام هذا المعنى بقوله: الحياة في موتكم قاهرين، والموت في حياتكم مقهورين. وهذان نصان متماثلان من القيمة العميقة لمفهوم الحياة.
هنا توجد مفاهيم: الموت، السعادة، الحياة، الظلم، البرم. والبرم يعني الضجر والملل. فكيف يرى الإنسان الموت سعادة؟ وكيف يرى الحياة مع الظالمين تعاسة؟
معنى ذلك أن الإنسان الذي يعيش مع الظلم، ويتعايش مع الظلم، ويتطبع مع الظلم، ويتعايش مع المعصية، يكون ميتاً وإن عاش في الظاهر. إنه يعيش في ملل وضجر وضنك وشقاء.
الملل بداية الضجر، وهما مترابطان ولكنهما مختلفان. فالضجر هو الملل الكبير. وعندما يعيش الإنسان في مجتمع جاهلي تتكاثر فيه الذنوب والمعاصي وينتشر فيه الظلم والجور وتنعدم فيه العدالة، يشعر بالضجر، حتى لو كان يمتلك أحلى وأفخم القصور وأجمل درجات الترفيه والماديات والترف. والضجر يعني ضيق النفس، فيشعر كأنه يعيش في مكان ضيق، وكأنه مسجون.
لذلك ترى الإنسان الذي يعيش في مجتمعات الظلم كئيباً دائماً. ليس عنده نور في قلبه، ولا حياة في عينه، ولا روح في جسده. لأنه في نفسه وداخله لا يمتلك حرية. وليس السبب دائماً أن الظالم منعه وقمعه، بل إن الإنسان قد يبيح نفسه للظلم، فيصير عبداً للطاغوت. وباختياره للماديات والدنيا يعيش الضيق في الحياة، ويصير عبداً للدنيا. وهكذا يكون هو الذي اختار هذا العالم الضيق.
حالة الضجر الكثيف
قوله تعالى: (وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) يعبّر عن هذا المعنى. ففي يوم من الأيام سوف يموت الإنسان، استجابة للقانون الإلهي.
وقضية الضجر أصبحت في عالم اليوم متضخمة بسبب التكنولوجيا والمادية الاستهلاكية، أصبحت تعيش حالة الضجر الكثيف بسبب الاستغراق في الماديات والملذات.
لذلك نلاحظ في بعض المجتمعات أن حالات الانتحار تكثر في مجتمعات تعيش رفاهية كبيرة. هناك دراسات موجودة حول الانتحار تشير إلى أن بعض الذين يعيشون في مجتمعات مرفهة ومستقرة يعانون في الحقيقة من الغرق في الماديات، حيث تزداد آلامه وتعاسته كلما ازدادت متعه ولذاته.
والشعور بأنها ضيقة عليه، ربما انه لا يعمل بالصالحات، أو لم يستجب لها، فلم يتذوق حلاوة الحياة الحقيقية، فغرق في الخمور والمخدرات والزنا والملذات المحرمة، أو فيما يسمونه بالحريات الجسدية، وفي النتيجة يصل هذا الإنسان إلى مرحلة يحتقر فيها نفسه.
والضجر كما يقال من معانيه الغضب الداخلي من الملل، حيث يصبح الإنسان غاضبا وحانقا على نفسه وكارها لذاته. لذلك تقوده هذه النفسية السلبية العدمية في ارتكاب المزيد من المعاصي والتعايش مع الظالمين، والتطبع مع الذنوب.
وهذا كله يشكل خطراً على الإنسان ووقوع في المحذور، لأنه محاولة للهروب من التعاسة الى التعاسة.
فالإنسان لا بد أن يكون عاقلاً وذكياً وفاهماً، وأن يستجيب لما دعاه إلى الحياة، ويكون هروبه الى السعادة الحقيقية.
الكسل والخمول في العصر الرقمي
وعن الإمام الصادق عليه السلام: (إياك وخصلتين: الضجر والكسل، فإنك إن ضجرت لم تصبر على حق، وإن كسلت لم تؤد حقاً)(11).
فالكسل نتيجة للضجر، لأن الإنسان الضجر يكون بلا غاية في الحياة، تغيب عنه الأهداف والغايات ولا يشعر بجدوى الحياة، فيفتقد الشغف اللازم الذي يحركه في السعي والعمل.
لذلك نلاحظ اليوم أن الكثير من المراهقين والشباب في عالمنا أصبحوا كسالى. ولا يحبون العمل. لأن شبكات التواصل الاجتماعي اصابتهم بالملل والضجر والاكتئاب.
الضجر والإدمان
ومن مفاهيم الضجر أن الإنسان يكون في حالة ضيق يؤدي به إلى القلق النفسي والكآبة والغم والهم. وهذه نتيجة حتمية تقود إلى الكسل. ولذلك يجب أن ندرك هذا المفهوم حتى نحاول إنقاذ أبنائنا وننصحهم ونضع لهم البرامج والمناهج التي تبعدهم عن الاستغلال السيئ والاستغراق في ازمة شبكات التواصل الاجتماعي، لأنها تؤدي بهم إلى الخمول والكسل والضجر.
