العلم في عاشوراء.. بصيرةٌ في مواجهة الجهل

د. علاء إبراهيم محمود الحسيني

2026-06-30 06:21

يُعدّ العلم مصدرًا أساسيًا لسعادة الإنسان، وأن الجهل سبب لشقائه وتردّيه في سلالم الحياة المعاصرة، وفي كل زمان ومكان. بل إن العلم يُعد السبب الأهم للسعادة الأبدية للإنسان في دار الدنيا والآخرة، فبه يميّز المرء بين الحق والباطل، وبالعلم فضّل الله تعالى الإنسان على بقية المخلوقات، ولا سيما الملائكة، وهم المعروف عنهم العقل والطاعة المطلقة لله تعالى، حيث جاء في القرآن الكريم: ((وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)).

جاء في الأثر أن العلم نور والجهل ظلام، والعلم، وبحق، يُعد المعيار السماوي للمفاضلة بين الناس؛ لذا جاء في القرآن الحكيم قول الله تبارك وتعالى: ((يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ)). ونقيض العلم هو الجهل، الذي يقود إلى العمى والضلال والجهل والتخلف، وبالمحصلة يقود إلى موت القيم والمبادئ، ويهبط بالإنسان إلى أسفل درك في سلم الحياة. لذلك كانت أدوار ووظائف الأنبياء والأولياء والصالحين، ومنهم الإمام أبو عبد الله الحسين عليه السلام، هي لاستنقاذ الناس من هذا التخلف والضلال الكبير.

قال تعالى: ((لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ)).

لذا، من واجب الإنسان أن يثمّن التضحيات الجسام التي قدمها الامام الحسين عليه السلام، وهو يشق طريق الحياة ويريد أن يستنقذ الأمة من براثن الجهل، وكان آخر ما قدمه عليه السلام نفسه الكريمة ودماءه الزاكية، بل ضحّى بكل أسرته الكريمة وأنصاره الخلّص وأصحابه الميامين؛ كل ذلك لتكون الأمة على بصيرة من أمرها، لتعيش في النور بدل الظلام، ولينتفعوا من نعمة العقل التي حبانا الله بها، لنتميز عن الدواب والهوام على هذه الأرض، وكرّمنا بسببه على جميع المخلوقات. يقول تعالى: ((وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا)).

وحين تحدّث النبي الأكرم عن العقل قال: ((إن العقل عقالٌ من الجهل، والنفس مثل أخبث الدواب، فإن لم يعقل حارت، فالعقل عقالٌ من الجهل، وإن الله خلق العقل، فقال له: أقبل فأقبل، وقال له: أدبر فأدبر، فقال له الله تبارك وتعالى: وعزّتي وجلالي ما خلقت خلقًا أعظم منك ولا أطوع منك، بك أُبدي وأعيد، لك الثواب وعليك العقاب)). ويرى الصالحون أن العقل تشعب منه الحلم، نعم، فالحلم دلالة على العلم، وكمال العلم يوصل إلى الرشد، والرشد ينتهي إلى العفاف، والعفاف يتفرع منه الحياء، والاعتدال، والمداومة على الخير، وبغض الشر والكراهية، وطاعة الناصح.

بيد أن شذّاذ الآفاق في كربلاء، لما استولى عليهم العمى والجهل، وأطبق عليهم الشيطان بوساوسه، سُدّت آذانهم عن سماع الحسين وحبيب وزهير بن القين والحر الرياحي حين خاطبوهم ليستنقذوهم من الجهالة وحيرة الضلالة.

