من هو الحسيني..؟
محبة واعية وبصيرة ملتزمة وسلوك صادق
مرتضى معاش
2026-06-24 08:30
السلام على الحسين، وعلى علي بن الحسين، وعلى أولاد الحسين، وعلى أصحاب الحسين، الذين بذلوا مُهجهم دون الحسين عليه السلام.
ونحن أيام عاشوراء العظيمة المقدسة، فإن الحديث عن ملحمة عاشوراء، هو حول كيفية إحياء هذه الذكرى المتجددة. فهذه الأيام ليست عادية في حياة الإنسان المؤمن، بل هي أيام مراجعة للنفس، وترميم للذات، وتجديد للعهد، وارتقاء في الفهم والبصيرة والحضور القلبي والعقلي والروحي.
إن إحياء عاشوراء يحتاج إلى استعداد كامل، لا من جهة المظاهر فحسب، بل من جهة القلب والمعرفة والسلوك. فالمؤمن حين يدخل أيام الإمام الحسين عليه السلام ينبغي أن يدخلها بروح متفتحة، وبقلب حاضر، وبعقل متدبر، وبنفس مستعدة للتغيير. فهذه الذكرى الكبرى ليست مجرد زمن يمر في كأيام السنة، بل هي مدرسة تعيد تشكيل الإنسان، وتوقظه من الغفلة، وتفتح له طريقًا إلى الله سبحانه وتعالى من خلال باب الإمام الحسين عليه السلام.
ومن هنا يأتي السؤال الأساس: من هو الإنسان الحسيني؟
الحسيني هو الإنسان الذي تحولت محبته للإمام الحسين عليه السلام إلى وعي، ودمعته إلى بصيرة، وشعيرته إلى تربية، وخدمته إلى أخلاق، وانتماؤه إلى مسؤولية. هو الإنسان الذي لا يكتفي بأن ينسب نفسه إلى الإمام الحسين عليه السلام باللسان، بل يسعى إلى أن يكون هذا الانتماء حاضرًا في قلبه وعقله وسلوكه وبيته وعمله وموقفه من الحياة والناس.
وفي الطريق إلى عاشوراء لا بد أولًا أن نعرف أنفسنا، وأن نسأل: كيف تكون محبتنا للإمام الحسين عليه السلام؟ كيف ننظر إلى أنفسنا؟ كيف نقيّمها؟ كيف نحاسبها؟ هل نعيش الحضور الحسيني في القلب والعقل والسلوك؟ هل نحضر في هذه الأيام بكليتنا: قلبًا وعقلًا وروحًا وسلوكًا؟ وهل تتحول هذه الذكرى في داخلنا إلى يقظة وتزكية وإصلاح؟
هذه الأسئلة ليست أسئلة انتقادية، بل هي أسئلة للوعي والبناء. فالإنسان لا يستطيع أن يرتقي إلا إذا عرف موضعه، ولا يستطيع أن يكون من محبي الإمام الحسين عليه السلام إلا إذا جعل هذا الانتماء حركة مستمرة في حياته. فالحسيني ليس اسمًا يطلقه الإنسان على نفسه، وليس شعارًا يرفعه، بل هو مسار في المحبة والطاعة والبصيرة والعمل.
مفهوم الحب الحسيني
أول ما ينبغي أن نعرفه هو مفهوم الحب الحسيني، فهو معنى عميق في مدرسة الإسلام وأهل البيت عليهم السلام. إنه ليس حالة عاطفية منفصلة عن بناء الشخصية، ولا شعورًا يمر بالقلب ثم ينتهي أثره بانتهاء المجلس أو المناسبة. الحب الحسيني طاقة إيمانية تهدف إلى تشكيل الشخصية، وبناء الذات باليقين والمعرفة، وتحرير الإنسان من الأغلال التي تكبله بالدنيا والشهوات والأهواء والظلم والذنوب والمعاصي.
وهذه الأغلال ليست دائمًا أغلالًا خارجية يفرضها الطغاة على الناس، فقد يكون الإنسان أسير طاغية خارجي، وقد يكون أسير طاغية في داخله. الشهوة قد تكون طاغية، والطمع قد يكون طاغية، والخوف قد يكون طاغية، وحب الدنيا قد يكون طاغية، والمال الحرام قد يكون طاغية. وعاشوراء في غايتها جاءت لتفتح للإنسان طريق التحرر من كل هذه القيود. لذلك فإن الحب الحسيني هو تحرير للذات من ارتهان النفس للمادية الفانية ومن الانغلاق على الشهوات والأهواء.
