كربلاء تفتح ملف العدالة في كل عام
وتقول إن الزمن لا يغسل الجرائم، فهل من معتبر؟
د. عقيل كريم الحسناوي
2026-06-27 04:15
تمرّ الأعوام، وتتغير الدول والحكومات، وتتبدل أسماء الحكام، لكن كربلاء تعود في كل عام لتفتح ملفًا لم يستطع الزمن إغلاقه: ملف العدالة. لا تعود كربلاء لأن الناس عجزوا عن مغادرة الماضي، بل لأن الماضي نفسه لم ينتهِ ما دامت الأسباب التي صنعت المأساة تتكرر في الحاضر بأسماء وصور مختلفة.
لقد وقعت جريمة الطف منذ أكثر من ألف وثلاثمئة عام، وكان الذين ارتكبوها يظنون أن السيف قادر على إنهاء القضية، وأن قتل الإمام الحسين عليه السلام وأهل بيته وأصحابه سيغلق باب الاعتراض، ويمنح السلطة نصرًا لا رجعة فيه. لكن الذي حدث كان العكس تمامًا؛ مات أصحاب القوة، وبقي صاحب الحق. انتهت دولتهم، وظل الحسين حاضرًا في ضمير الإنسان، يذكّر العالم بأن القوة لا تمحو الجريمة، وأن الزمن لا يحول الظلم إلى حق. قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾.
لم تكن كربلاء مجرد مواجهة عسكرية غير متكافئة، بل كانت لحظة انكشاف أخلاقي. كشفت كيف يمكن للسلطة أن تستخدم الدين لتبرير ظلمها، وكيف يمكن للمال والمنصب والخوف أن يحول الإنسان من شاهد على الجريمة إلى شريك فيها، وكيف يمكن لجماعة كبيرة أن تقف في مواجهة رجل تعرف منزلته وحقه، ثم تختار طاعة السلطة على طاعة الضمير.
ولهذا لا تنتمي كربلاء إلى التاريخ وحده. إنها مرآة تُعرض أمام كل حكومة، وكل مؤسسة، وكل صاحب سلطة. تسألهم: ماذا فعلتم بالأمانة التي وُضعت بين أيديكم؟ هل جعلتم الحكم وسيلة لخدمة الناس، أم طريقًا لتوزيع المغانم؟ هل حفظتم دماء المواطنين وأموالهم، أم أصبح المواطن هو من يدفع ثمن صراعاتكم ومصالحكم؟
في حكوماتنا المعاصرة، تُرفع شعارات الدولة والعدالة وخدمة الشعب، لكن الواقع كثيرًا ما يكشف دولةً موزعة بين الأحزاب والجماعات، ومؤسسات تخضع للمحاصصة، ومناصب تُمنح على أساس الولاء لا الكفاءة. تتغير الحكومات، بينما تبقى الوجوه أو المصالح أو أساليب إدارة الدولة على حالها. ويظل المواطن يسمع الوعود ذاتها، ثم يواجه الفقر والبطالة وضعف الخدمات وضياع الحقوق.
المحاصصة ليست مجرد طريقة لتقسيم المناصب، بل هي اعتداء على فكرة الدولة نفسها. فعندما يصبح المنصب حصةً لحزب أو جماعة، يفقد معناه بوصفه أمانة عامة. ويُستبدل الولاء للوطن بالولاء لمن منح المنصب، وتتحول المؤسسة من مكان لخدمة المواطنين إلى مساحة لتوزيع النفوذ والمكاسب. ويكون مصداق لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾.
هنا تعود كربلاء لتقول إن السلطة التي تنفصل عن الأخلاق قد تحتفظ باسمها وقوانينها، لكنها تفقد شرعيتها في ضمير الناس. فالشرعية لا تصنعها الانتخابات أو النصوص وحدها، إذا تحولت مؤسسات الدولة إلى أدوات للنهب والإقصاء، وإنما تصنعها العدالة، وحماية الحقوق، وصيانة المال العام. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾.
لكن ما أبعد بعض ممارسات الحكم عن هذا المعنى. فالمال العام الذي يفترض أن يبني مدرسة أو مستشفى أو طريقًا قد يضيع في صفقات الفساد، أو يُنهب بعقود وهمية، أو يتحول إلى ثروات خاصة وحسابات خارج البلاد. والمواطن الذي يطالب بحقه قد يُهمّش أو يُخوَّن أو يُعاقب، بينما يجد الفاسد من يحميه، لأنه جزء من شبكة المصالح نفسها.
إن سرقة المال العام ليست جريمة مالية فقط. إنها سرقة لأعمار الناس وفرصهم. من يسرق أموال المستشفى يشارك في ألم المريض الذي لا يجد دواءً، ومن ينهب مخصصات المدارس يشارك في حرمان الأطفال من التعليم، ومن يبدد أموال الخدمات يشارك في معاناة الفقير الذي يعيش بلا ماء أو كهرباء أو سكن كريم.
