ماذا نستقي من عاشوراء؟... عندما يتحول الحزن إلى مشروعٍ لبناء الإنسان

شبكة النبأ

2026-06-27 04:17

في كل عام، ومع حلول شهر محرّم، تتجه أنظار الملايين نحو كربلاء. تتقاطر الجموع من مدن العراق وقراه، ومن عواصم العالم المختلفة، لتقف عند قصة يعرفها الجميع، لكنها لا تتوقف عن طرح الأسئلة من جديد. فبعد أكثر من أربعة عشر قرناً على واقعة الطف، ما الذي يجعل هذه الحادثة حاضرة بهذه القوة في الوجدان الإنساني؟ ولماذا لا تتعامل معها الأجيال بوصفها ذكرى تاريخية بعيدة، كما حدث مع كثير من الوقائع التي طواها الزمن؟

ربما لأن كربلاء لم تكن حادثة عابرة في سجل التاريخ، ولم تكن مواجهة سياسية محدودة بزمانها ومكانها، وإنما تحولت إلى تجربة إنسانية مفتوحة على المستقبل. فالأحداث الكبرى تموت حين ترتبط بأشخاصها فقط، أما حين ترتبط بقيم الإنسان وهمومه وأسئلته الوجودية فإنها تواصل الحياة جيلاً بعد جيل. وهذا ما حدث مع نهضة الإمام الحسين عليه السلام التي تجاوزت حدود التاريخ لتصبح جزءاً من الضمير الإنساني.

من يتأمل مشهد عاشوراء اليوم لا يرى مجرد حشود بشرية تؤدي طقوساً دينية، وإنما يرى ظاهرة اجتماعية وأخلاقية وإنسانية معقدة وعميقة. ملايين الناس يتحركون بدافع داخلي واحد، يجمع بينهم الإيمان بقضية تتجاوز المصالح الشخصية والحسابات الضيقة. وفي زمن تتسع فيه الفجوات بين البشر بسبب المصالح والاختلافات والهويات المتصارعة، يبدو هذا المشهد وكأنه تذكير سنوي بإمكانية اجتماع الناس حول قيم أكبر من انتماءاتهم الفردية.

والمثير للاهتمام أن كربلاء لم تعد حدثاً يخص المسلمين وحدهم. فكل عام يزداد عدد المهتمين بهذه التجربة من ثقافات وأديان وخلفيات مختلفة. هناك باحثون ومفكرون وصحفيون ومراقبون يأتون إلى العراق أو يتابعون ما يجري فيه بحثاً عن تفسير لهذه الظاهرة الإنسانية الفريدة. فهم يرون ملايين البشر يتحركون نحو مدينة واحدة، يحملون مشاعر الحزن والمحبة والوفاء في الوقت نفسه، ويجدون أنفسهم أمام سؤال كبير: ما الذي تركه الحسين في وجدان الناس حتى بقي حياً إلى هذه الدرجة؟

والحقيقة أن الإجابة لا تكمن في المأساة وحدها، فالتاريخ مليء بالمآسي. ما يجعل كربلاء مختلفة هو أن الدم الذي سُفك هناك لم يتحول إلى دعوة للانتقام، وإنما تحول إلى دعوة لإحياء الضمير. لقد كانت رسالة الحسين عليه السلام أكبر من معركة، وأعمق من صراع على سلطة، وأبعد من نزاع سياسي محدود. كانت محاولة لإنقاذ القيم حين بدأت تتعرض للتآكل والانحراف.

ولهذا فإن السؤال الأهم الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا بعد كل عاشوراء ليس: كيف نبكي الحسين؟ وإنما: ماذا تعلمنا من الحسين؟ فما قيمة الحزن إذا لم يتحول إلى وعي؟ وما جدوى الذكرى إذا لم تنتج سلوكاً أفضل وإنساناً أكثر التزاماً بالحق والعدل؟

إن أول ما يمكن أن نستقيه من عاشوراء هو معنى الأخوّة الإنسانية. ففي كربلاء لم يكن الحسين يدافع عن جماعة بعينها، بل كان يدافع عن قيمة الإنسان نفسها. وعندما ننظر إلى مشاهد الزيارة والمواكب والخدمة، نجد أن أجمل ما فيها ليس كثرتها العددية فقط، وإنما قدرتها على إنتاج روح جماعية قائمة على العطاء والتكافل. فالناس يقدمون الطعام والشراب والخدمة والجهد دون انتظار مقابل، وكأنهم يعيدون اكتشاف معنى المشاركة الإنسانية بعيداً عن لغة الربح والخسارة.

هذه الروح ليست أمراً بسيطاً في عالم يتجه أكثر فأكثر نحو الفردانية. فالمجتمعات الحديثة تعاني أحياناً من العزلة الاجتماعية وتراجع الشعور بالمسؤولية المشتركة. أما في كربلاء، فإن الإنسان يجد نفسه جزءاً من نسيج إنساني واسع، يشعر فيه أن خدمة الآخرين قيمة بحد ذاتها. ومن هنا يمكن النظر إلى عاشوراء بوصفها مدرسة سنوية لإعادة إنتاج روح التضامن بين الناس.

أما الدرس الثاني الذي تقدمه كربلاء فهو أهمية العدالة بوصفها شرطاً للاستقرار الإنساني. فالحسين عليه السلام لم يرفض الظلم لأنه كان ضحية له فقط، وإنما لأنه أدرك أن الظلم حين يصبح قاعدة للحكم أو السلوك فإنه يدمر المجتمع من الداخل. والعدالة التي دعا إليها الحسين ليست مجرد مفهوم قانوني أو سياسي، بل هي أسلوب حياة يبدأ من احترام حقوق الآخرين، ويمتد إلى كل أشكال التعامل الإنساني.