فالحب في الإسلام التزام وطاعة واقتداء وأسوة. بل إن معنى الحب في جوهره هو الالتزام. فمن أحب شخصًا بصدق كان متفانيًا فيه، مضحيًا من أجله، معطاءً له، وساعيًا إلى رضاه. فكيف إذا كان هذا الحب حبًا دينيًا في الإسلام؟ وكيف إذا كان حبًا لأهل البيت عليهم السلام؟ وكيف إذا كان متعلقًا بالإمام الحسين عليه السلام، الذي جعل الله محبته طريقًا إلى الفضل والكرامة والهداية؟
قال الله تعالى:
(قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى) الشورى 23.
فهذه المودة ليست عاطفة ساكنة، بل هي التزام واتباع وأسوة واقتداء. إنها التزام بنهج أهل البيت عليهم السلام، وبقيمهم وسيرتهم وطريقهم، وأخلاقهم. ومن أحب أهل البيت عليهم السلام حقًا جعل مودتهم منهجًا في حياته؛ فلا تكون المودة كلمة بل سلوكًا، ولا تكون المحبة ادعاء بل أثرًا ظاهرًا في الطاعة والورع والتقوى.
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله:
«حسين مني وأنا من حسين، أحب الله من أحب حسينًا»(1).
هذا الحديث الشريف يكشف الامتداد العميق للحب الحسيني؛ فالإمام الحسين من رسول الله، ورسول الله صلى الله عليه وآله من الإمام الحسين عليه السلام بمعنى الامتداد الايماني والروحي. فالحسين عليه السلام تجسيد لسيرة رسول الله صلى الله عليه وآله، وتجديد لرسالته، وحفظ لمنهجه في أحرج لحظات التاريخ. لذلك فإن الحب الحسيني التزام بنهج الرسالة النبوية، والتزام بمنهج الله سبحانه وتعالى.
ومن يود أهل البيت عليهم السلام ويطيعهم ويلتزم طريقهم، يكون في طريق محبة الله سبحانه وتعالى. وهذا الحب الإلهي فيض عظيم، وكرامة كبرى للإنسان. فكيف يصل الإنسان إلى هذه المرتبة العالية، وهي أن يحبه الله سبحانه وتعالى؟ الطريق إلى ذلك أن يحب الحسين عليه السلام حبًا صادقًا، وأن يسير بسيرته ونهجه، وأن يجعل هذا الحب نورًا يهديه في حياته.
وعن الإمام الباقر عليه السلام أنه قال:
«من كان محبًا فليرغب في زيارة قبر الحسين عليه السلام؛ فمن كان للحسين محبًا زوّارًا عرفناه بالحب لنا أهل البيت، وكان من أهل الجنة، ومن لم يكن للحسين عليه السلام زوّارًا كان ناقص الإيمان»(2).
والمقصود بـ«زوّارًا» هو كثرة الزيارة وتجدد العهد، لا أن تكون العلاقة بالإمام الحسين عليه السلام علاقة متباعدة، يحضر فيها الإنسان في موسم وينقطع في مواسم. بل إن المؤمن كلما استطاع أن يجدد عهده بالزيارة والمعرفة والحضور فعل ذلك. وكلما كان زائرًا عارفًا بحق الإمام الحسين عليه السلام ازداد إيمانه، واتسعت محبته، وتعمقت صلته بأهل البيت عليهم السلام. وهنا نرى العلاقة الوثيقة بين الحب والإيمان؛ فالحب الحسيني إيمان وطاعة والتزام.
وعن الإمام الصادق عليه السلام قال:
«من أحب أن يكون مسكنه في الجنة ومأواه الجنة، فلا يدع زيارة المظلوم».
فقيل له: ومن هو المظلوم؟
قال: «الحسين بن علي؛ فمن أتاه شوقًا إليه، وحبًا لرسول الله، وحبًا لفاطمة، وحبًا لأمير المؤمنين، أقعده الله على موائد الجنة، يأكل معهم والناس في الحساب»(3).
هكذا هو المحب الحسيني. إنه يأتي شوقًا ومحبة، محملًا بحب رسول الله وفاطمة الزهراء وأمير المؤمنين صلوات الله عليهم. وحين تكون هذه المحبة متصلة بهذه السلسلة الطاهرة، فإنها لا تبقى عاطفة محدودة، بل تصبح معرفة بحق أهل البيت عليهم السلام، وطاعة لهم واقتداء بسيرتهم وارتباطًا بالجنة والآخرة ورضوان الله تعالى.