وعن الإمام الكاظم عليه السلام: (إياك والضجر والكسل، فإنهما يمنعانك حظك من الدنيا والآخرة)(12). فالعمل مرتبط بالدنيا والآخرة. و(يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ) هو معنى هذا المنع، حيث الاستغراق في المعاصي يمنع الإنسان مراجعة الذات والتوبة، فيقع في متوالية الضجر والكسل، التي ستسبب الإدمان وهو حالة خطيرة جداً، ويصعب على الإنسان أن يتخلص منه إذا وصل إلى حضيض الانغماس في العادات السيئة.
وفي المقابل هناك ادمان إيجابي على عادات حسنة، مثل ممارسة العبادات والقراءة والرياضة والعطاء والعمل الخيري. والخدمة في المواكب الحسينية، وهو إدمان محمود لانه يؤدي الى الاشباع الذاتي والرضا النفسي.
اما الإدمان المذموم الي يأتي من خلال التعود على العادات السيئة والمعاصي، فانه ينتج عن عدم الإشباع، لأن الدنيا لا تشبع الإنسان. مثل الإدمان على الخمر والمخدرات، فإن شارب الخمر لايكتفي ابدا فيشرب أكثر فأكثر حتى يصبح مدمناً. ويظن أنه بهذا الإدمان يشبع شيئاً من شعوره. ولأنه لا يشبع ولا يلتذ يستمر على ذلك حتى يصل إلى حالة الإدمان. فإذا وصل إلى هذه الحالة فقد يكون من الصعب جداً أن يتخلص منها.
والإدمان هو الذي يجعل الإنسان ينتقل إلى مرحلة يخسر فيها نفسه في الدنيا والآخرة. ومثله الإنسان الذي يستغرق في عالم التكنولوجيا وألعاب الفيديو وشبكات التواصل، فتضيع منه الغاية في الحياة.
الضجر استلاب للذات
الضجر يسلب الإنسان غاياته في الحياة، وهذا يعني أن الضجر يؤدي إلى المعاصي، ويسلب الإنسان حياته العملية، لأنه يجعله يعاني من الاكتئاب فلا يقوم بأي عمل ولا يتحرك.
ومن الضجر الانحراف الجنسي، حيث يؤدي عدم شعوره بالإشباع الى الضجر. لانه لم يسع الى إنشاء علاقة صحية ومتوازنة ومعتدلة. لان الحياة الاجتماعية والزوجية في طبيعتها قائمة على المحبة والعطف والمودة والاحترام والعلاقات الفطرية السليمة.
ان الانحراف يقود إلى انحرافات متعددة وابتكار انحرافات جديدة للحصول على الاشباع الذي لايحصل عليه، كما يحصل في عالم اليوم. فتزداد الخيانة والعلاقات الشاذة.
فليست هناك حياة حقيقية تلك التي يعيشها الإنسان مع الظالم والمعصية. فالظالم يخلق تموجا كبيرا من المعاصي وترسيخ التطبع معها. وهذا يعني أن الإنسان يفقد حظه من الدنيا والآخرة.
القلب هو مركز الإشعارات
وهنا يأتي سؤال: هل المعاصي تميت القلب، ولماذا؟ وما النتيجة من ذلك؟
نعود إلى المفهوم نفسه. فالإنسان يموت بسبب الضجر، أو المعاصي، أو الجهل. وهذه كلها مفاهيم متعددة تؤدي إلى معنى واحد وهو موت القلب. فالقلب هو مركز الإشعارات والمشاعر، فالقلب عندما يمتلئ بالمعاصي يصبح شقياً قاسياً، وهذا يؤدي به إلى الموت المعنوي.
لذلك فإن السيئين والمنحرفين هم أصحاب القلوب القاسية الشقية، لا توجد ذرة حياة في قلوبهم بسبب معاصيهم وإجرامهم، فالمعاصي تؤدي إلى موت قلب الإنسان.
عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله: (من علامات الشقاء جمود العين، وقسوة القلب، وشدة الحرص في طلب الرزق، والإصرار على الذنب)(13). فإذا وجد الإنسان واحدة من هذه العلامات في قلبه وجب عليه أن يراجع نفسه. فشقاء القلب يعني انه لايشعر بمعنى الحياة. وجمود العين يعني أن عينه لا تدمع فهو بلا عواطف ولا مشاعر.
وعن الإمام علي عليه السلام: (ما جفت الدموع إلا لقسوة القلوب، وما قست القلوب إلا لكثرة الذنوب)(14).
وهذا هو معنى أن القلوب أوعية وخيرها أوعاها، حيث القلب وعاء، فانظر ماذا تضع فيه. فالإنسان الواعي العالم يتعلم كيف يملأ قلبه بالصالحات والحسنات والخيرات والطاعات. أما الإنسان الذي يستغرق في الجهالة فإنه يملأ قلبه بالذنوب حتى يقسو ويصبح شقياً.