وليس الفساد محصورًا في المال. هناك فساد أشد خطرًا يتمثل في استباحة الأرواح، والتهاون بدماء المواطنين، وإفلات المتسببين في الجرائم من المحاسبة. قد يُقتل إنسان لأنه احتج، أو يُعاقب لأنه كشف فسادًا، أو تُهدر حياته نتيجة الإهمال، ثم تضيع قضيته بين اللجان والتسويف والضغوط السياسية.
إن الدولة التي لا تحمي حياة مواطنيها، ولا تكشف من اعتدى عليهم، ولا تنصف عائلاتهم، تفتح جرحًا لا يغلقه مرور الزمن. فدماء الأبرياء لا تتحول إلى أرقام، والعدالة المؤجلة لا تعني أن الجريمة نُسيت.
كربلاء تعلمنا أن الجريمة لا تصنعها يد القاتل وحدها. يصنعها أيضًا من أصدر الأمر، ومن وفر الغطاء، ومن برر، ومن سكت خوفًا أو طمعًا، ومن عرف الحقيقة ثم فضل مصلحته. ولذلك لا يستطيع المسؤول أن يتنصل من نتائج نظام شارك في بنائه أو حمايته، ولا يستطيع المثقف أن يدعي البراءة إذا تحول صمته إلى حماية للفساد.
لكن كربلاء لا تدعونا إلى محاكمة الحكومات وحدها، بل إلى محاكمة أنفسنا أيضًا. فالمحاصصة الكبرى تبدأ أحيانًا من محاصصات صغيرة نقبلها في حياتنا، والفساد العام يجد جذوره في الواسطة والمحسوبية وتقديم القريب على المستحق. اننا نرفض الفساد عندما يحرمنا من المنفعة، ثم نبحث عن طريق إليه عندما يخدم مصالحنا.
إن من يريد دولة عادلة عليه أن يبدأ برفض الظلم، سواء وقع عليه أم صدر عنه. ومن يرفع راية الحسين عليه السلام لا يجوز له أن يبرر فساد من ينتمي إلى حزبه أو طائفته، ثم يرفض فساد خصومه. فالحسين ليس راية تُستخدم في الصراع على السلطة، بل ميزان يحاكم الجميع.
إن استذكار الحسين لا يكتمل بالبكاء على مظلوميته، مع السكوت عن مظلومي الحاضر. ولا معنى لأن نحزن على الأموال التي نُهبت في زمنه، ثم نصمت عن نهب مال الشعب اليوم. ولا يكفي أن نلعن من قتل الأبرياء في الماضي، ثم نتجاهل دماء الأبرياء في حاضرنا.
كربلاء لا تريد أن نبقى أسرى الحزن، بل أن نصبح أكثر حساسية تجاه الظلم. إنها تقول للحاكم: لا تغتر بقوتك، فقد امتلك من سبقك جيوشًا وأموالًا ومنابر، ثم لم يبقَ منه إلا عار الجريمة. وتقول للفاسد: قد تفلت من القضاء زمنًا، لكنك لن تفلت من ذاكرة الناس ولا من عدالة الله. وتقول للصامت: إن الحياد بين الظالم والمظلوم ليس دائمًا براءة، فقد يصبح عونًا للظالم، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾.
في كل عام تفتح كربلاء ملف العدالة من جديد. لا لتعيد محاكمة الماضي وحده، بل لتضع الحاضر أمام مسؤوليته. تسأل حكوماتنا: كم فقيرًا أنصفتم؟ وكم فاسدًا حاسبتم؟ وكم دمًا حقنتم؟ وكم مالًا عامًا حفظتم؟ وكم منصبًا أعدتموه إلى الكفاءة بدل المحاصصة؟
وتسألنا نحن أيضًا: هل تغيرت أخلاقنا، أم اكتفينا بتكرار الكلمات؟ هل نرفض الظلم كله، أم نرفض فقط الظلم الذي يصيبنا؟ هل تعلمنا من الحسين أن الحق لا يتجزأ، أم جعلنا ذكراه جزءًا من صراعاتنا ومصالحنا؟
لقد مضت قرون على جريمة كربلاء، لكنها لم تُمحَ؛ لأن الجريمة التي تقع في مواجهة الحق لا يغسلها الزمن، بل قد يزيدها الزمن وضوحًا. كان الذين قتلوا الحسين يملكون السلطة يومًا، لكنهم عجزوا عن التحكم في التاريخ.
فهل تعتبر الحكومات التي تتستر على الفساد، وتوزع الدولة غنائم، وتفرط بدماء الناس وأموالهم؟ وهل يدرك أصحاب السلطة أن الكرسي يزول، وأن ما يبقى هو العدل أو العار؟
كربلاء تقول لهم جميعًا: الزمن قد يؤخر الحساب، لكنه لا يمحو الجريمة.
فهل من معتبر؟