لذلك فإن الحب الحسيني حب هادف، عقلاني، متبصر، يتجسد بوعي عميق. هو حب يفتح قلب الإنسان على ما يريده الإمام الحسين عليه السلام منا. إنه حب يجعل الإنسان يفكر ويتدبر ويسأل: ما معنى أن أكون محبًا؟ ما معنى أن أكون خادمًا؟ ما معنى أن أكون زائرًا؟ ما معنى أن أحضر في عاشوراء؟ وما الذي ينبغي أن يتغير في نفسي بعد هذه المشاركة؟
المحبة الواعية وبصيرة القلب
الحب الحسيني يحتاج إلى بصيرة. وقد كان في زمن الإمام الحسين عليه السلام أناس يعلنون المحبة، حتى قيل له: «قلوبهم معك وسيوفهم عليك». وهذه العبارة تحمل درسًا عميقًا في ضرورة أن تكتمل المحبة بالمعرفة والموقف. فالمحبة التي لا تنضج بالوعي قد تضعف عند الامتحان، وقد لا تتحول إلى نصرة حقيقية للحق. أما الحب الصادق فهو الذي يفتح آفاق الفكر، وينمي الوعي، ويوقظ البصيرة، ويدعو القلب إلى الفهم والتدبر.
قال الله تعالى:
(قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ).
فالإنسان الحسيني لا يكتفي بالحضور الظاهري. إنه يريد أن يكون بصيرًا، يعرف سيرة الإمام الحسين عليه السلام، ويعرف أخلاقه وأهداف نهضته، ويعرف معنى الحق الذي خرج من أجله. يعرف أن الحسين عليه السلام لم يخرج لمصلحة شخصية ولا لمنافسة دنيوية ولا لرغبة في سلطان، بل خرج ليحيي الحق، ويصلح الأمة، ويقيم العدل، ويحفظ الكرامة الإنسانية.
فكيف يكون الإنسان محبًا للإمام الحسين عليه السلام وقلبه لا يرى طريقه؟ وكيف يكتمل الحب إذا خالف الإنسان سيرة الإمام الحسين عليه السلام، ومال إلى الظالمين، أو نصر الباطل، أو خذل الحق، أو أكل المال الحرام، أو اعتدى على حقوق الناس؟ إن ادعاء الحب يحتاج إلى تصديق عملي، والقلب البصير هو القلب الذي يرى طريق الإمام الحسين عليه السلام ثم يسير فيه.
إن الإمام الحسين عليه السلام يريد إنسانًا بصيرًا يفهم هذه السيرة، وهذه الرسالة، وهذه الملحمة. يريد إنسانًا يتدبر في عاشوراء، لا باعتبارها حادثة تاريخية انتهت، بل باعتبارها مدرسة دائمة لبناء الإنسان والمجتمع. فكلما ازداد الإنسان فهمًا لعاشوراء ازداد قربًا من الحسين عليه السلام، وكلما ازدادت بصيرته صار أكثر قدرة على تحويل المحبة إلى سلوك صالح.
العاطفة والشعائر مدرسة لتليين القلب وتزكية النفس
إن العاطفة الحسينية الجياشة، في الحزن والدمعة والارتباط المعنوي والروحي بملحمة عاشوراء، تمثل بابًا عظيمًا من أبواب التربية الإيمانية. فالدمعة على الإمام الحسين عليه السلام ليست حالة عابرة في الوجدان، بل هي حركة في القلب، ونعمة من الله سبحانه وتعالى، ووسيلة ربانية لتليين الداخل الإنساني، وإعادة القلب إلى صفائه وحنانه وقابليته للهداية.
والشعائر الحسينية ليست ممارسات شكلية ومظاهر منفصلة عن الروح، بل هي مظهر ولاء ومواساة وتعظيم لأمر الله تعالى، وإحياء لنهج سيد الشهداء عليه السلام، وتجديد للعهد مع رسول الله صلى الله عليه وآله وأهل بيته الطاهرين. وهي في الوقت نفسه مدرسة عظيمة لتربية القلب والسلوك، وبناء الإنسان والمجتمع على معاني التقوى والرحمة والكرامة والوفاء.
الإنسان في حياته اليومية يعيش ضغوطًا كثيرة؛ مشكلات وتحديات ومسؤوليات، وينشغل بالدنيا، ويلهث وراء الرزق، ويتعرض للتوتر والقلق والغضب. ومع الزمن قد يقسو قلبه، وتضعف مشاعره، وتبتعد حضور الآخرة في نفسه. وهنا تأتي العاطفة الحسينية لتعيد للقلب حياته. تأتي الدمعة لتسقي أرض القلب، وتأتي الشعيرة لتفتح منفذًا للرحمة، ويأتي المجلس ليجدد العهد مع الله سبحانه وتعالى، ومع رسول الله وأهل بيته عليهم السلام.