وعن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله الرسول: (أربع يمتن القلب: الذنب على الذنب... ومماراة الأحمق تقول ويقول ولا يرجع إلى خير [أبدا]، ومجالسة الموتى، فقيل له: يا رسول الله صلى الله عليه وآله وما الموتى؟ قال كل غني مترف)(15).
فالغنى بحد ذاته ليس سيئاً، لكن الترف هو السيئ. فالترف يعني أن يغرق الإنسان في البطر والشهوات والمعاصي، حيث يخسر قلبه وحياته، حيث ان الحياة كحياة معنوية ليست في الترف، بل في العمل الصالح والخيرات. فالغني المترف تزداد الحجب بينه وبين قلبه، وبينه وبين عقله، فيزداد جهالة إلى درجة أنه لا يشعر بما يدور حوله، فيفقد مشاعره ولايعي معنى الحياة.
فقير يمتلك المشاعر
الفقير قد يمتلك المشاعر، فيساعد الآخرين، ويقضي حوائجهم، ويسهل أمورهم. لكن هذا الفقير نفسه إذا أنعم الله عليه وأراد أن يمتحنه، فإن الله تعالى يمتحن الناس بالعلم والمال والسلطة. وحين يصل إلى مرحلة من الغنى والترف قد تنحجب عنه مشاعره، فلا يشعر بالآخرين.
حين كان فقيراً إنساناً جيداً، وحين صار مترفاً حُجبت مشاعره وقسا قلبه وامتلأ بالمعاصي والترف والملذات. ثم لا يعترف بالناس الآخرين لأنه لا يمتلك المشاعر. فالمشاعر هي التي تربط الإنسان بالناس.
وعن الإمام الصادق عليه السلام: (من يموت بالذنوب أكثر ممن يموت بالآجال)(16).
فالإنسان يموت بالذنوب التي تأكله في باطنه. فيموت قلبه ويصبح جسداً بلا روح، بل قد يموت من الناحية الجسدية أيضاً، فالذنوب تقتل الجسد أيضاً.
وكان معاوية يأكل فيكثر، ثم يقول: ارفعوا الطعام، فو الله ما شبعت ولكن مللت وتعبت(17).
فالذي يقع في دوامات الانحراف الجنسي والخمر ومختلف الملذات، يموت جسده قبل أن يأتي أجله، فالذنوب تؤدي إلى مقتل الإنسان معنوياً وجسدياً.
الامام الحسين احياء للقلوب القاسية
لذلك نحن نلتجئ إلى الإمام الحسين عليه السلام، ونبكي عليه، لا لأن الإمام الحسين عليه السلام يحتاج إلى بكائنا، بل لأننا نحن نحتاج إلى حياتنا.
البكاء على الإمام الحسين عليه السلام يحطم الحواجز الموجودة في القلب القاسي. فمن أتى الإمام الحسين عليه السلام عارفاً بحقه غفر له ما تقدم وما تأخر من ذنوبه. فالبكاء على الإمام الحسين عليه السلام طريق للاستغفار عبر إزالة الحجب عن القلب فينفتح على التوبة والهداية.
قال تعالى: (وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) الحج 32. حيث يربط القرآن الكريم الشعائر بالتقوى والقلب. لأن الشعائر، ومنها البكاء على الإمام الحسين عليه السلام، تؤدي إلى تنقية القلب تدريجياً وتطهيره، فيرجع إلى مشاعره ونفسه ومن ثم يتوب.
ونقصد البكاء الحقيقي الذي تندمج فيه مشاعر الإنسان مع معرفة الإمام الحسين عليه السلام، فيرتبط معه ارتباطا عميقا.
لذلك لا بد أن نشجع أبناءنا وعوائلنا والناس على إقامة المجالس الحسينية، حتى يأخذوا العِبرة والعَبرة. العِبرة تعني معرفة من الإمام الحسين وأهل البيت عليهم السلام. والعَبرة تعني أن يتعلم الإنسان البكاء والتعلق الوجداني والعاطفي وأن ترتبط مشاعره بأهل البيت عليهم السلام، فيلين قبله من قسوته وتنفتح مشاعره.
الحزن المبدئي على الإمام الحسين
في قوله تعالى: (لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ) الحديد 23، قد يسأل سائل: إذا كان الحزن غير جيد، فلماذا نحزن على الإمام الحسين عليه السلام؟
والجواب أن المقصود ألا يحزن الإنسان على الدنيا وعلى ما فاتك منها، ولا تجعل همك وقلقك للدنيا. لا تحزن إذا تعطلت سيارتك أو خسرت مبلغاً من المال. وهذا معنى الزهد، بمعنى أن لا يحزن الإنسان على الدنيا لأنها فانية.
أما الحزن على الإمام الحسين عليه السلام فهو حزن من نوع آخر. إنه حزن مبدئي، وعلى العكس من ذلك، فهو حزن يحيي الإنسان. فهو عملية إستخراج للمشاعر الطيبة، وبداية للتفكير بالاستغفار والتوبة.
للبحث تتمة...