بين ترند المنصات ورسالة الحسين: كيف يتشكل الرأي العام في محرم؟
أوس ستار الغانمي
2026-06-29 05:30
مع حلول شهر محرم في كل عام، تتجه أنظار الملايين نحو المجالس الحسينية والمنابر الدينية التي شكلت على مدى قرون طويلة أحد أهم مصادر الوعي الديني والاجتماعي والثقافي في المجتمعات الإسلامية. وفي الوقت ذاته، تشهد الفضاءات الرقمية حركة متسارعة تتدفق عبرها ملايين المنشورات والمقاطع المرئية والرسائل التي تصوغ اهتمامات الجمهور وتوجه تفاعلاته اليومية. وفي خضم هذا المشهد المتشابك يبرز سؤال مهم يتعلق بالجهة القادرة على قيادة الرأي العام خلال الموسم الحسيني: هل ما زال المنبر يحتفظ بموقعه التاريخي المؤثر، أم أن الخوارزميات الرقمية أصبحت اللاعب الأكثر حضوراً في تشكيل القناعات والاتجاهات؟
هذا السؤال يكتسب أهمية خاصة في ظل التحولات الكبيرة التي شهدها العالم خلال السنوات الأخيرة، حيث انتقلت ساحات التأثير من الأماكن التقليدية إلى المنصات الرقمية التي أصبحت جزءاً من الحياة اليومية لمختلف الفئات العمرية، خصوصاً الشباب الذين يقضون ساعات طويلة في متابعة المحتوى المنشور عبر الهواتف الذكية وشبكات التواصل الاجتماعي.
الخوارزميات اليوم لا تعمل بوصفها أدوات تقنية فحسب، وإنما تؤدي دوراً مؤثراً في تحديد ما يراه المستخدم وما يتفاعل معه وما يمنحه اهتمامه ووقته. وهي تعتمد على تحليل السلوك الرقمي ورصد الاهتمامات وتقديم محتوى يتوافق مع رغبات الجمهور وتوقعاته. ومن خلال هذه الآليات تتشكل دوائر واسعة من التأثير الفكري والثقافي والإعلامي، الأمر الذي جعل المنصات الرقمية ساحة مركزية لصناعة الرأي العام.
في المقابل، يمثل المنبر الحسيني تجربة حضارية متجذرة في الوعي الإسلامي، امتدت عبر قرون طويلة من العطاء الفكري والثقافي. وقد ارتبط هذا المنبر برسالة الإمام الحسين (عليه السلام) التي حملت مضامين الإصلاح والكرامة والعدالة والوعي والمسؤولية الاجتماعية. ومن خلال الخطباء والعلماء والمفكرين، استطاع المنبر أن يرسخ قيماً إنسانية عميقة وأن يسهم في بناء شخصية المجتمع وتعزيز ارتباطه بالمبادئ الأخلاقية.
وخلال مواسم محرم، تتضاعف أهمية هذا الدور مع اتساع دائرة الحضور الجماهيري وتزايد الحاجة إلى خطاب قادر على ملامسة التحديات المعاصرة. فالجمهور المعاصر يعيش وسط بيئة إعلامية مزدحمة بالرسائل المتنافسة، ويواجه كماً هائلاً من المعلومات والآراء والصور والمقاطع التي تتدفق بصورة متواصلة، الأمر الذي يفرض على المنبر الحسيني مواكبة هذه المتغيرات بلغة تستوعب طبيعة العصر وتحافظ في الوقت نفسه على أصالة الرسالة.
وتبرز هنا مساحة التنافس بين المحتوى الديني الهادف والمحتوى السريع الذي تفضله الخوارزميات الرقمية. فالمحتوى المختصر والمثير يحظى غالباً بفرص انتشار واسعة نتيجة طبيعة المنصات التي تمنح الأولوية للتفاعل والمشاهدة والمشاركة. في حين يحتاج الخطاب الفكري والثقافي إلى وقت أطول للتأمل والاستيعاب، ما يضع المؤسسات الدينية والإعلامية أمام تحدٍ يتعلق بآليات إيصال الرسالة إلى الجمهور بطريقة تجمع بين العمق والجاذبية.
ومن هنا أصبحت المسؤولية مضاعفة على عاتق المؤسسات الإعلامية الحسينية وصناع المحتوى المرتبطين بالشأن الديني والثقافي. فالمطلوب اليوم إنتاج مواد إعلامية تمتلك القدرة على المنافسة داخل البيئة الرقمية، وتستثمر أدوات العصر في نشر القيم والمبادئ التي نهض من أجلها الإمام الحسين (عليه السلام). كما تبرز الحاجة إلى تطوير أساليب السرد الرقمي واستخدام الوسائط المتعددة والتقنيات الحديثة في تقديم الرسائل الفكرية والإنسانية.
إن المعركة الحقيقية خلال شهر محرم لا تتعلق بحجم المشاهدات أو عدد المتابعين بقدر ما ترتبط بقدرة الخطاب على صناعة الوعي وترسيخ البصيرة. فالجمهور يحتاج إلى محتوى يفتح آفاق التفكير ويعزز ثقافة المسؤولية ويمنح الإنسان أدوات الفهم والتحليل. وهذه الأهداف تمثل جوهر الرسالة الحسينية التي سعت إلى إيقاظ الضمير الإنساني وتحريك الإرادة الحرة في مواجهة الانحراف والظلم.
وقد أظهرت التجارب المعاصرة أن المنبر الحسيني يمتلك قدرة كبيرة على التكيف مع المتغيرات عندما تتوافر الرؤية الواضحة والإرادة الفاعلة. فالكثير من المجالس والخطابات والبرامج الدينية وجدت طريقها إلى المنصات الرقمية، واستطاعت الوصول إلى جمهور واسع داخل العراق وخارجه، الأمر الذي أوجد مساحة جديدة للتأثير والتفاعل وتبادل الأفكار.
ومع ذلك، تبقى الحاجة قائمة إلى بناء استراتيجية إعلامية أكثر شمولاً تتعامل مع الخوارزميات بوصفها واقعاً مؤثراً في تشكيل الاهتمامات العامة. ففهم آليات عمل المنصات الرقمية يساعد على توجيه الرسائل نحو الفئات المستهدفة، ويمنح المحتوى الهادف فرصاً أكبر للوصول والانتشار والتأثير.
إن الرأي العام في محرم يتشكل اليوم عبر مسارين متوازيين؛ الأول تقوده المنصات الرقمية بما تمتلكه من أدوات تقنية وقدرات انتشار واسعة، والثاني يصنعه المنبر الحسيني بما يحمله من رصيد معرفي وقيمي وروحي متجذر في وجدان الأمة. وعندما يلتقي المساران ضمن رؤية واعية ومتكاملة، تتعزز فرص بناء خطاب قادر على مخاطبة الإنسان المعاصر بلغة يفهمها ويثق بها ويتفاعل معها.
وفي ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، تبرز الحاجة إلى استثمار الفضاء الرقمي في خدمة الرسالة الحسينية، وتحويل التكنولوجيا إلى جسر ينقل قيم العدالة والإصلاح والكرامة إلى أوسع نطاق ممكن. فمحرم يبقى موسماً متجدداً لصناعة الوعي، ومنبر الحسين يواصل أداء رسالته التاريخية، فيما تفرض الخوارزميات حضورها القوي في المشهد الإعلامي. وبين هذين العالمين تتحدد ملامح الرأي العام، وتتشكل مسؤولية الجميع في توجيه الكلمة نحو بناء الإنسان وترسيخ ثقافة البصيرة والوعي والإصلاح.