فالدمعة الحسينية تفكك قسوة القلب بلطف، وتجعل القلب مرنًا حيًا، وتمنحه قدرة على استقبال القيم. ومن خلال هذه الدمعة تنمو في القلب ثمار المحبة والطاعة والالتزام والارتباط بالآخرة، فيصبح القلب أكثر استعدادًا لفهم قيم الإمام الحسين عليه السلام، مثل العدالة، والكرامة، والرحمة، والإصلاح، ونصرة الحق، والوقوف أمام الظلم.
قال الله تعالى:
(اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَٰلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ)الزمر/23.
الإنسان الذي يخشى الله سبحانه وتعالى تكون عنده تقوى وورع، ويتأثر بالذكر، فيقشعر جلده ثم يلين قلبه. وهذه الحالة يعرفها الإنسان حين يمر بموقف إيماني كبير؛ يشعر وكأن جسده كله يستجيب للذكر: العين والجلد والقلب والوجدان. هذا التفاعل ليس ضعفًا، بل حياة تسري في كل جزء من أجزاء جسده، وليس هروبًا من الواقع بل استعداد لمواجهته بقلب أكثر طهارة وقوة.
فالذي يخرج من أسر الدنيا ويرتقي إلى الله سبحانه وتعالى، يكون قلبه مفتوحًا للهداية. وهنا تبدأ الهداية. فالدمعة الحسينية طريق للهداية، لأنها تفتح القلب، وتجعله في حالة لين واطمئنان، وتحرره من التشنج الداخلي والتوتر القلق، وبذلك يطمئن الإنسان إلى ذكر الله سبحانه وتعالى.
وهذا هو هدف الدمعة والحزن الحسيني وإحياء شعائر عاشوراء. قال تعالى:
(وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) الحج32.
الشعائر الحسينية تمنح القلب قوة معنوية هائلة، وتعطي الإنسان حالة من الاطمئنان، وتفتح له قابلية الهداية والاهتداء، وتجعله أكثر قربًا من معاني التضحية والرحمة والإنصاف والعدالة. لذلك ينبغي أن ننظر إلى الشعائر بعين إيجابية واعية؛ فهي مدرسة لتقوى القلوب، ومجال رحب لبناء الفرد والمجتمع.
وإحياء الشعائر ليس نهاية الطريق، بل بداية متجددة للسير نحو الإصلاح. فالذي يحضر المجلس ويبكي ويلطم ويخدم ويزور، ينبغي أن يسأل نفسه بعد ذلك: ماذا زرعت في قلبي هذه الشعيرة؟ كيف قربتني من الإمام الحسين عليه السلام؟ كيف جعلتني أكثر رحمة؟ كيف جعلتني أكثر صدقًا؟ كيف جعلتني أكثر التزامًا بالحلال؟ كيف جعلتني أكثر اهتمامًا بالناس؟
حين تتحول الشعيرة إلى سؤال إصلاحي، فإنها تصبح مدرسة مستمرة. فالشعائر الحسينية ليست منفصلة عن بناء المجتمع، بل تصنع أجواء الهداية، وتربي الأجيال على ذكر الإمام الحسين عليه السلام، وتربطهم بمفاهيم الحق والكرامة والتضحية. ولهذا لا بد أن نحافظ عليها بروح إيجابية واعية، وأن نجعلها منطلقًا لتقوى القلوب وبناء الإنسان.
ومن هنا يتجلى التكامل في الشخصية الحسينية: العاطفة تحرك القلب، والمعرفة تهدي العاطفة، والشعيرة تجدد العهد، والعمل يثبت صدق الانتماء. وعندما تجتمع هذه المعاني يصبح الإنسان في طريق الإمام الحسين عليه السلام.
الإمام الحسين سفينة النجاة
الإمام الحسين عليه السلام سفينة النجاة، وحبه انحياز صادق إلى الفطرة الإنسانية، وإلى قيم الحرية والكرامة والعدالة. فالإنسان من دون غاية واضحة يعيش تائهًا، مضطربًا، لا يعرف أين يضع قلبه، ولا إلى أين يسير. وقد أشار القرآن الكريم إلى حالة الذهول والاضطراب في قوله تعالى:
(وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَىٰ وَمَا هُمْ بِسُكَارَىٰ) الحج2.
وقد يكون الإنسان في الدنيا كذلك؛ ليس سكرانًا بمعنى فقدان الوعي الظاهر، ولكنه حائر في داخله، لا يدري ماذا يريد، ولا يعرف هدفه، ولا يعرف غايته. يلاحق الدنيا فلا تشبعه، ويذهب وراء المصلحة فلا يستقر، ويطلب اللذة فلا يطمئن. وهنا يأتي حب الإمام الحسين عليه السلام ليمنح الإنسان هدفًا وغاية، ويخرجه من الظلمات والعدم، ويعيده إلى الفطرة والقيم ومعنى الحياة.