ليس بغريب ما تقدم على الحسين الشهيد عليه السلام، فهو من ورث مدرسة الرسالة المحمدية الأصيلة التي تقوم على العلم. يقول النبي الأكرم: ((طلب العلم فريضة على كل مسلم، فاطلبوا العلم من مظانِّه، واقتبسوه من أهله، فإنّ تعليمه لله حسنة، وطلبه عبادة، والمذاكرة به تسبيح، والعمل به جهاد، وتعليمه من لا يعلمه صدقة، وبذله لأهله قربة إلى الله تعالى؛ لأنّه معالم الحلال والحرام، ومنار سبل الجنّة، والمؤنس في الوحشة، والصاحب في الغربة والوحدة، والمحدِّث في الخلوة، والدليل على السرّاء والضرّاء، والسلاح على الأعداء، والزين عند الأخلاّء، يرفع الله به أقوامًا، فيجعلهم في الخير قادة، تُقتبس آثارهم، ويُهتدى بفعالهم، وينتهى إلى رأيهم، وترغب الملائكة في خلّتهم، بأجنحتها تمسحهم، وفي صلاتها تبارك عليهم، يستغفر لهم كل رطب ويابس، حتى حيتان البحر وهوامّه، وسباع البر وأنعامه، إن العلم حياة القلوب من الجهل، وضياء الأبصار من الظُّلمة، وقوة الأبدان من الضعف، يبلغ بالعبد منازل الأخيار، ومجالس الأبرار، والدرجات العُلى في الدنيا والآخرة)).

وهكذا كان الحسين عليه السلام الداعي الأول للعلم يوم عاشوراء، حيث أطلق صرخة ملؤها الرحمة بهؤلاء القوم الذين أعماهم الجهل، فقال: ((الحمد لله الذي خلق الدنيا، فجعلها دار فناء وزوال، متصرّفة بأهلها حالًا بعد حال، فالمغرور من غرّته، والشقي من فتنته، فلا تغرنّكم هذه الدنيا، فإنّها تقطع رجاء من ركن إليها، وتخيّب طمع من طمع فيها، وأراكم قد اجتمعتم على أمر قد أسخطتم الله فيه عليكم، وأعرض بوجهه الكريم عنكم، وأحلّ بكم نقمته، وجنبكم رحمته، فنعم الرب ربّنا، وبئس العبيد أنتم، أقررتم بالطاعة، وآمنتم بالرسول محمّد صلى الله عليه وآله، ثمّ إنّكم زحفتم إلى ذرّيته وعترته تريدون قتلهم، لقد استحوذ عليكم الشيطان فأنساكم ذكر الله العظيم، فتبًا لكم ولما تريدون، إنا لله وإنا إليه راجعون، هؤلاء قوم كفروا بعد إيمانهم، فبعدًا للقوم الظالمين، أيها الناس، انسبوني من أنا، ثمّ ارجعوا إلى أنفسكم وعاتبوها، وانظروا هل يحل لكم قتلي، وانتهاك حرمتي، ألست ابن بنت نبيكم، وابن وصيه وابن عمّه، وأوّل المؤمنين بالله، والمصدّق لرسوله بما جاء من عند ربّه)).

وما تقدم من حديث الحسين عليه السلام يعكس الروح الرسالية التي يحملها، والرحمة التي تكمن في قلبه؛ فصفة العالم أنه يحلم على من جهل حقه، ويتجاوز عمن ظلمه، ويتواضع لمن هو دونه في العلم، ويحرص على مسابقة من هو أسمى منه في درجات العلم والفضيلة، ويطلب البر وإن عزّ، وينبذ الباطل والفواحش ما ظهر منها وما خفي. فهو كثير التدبر، ظاهر العلم في حديثه وسلوكه، وإن عرض له أمر يحتمل الفتنة، استعصم بالله وأمسك عن الخوض فيها بيده أو لسانه، وإن رأى محلًا للخير والصلاح أو الفضيلة، سارع إليه بيده ولسانه.

أما أعداؤه فقد احتملوا صفات الجاهل المعروف عنه أنه يعتدي ويظلم الناس إعمالًا للهوى وتغليبًا للعصبية والأنفة الجاهلية، إذ يتطاول على شريف النسب وسليم الحسب لا لشيء إلا إرضاءً للشهوات وإعمالًا للرغبات الدنيوية. فالجاهل إن تكلم أثم، وإن سكن سها، ويسارع إلى الخوض في النزاع بحمية الجاهلية الأولى.