ولهذا فإن الوفاء الحقيقي لعاشوراء لا يتحقق بالشعارات وحدها، وإنما يتحقق حين يرفض الإنسان الظلم في بيته وعمله ومجتمعه، وحين يشعر بالمسؤولية تجاه الفقراء والمحرومين والمهمشين. فالحسين لم يخرج من أجل أن يُذكر اسمه فقط، وإنما من أجل أن تبقى القيم التي ضحى لأجلها حية في الواقع.

ومن الدروس المهمة أيضاً أن عاشوراء تعلمنا قيمة المسؤولية الفردية. ففي كثير من الأحيان يميل الإنسان إلى الاعتقاد بأن التغيير مهمة الآخرين، أو أن إصلاح المجتمع يبدأ من المؤسسات الكبرى فقط. لكن كربلاء تقدم صورة مختلفة. فكل شخصية في الطف كانت تمثل موقفاً أخلاقياً مستقلاً، وكل فرد كان مسؤولاً عن خياره الشخصي. ومن هنا يصبح الإنسان مطالباً بأن يسأل نفسه: ما هو موقفي من الحق؟ وما هو دوري في إصلاح الواقع الذي أعيش فيه؟

وحين ننظر إلى واقعنا اليوم، نجد أن كثيراً من الأزمات التي نعاني منها ليست نتيجة نقص الموارد فقط، بل نتيجة ضعف الإحساس بالمسؤولية. فالفساد، والإهمال، والتجاوز على الحقوق، وتراجع القيم العامة، كلها مشكلات تتغذى من غياب الضمير الحي. ولهذا فإن استذكار الحسين يجب أن يدفعنا إلى مراجعة أنفسنا قبل أن يدفعنا إلى محاسبة الآخرين.

ومن اللافت أن عاشوراء لا تدعو الإنسان إلى الانكفاء على الماضي، بل تحثه على صناعة مستقبل أفضل. فالحسين عليه السلام لم يتحرك بدافع الحنين إلى زمن مضى، وإنما تحرك بدافع المسؤولية تجاه زمنه ومستقبل أمته. ومن هنا فإن الانتماء الحقيقي للنهضة الحسينية يعني السعي المستمر نحو التطوير والإصلاح وبناء المجتمع.

وقد لاحظ كثيرون خلال السنوات الأخيرة تطوراً واضحاً في مستوى التنظيم والخدمات والوعي العام خلال الزيارات المليونية. هذه المظاهر ليست تفصيلاً هامشياً، بل تعكس قدرة المجتمع على التعلم والتطور والاستفادة من التجربة. فالنظافة، والانضباط، واحترام النظام، والتعاون بين الناس، كلها قيم حضارية تنسجم مع جوهر الرسالة الحسينية التي أرادت للإنسان أن يكون أكثر وعياً ومسؤولية.

ولعل أجمل ما تمنحه عاشوراء للإنسان هو الأمل. فالحسين عليه السلام وقف في لحظة بدا فيها ميزان القوة مختلاً بصورة كاملة، ومع ذلك لم يفقد إيمانه بالحقيقة التي يدافع عنها. وهذا الدرس يحتاجه عالمنا اليوم بشدة. فالكثير من الناس يشعرون بالإحباط أمام حجم المشكلات والأزمات والتحديات، لكن كربلاء تذكرنا دائماً بأن القيمة لا تُقاس بحجم القوة المادية فقط، وإنما بقدرة الإنسان على الثبات على المبدأ.

إن الأمم لا تتقدم بالثروات وحدها، ولا بالتكنولوجيا وحدها، ولا بالمشاريع الكبرى وحدها. إنها تتقدم حين تمتلك منظومة قيم قادرة على توجيه هذه الإمكانات نحو الخير العام. ولهذا فإن عاشوراء ليست مجرد مناسبة دينية، بل فرصة سنوية لإعادة بناء الإنسان من الداخل، وإعادة ترتيب العلاقة بين الفرد والمجتمع، وبين الحقوق والواجبات، وبين الحرية والمسؤولية.

وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحاً أمام كل من يقف عند باب كربلاء: ماذا نستقي من عاشوراء؟ هل نكتفي باستذكار الألم، أم نحمل معنا شيئاً من رسالتها إلى حياتنا اليومية؟

ربما تكون الإجابة الأصدق هي أن عاشوراء تدعونا إلى أن نصبح أكثر إنسانية، وأكثر عدلاً، وأكثر رحمة، وأكثر استعداداً لخدمة الآخرين. تدعونا إلى أن نحول الحزن إلى وعي، والذكرى إلى سلوك، والمحبة إلى عمل.

وعندما يتحقق ذلك، يصبح الدم الطهور الذي سُفك في كربلاء رسالة مستمرة للأخوّة والتطور والعدالة. وحينها فقط نستطيع أن نقول إننا لم نستذكر الحسين عليه السلام فحسب، بل فهمنا شيئاً من المعنى الذي أراد أن يتركه للأجيال.

ذات صلة

ركضة طويريج: ملحمة الشعائر وحضور الفقهاء والمراجعاللاعنف في مدرسة الحسين: كيف تتحول كربلاء إلى مشروع أخلاقي لمواجهة العنف المعاصر؟الشعائر الحسينيَّة وصناعة الوعي.. كيف تُبنى الثقافة وتُهدم؟الاتفاق الامريكي الايراني بعد حرب الاربعين يوماً.. الدوافع والمشاهد المستقبليةمبادئ الثورة الحسينية ودستور جمهورية العراق لسنة 2005