حب الإمام الحسين عليه السلام طريق نحو الكرامة والحرية والالتزام والطاعة والمودة لأهل البيت عليهم السلام، لكنه يحتاج إلى تجسيد عملي. فالإنسان، حتى لو كان محبًا للإمام الحسين عليه السلام، إذا لم يجعل لهذا الحب أثرًا في حياته، بقيت محبته بحاجة إلى اكتمال. فالمحب لمن يحب مطيع، والحب الحسيني لا بد أن يظهر في السلوك والموقف وفي طريقة التعامل مع الناس، وفي طهارة المال وفي صدق الكلمة، وفي خدمة المجتمع.
كيف يجسد الإنسان الحسيني حبه؟
أن يتحول هذا الحب إلى نموذج، بأن يكون الخادم الحسيني مثالًا صالحًا لسيرة الإمام الحسين عليه السلام ومنهجه. فالخادم قد يكون طريقًا للهداية حين يرى الناس فيه التواضع والرحمة والأمانة والورع، وقد يضعف أثر خدمته إذا لم ينسجم سلوكه مع قيم الإمام الحسين عليه السلام. ولهذا نحتاج إلى تحول كبير نحو السلوك الحسيني.
ويتجلى هذا التجسيد عبر مسارات عملية:
المسار الاول: الورع والتقوى وترويض النفس
والترويض هنا بناء للذات، وتهذيب لها، وإعدادها حتى تكون متأسية ومهتدية ومقتدية. فالحسيني لا يريد أن يكون إنسانًا عاديًا يعيش لنفسه فقط، بل يريد أن يكون قدوة صالحة. قال الله تعالى:
(وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) البقرة143.
فالرسول صلى الله عليه وآله أسوة للناس، والذين يقتدون برسول الله وأهل البيت عليهم السلام ينبغي أن يكونوا أيضًا أسوة للآخرين. هذا هو المطلوب، وهذه هي الغاية، وهذا هو معنى المحبة في بعدها العملي: أن تتحول إلى ورع وتقوى وترويض للنفس، حتى يصل الإنسان إلى السلوك الحسيني المطلوب.
وقد قال الإمام الصادق عليه السلام:
«كونوا دعاة للناس بغير ألسنتكم؛ ليروا منكم الورع والاجتهاد والصلاة والخير، فإن ذلك داعية»(4).
فالناس يرون النموذج ويتأثرون به. فإذا رأوا إنسانًا صالحًا، صادقًا، عادلًا، تقيًا، ورعًا، مخلصًا في خدمته، بعيدًا عن الحرام، اقتربوا من هذا المنهج. فالناس كثيرًا ما تتعلم من السلوك أكثر مما تتعلم من الخطاب.
هذا هو الإنسان الذي يدعو إلى منهج أهل البيت عليهم السلام، وهذا هو الإنسان الذي يتجسد فيه حب الإمام الحسين عليه السلام. فالمحب الحقيقي هو من يعلّم نفسه اجتناب محارم الله بالورع، ويجتهد بالعمل النافع المستمر للمجتمع، ويكون خادمًا للناس بأعماله وأفعاله، من دون أن ينتظر منهم جزاء أو ثناء؛ لأن هدفه أن يكون مجسدًا لسيرة أهل البيت والإمام الحسين عليهم السلام.
وقد لخّص الإمام الصادق عليه السلام هذا المعنى في زيارة الأربعين بقوله:
«وبذل مهجته فيك ليستنقذ عبادك من الجهالة وحيرة الضلالة».
هذا هو هدف النهضة الحسينية: أن يستنقذ الإمام الحسين عليه السلام عباد الله من الجهالة وحيرة الضلالة. ولذلك فإن الإنسان الحسيني ينبغي أن يكون امتدادًا لهذه الرسالة بقدر طاقته؛ يستنقذ نفسه أولًا، ثم يعمل على هداية أسرته وأبنائه ومحيطه ومجتمعه.
فالإنسان الحسيني لا يعيش لنفسه وحياته الخاصة فقط، بل يحمل هم التربية الاجتماعية. يريد أن يرى المجتمع قائمًا على الإنصاف والعدالة والأمان والأمانة، ويريد أن يتحول إلى منار جاذب يهدي الآخرين إلى الحق.
وقد قال الإمام الصادق عليه السلام:
«كونوا لنا دعاة صامتين».