وتجلّى ما تقدم بكلام أحد مجرمي كربلاء، الشمر بن ذي الجوشن، حين سمع كلام الحسين عليه السلام وهو يقول: ((أولم يبلغكم قول رسول الله صلى الله عليه وآله لي ولأخي: "هذان سيّدا شباب أهل الجنّة"، فإن صدّقتموني بما أقول وهو الحق، والله ما تعمّدت الكذب منذ علمت أنّ الله يمقت عليه أهله، ويضرّ به من اختلقه،..... فقال الشمر: هو يعبد الله على حرف إن كان يدري ما يقول، للدلالة على أنه لا يعرف شيئًا من الحقائق الإسلامية الساطعة، فقال له حبيب بن مظاهر: والله إنّي أراك تعبد الله على سبعين حرفًا، وأنا أشهد أنّك صادق ما تدري ما يقول، قد طبع الله على قلبك)).

ويُروى أيضًا أنه: ((توجّه الحسين نحو القوم وقال: ويلكم على مَ تقاتلونني؟ على حقٍّ تركته؟ أم على شريعة بدّلتها؟ أم على سنّة غيّرتها؟ فقالوا: نقاتلك بغضًا منّا لأبيك وما فعل بأشياخنا يوم بدر وحنين)).

ونشير إلى أن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم شهد للحسين بالعلم والمعرفة، ومنها الحديث المروي عنه، المعروف بحديث الثقلين، حيث يقول: ((أيّها الناس، إنّي فرطكم، وأنتم واردون عليّ الحوض، ألا وإنّي سائلكم عن الثقلين، فانظروا كيف تخلّفوني فيهما؟ فإن اللطيف الخبير نبّأني أنّهما لن يفترقا حتى يلقياني، وسألت ربي ذلك فأعطانيه، ألا وإنّي قد تركتهما فيكم: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، لا تسبقوهم فتفرَّقوا، ولا تقصروا عنهم فتهلكوا، ولا تعلّموهم، فإنهم أعلم منكم)).

وفي نهاية الحديث إقرار صريح من الرسول الكريم بالعلم للحسين عليه السلام، كونه واحدًا من أهل البيت عليهم السلام. كيف لا، وهو سليل باب علم مدينة رسول الله، إذ كان الإمام الحسين عليه السلام لا يدانيه أحد في علمه وفضله بإقرار الصحابة وغيرهم. ففي حديث ابن عمر كانا، أي الحسن والحسين ابنا رسول الله، أنهما كانا يغران العلم غرًا، وفي تاريخ بغداد رُوي عن ابن عمر قوله: أنبأنا رسول الله أنهما كانا يغران العلم غرًا. وقال حبر الأمة عبد الله بن عباس: الحسين من بيت النبوة، وهم ورثة العلم. فالحسين أفضل أهل زمانه في العلم والمعرفة بالكتاب والسنة، وإلى اليوم نتنفس السيرة العطرة لهذا الرجل الهمام، الذي ملأ الدنيا عنفوانًا وشموخًا وقيمًا خالدة إلى يوم القيامة.

.........................................

مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات/2009-Ⓒ2026

هو أحد منظمات المجتمع المدني المستقلة غير الربحية مهمته الدفاع عن الحقوق والحريات في مختلف دول العالم، تحت شعار (ولقد كرمنا بني آدم) بغض النظر عن اللون أو الجنس أو الدين أو المذهب. ويسعى من أجل تحقيق هدفه الى نشر الوعي والثقافة الحقوقية في المجتمع وتقديم المشورة والدعم القانوني، والتشجيع على استعمال الحقوق والحريات بواسطة الطرق السلمية، كما يقوم برصد الانتهاكات والخروقات التي يتعرض لها الأشخاص والجماعات، ويدعو الحكومات ذات العلاقة إلى تطبيق معايير حقوق الإنسان في مختلف الاتجاهات...

http://ademrights.org

ademrights@gmail.com

https://twitter.com/ademrights

ذات صلة

مكافحة الفساد جذرياً وهيكلياً.. قراءة من خلال أفكار الامام الشيرازيهل هي كرةُ ثلج... أم أمطارُ صيف؟و جاءت زينبالحسين بين الثورة والإصلاحلماذا تتحارب الأمم؟