فسألوه: وكيف ذلك يا ابن رسول الله؟
فقال عليه السلام:
«تعملون بما أمرنا به من طاعة الله، وتنتهون عما نهيناكم عنه من معاصيه، فإذا رأى الناس ما أنتم عليه، علموا فضل ما عندنا، فسارعوا إليه»(5).
أي إن الناس يرون أهل البيت عليهم السلام من خلالكم. أنتم مرآة لمسيرتهم. فإذا اجتنبتم المعاصي، وعملتم بالأحكام الشرعية، والتزمتم بالحلال والحق والعدل والإنصاف، وانتهيتم عن الذنوب، عرف الناس فضل ما عند أهل البيت عليهم السلام، وسارعوا إليه.
هذا هو معنى الحب الحسيني: أن يراك الناس مرآة للإمام الحسين عليه السلام. فالإنسان الحسيني ليس معصومًا، وقد يخطئ، لكنه إذا أخطأ تاب، وإذا قصر أصلح، وإذا ظلم رد الحق، وإذا غفل رجع. وبذلك يكون شاهدًا وقدوة وحجة عملية على صدق هذا الطريق.
إن المجتمع يحتاج إلى القدوات الحسنة؛ فالقدوة مرآة للهداية والبناء والاستقامة والخير والفضائل. ولذلك لا بد أن نشجع على بناء القيم الجميلة في قلوبنا، وفي قلوب الناس، وفي قلوب الحسينيين، خصوصًا في أيام عاشوراء، وفي كل أيام السنة. ففي عاشوراء يرى الناس محاسن أهل البيت عليهم السلام وفضائلهم، ويكون هذا الطريق طريقًا للهداية والاسترشاد بنهج الخير.
المسار الثاني: محاسبة النفس اليومية
فالإنسان الحسيني المحب للإمام الحسين عليه السلام لا ينتظر الناس أن يحاسبوه، بل هو يحاسب نفسه قبل يحاسبوه، ويقيّمها قبل ان يقيموه. فعن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال:
«حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا»(6).
فإذا خدم الإنسان الإمام الحسين عليه السلام في موكب أو منبر أو مجلس أو عمل اجتماعي، رجع في آخر اليوم إلى نفسه وسألها: ماذا فعلت اليوم؟ هل أخطأت بحق أحد؟ هل قصرت في خدمة الناس؟ هل حفظت حرمة الإمام الحسين عليه السلام في سلوكي؟ هل كان عملي خالصًا لله؟ هل كان كلامي طيبًا؟ هل كنت رحيمًا ولينًا؟ هل كان ما فعلته يليق بقيمة الإمام الحسين عليه السلام؟
وحتى يصدق على الإنسان أنه خادم للإمام الحسين عليه السلام أو محب له، لا بد أن يزن نفسه. فالإنسان الواعي لا يترك للناس أن يجدوا عليه مأخذًا، ولا ينتظر أن يأتي الآخرون ليكشفوا عيوبه، لا بمعنى التعجرف أو التكبر، بل بمعنى أنه يرمم نفسه دائمًا ويعالج أخطاءه ويصلح عيوبه، ويتوب إلى الله سبحانه وتعالى، ويفهم ما صدر منه تجاه الناس.
وعن الإمام الكاظم عليه السلام أنه قال:
«ليس منا من لم يحاسب نفسه في كل يوم؛ فإن عمل خيرًا استزاد الله وحمد الله عليه، وإن عمل شرًا استغفر الله منه وتاب إليه»(7).
هذا الحديث يرسم منهجًا يوميًا. ينظر الإنسان كل يوم إلى الخير الذي فعله، فإذا وجده قليلًا طلب الزيادة، وإذا وجد شرًا أو تقصيرًا استغفر الله منه وتاب إليه، ثم تجاوز ذلك بإصلاح عملي حتى لا يكرره. هذه هي محاسبة النفس، وهي معنى أساسي في شخصية الإنسان الحسيني.
وعن الإمام علي عليه السلام أنه قال:
« مَنْ نَصَبَ نَفْسَهُ لِلنَّاسِ إِمَاماً فَلْيَبْدَأْ بِتَعْلِيمِ نَفْسِهِ قَبْلَ تَعْلِيمِ غَيْرِهِ وَلْيَكُنْ تَأْدِيبُهُ بِسِيرَتِهِ قَبْلَ تَأْدِيبِهِ بِلِسَانِهِ وَمُعَلِّمُ نَفْسِهِ وَمُؤَدِّبُهَا أَحَقُّ بِالْإِجْلَالِ مِنْ مُعَلِّمِ النَّاسِ وَمُؤَدِّبِهِمْ»(8).
فالإنسان الذي يدعي أنه محب للإمام الحسين عليه السلام، وأنه خادم وحسيني، لا بد أن يكون نموذجًا. الناس ينظرون إلى سلوكه وكلامه وطريقته وأسلوبه وسيرته. فلا بد أن يؤدب نفسه قبل أن يؤدب الناس، ولا بد أن يصلح سيرته قبل أن يتكلم؛ لأن الناس يعرفون أثر الصدق في السلوك، ويرون التناقض حين يكون الكلام في جهة والعمل في جهة أخرى.
لذلك، إذا جعل الإنسان نفسه حسينيًا، فعليه أن يبدأ أولًا بتأديب نفسه وتصحيح سيرته. ومن أهم ما يساعده على ذلك حضور مجالس العلم والتزكية والتقوى، حتى يستفيد ويتعلم، ويعرف كيف يعيش وكيف يسير وكيف يكون خادمًا للإمام الحسين عليه السلام. فكيف يكون خادمًا للإمام الحسين عليه السلام وهو لا يحضر المجالس الحسينية؟ إن المجالس الحسينية مجالس للتربية والتأديب والتعليم والمعرفة، ولا بد للإنسان أن يستزيد منها دائمًا.
فإذا لم يستطع الحضور المباشر، فليستمع إلى المجالس والمحاضرات عبر الوسائل التكنولوجية المتاحة، وإن كان الحضور المباشر إلى المجالس أكثر أثرًا في المعنوية، وأكثر حضورًا للقلب. وبذلك يؤدب الإنسان نفسه، ويصبح ذا فضل عظيم، وأحق بالإجلال. هذا هو القدوة الحقيقية، والمحب الحسيني الحقيقي.
المسار الثالث: تحمل المسؤولية والوظيفة الشرعية
الإنسان الحسيني يعيش حالة المسؤولية، لا يفر منها، ولا يقول: لا علاقة لي، ولا يقول: لا شأن لي، ولا ينعزل عن المجتمع بحجة أن المشكلات لا تخصه. فالإنسان الذي يتحمل المسؤولية يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويقضي حوائج الناس، ويتألم لآلامهم، ولا يعيش حالة الأنانية.
وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله:
«من أصبح ولم يهتم بأمور المسلمين فليس بمسلم»(9).
المسلم الحقيقي يهتم بأمور المسلمين وشؤونهم. وكثير من المشكلات الموجودة في مجتمعاتنا تعود إلى اللامبالاة والفردية والأنانية والانعزال عن المجتمع، وضعف تحمل المسؤولية الاجتماعية. فإذا ضعف الإحساس بالمسؤولية ضعفت روابط المجتمع، وإذا قوي الإحساس بالمسؤولية نشأ مجتمع متماسك يعيش الأمن الأخلاقي والأمن الاجتماعي.
والإنسان الحسيني أكثر الناس مطالبة بتحمل المسؤولية. فالإمام الحسين عليه السلام خرج لأنه شعر بالواجب الالهي والمسؤولية الشرعية، وبضرورة نصرة الحق والوقوف أمام الظلم. وفي طريقه إلى كربلاء قال:
«ألا ترون أن الحق لا يعمل به، وأن الباطل لا يتناهى عنه؟ ليرغب المؤمن في لقاء الله محقًا»(10).
وهذا هو الإنسان المسؤول؛ يرى أن الحق لا يعمل به فيتحرك لإحيائه، ويرى أن الباطل لا يتناهى عنه فيسعى إلى إصلاح الواقع بما يقدر عليه. يحمل الحق ويناضل من أجله، ولا يقبل أن يستحوذ الباطل على المجتمع. وهذه المسؤولية لا تعني الانفعال أو الفوضى، بل تعني الوعي والحكمة والموقف الأخلاقي والعمل الصالح.
إشكاليات التناقض بين الحب والسلوك
من أخطر الآفات التي تصيب مجتمعاتنا هي "الازدواجية السلوكية"، حيث يتحول الدين إلى شعار خارجي بينما تحكم المصلحة الأنانية عمق التعاملات اليومية. لذلك لابد انسجام المحبة مع السلوك. فالمحبة إذا اكتملت ظهرت في العمل، وإذا بقيت حبيسة اللسان لم تؤد دورها التربوي الكامل.
وقد كشف الإمام الحسين عليه السلام طبيعة التدين الذي لم يكتمل في القلب فقال:
«الناس عبيد الدنيا، والدين لعق على ألسنتهم، يحوطونه ما درّت معايشهم، فإذا مُحّصوا بالبلاء قلّ الديانون»(11).
هذه الكلمة ليست للتشاؤم من الناس، بل للتنبيه إلى ضرورة أن يتحول الدين إلى حقيقة في النفس. فالإنسان قد يتكلم باسم الدين، لكنه يحتاج إلى اختبار يومي في الصدق والأمانة والعدل، والإنصاف وطهارة المال وخدمة الناس. فإذا بقي الدين شعارًا خارجيًا، وتقدمت المصالح الذاتية على القيم، ضعفت الشخصية وابتعدت عن روح الإمام الحسين عليه السلام.
ومن مظاهر هذا التناقض والازدواجية بين الحب والسلوك:
1- الانسلاخ من الإنسانية والأخلاق: حيث يحول التفكير المصلحي الإنسان إلى انتهازي يبرر وسائله السيئة "الغاية تبرر الوسيلة"، مما يسلب الأخلاقيات السوية. وذلك بأن يجعل المصلحة الشخصية ميزانًا لأفعاله. قد يظهر بمظهر الخدمة، لكنه يعمل مع الفاسدين، أو يبرر الظلم، أو يتعاون مع أهل الحرام، أو يجعل الدين وسيلة إلى السلطة أو المنصب أو المال أو الوجاهة. وهذا يضعف أثر الدين في المجتمع، ويشوه صورة الانتماء إلى أهل البيت عليهم السلام.
الإمام الحسين عليه السلام كان هدفه تثبيت قضية الحق والعدالة؛ فلا يوجد في منهجه تبرير للظلم، ولا مساومة على حقوق الناس، ولا قبول بالباطل حين يكون واضحًا. لذلك فإن الإنسان الحسيني يحتاج إلى صفاء في المبدأ، واستقامة في الطريق، وصدق في العمل.
2- السقوط في مستنقع المال الحرام والفساد: إن التكالب على الدنيا يدفع الإنسان لسرقة المال العام والرشوة والاعتداء على الحقوق. والمال الحرام يدمر كل قيمة معنوية ويورث الإنسان شعوراً داخلياً بالحقارة والدونية والرق المؤبد للشهوات.
فالمال الحرام يترك أثرًا عميقًا في القلب، يزيد القسوة ويضعف البصيرة، ويجعل الإنسان أقل قابلية للنصيحة. وقد نبه الإمام الحسين عليه السلام جيش ابن سعد يوم عاشوراء بكلمته العظيمة:
"ويلكم ما عليكم أن تنصتوا إلي فتسمعوا قولي، وإنما أدعوكم إلى سبيل الرشاد، فمن أطاعني كان من المرشدين، ومن عصاني كان من المهلكين، وكلكم عاص لأمري غير مستمع قولي، فقد ملئت بطونكم من الحرام، وطبع على قلوبكم، ويلكم ألا تنصتون؟ ألا تسمعون؟"(12).
فالمال الحرام يحجب القلب، ويجعله بعيدًا عن الاستماع للحق. لذلك لا بد أن يكون الإنسان الحسيني حريصًا على الحلال؛ يأكل ويكسب الحلال، ويرد الحقوق، ويتجنب الرشوة وسرقة المال العام، وعدم الاعتداء على حقوق الناس وحقوق الجيران وحق الشارع وحق المجتمع.
وقد قال أمير المؤمنين عليه السلام:
«عَبْدُ الشَّهْوَةِ أَسِيرٌ لَا يُفَكُّ أَسْرُهُ، مَغْلُوبُ الْهَوَى دَائِمُ الشَّقَاءِ مُؤَبَّدُ الرِّقِّ»(13).
فالإنسان حين يخضع للشهوة والطمع يصبح أسيرًا من الداخل. وقد يظن أنه حر، لكنه محبوس في نزواته ومطامعه. أما الإنسان الحسيني فيتعلم من الإمام الحسين عليه السلام أن الحرية تبدأ من القلب؛ أن يتحرر من عبودية المال الحرام، ومن عبودية الشهوة، ومن عبودية الخوف، ومن عبودية المنصب والوجاهة.
إن الذي يأكل المال الحرام لا يشبع؛ لأن الحرام يتحول إلى نار في القلب. يقول القرآن الكريم في شأن من يأكلون أموال الناس بالباطل إنهم يأكلون في بطونهم نارًا. فالمال الحرام لا يملأ النفس بالطمأنينة، بل يزيدها اضطرابًا، وقد يخسر الإنسان به الدنيا والآخرة.
(إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا) النساء/10.
فالإنسان الحسيني يزيل هذه الفجوة من حياته، ويجعل حبه وسلوكه في خط واحد. يحاسب نفسه، ويتورع عن الحرام، ويجتنب الشهوات التي تهلكه، ولا يسمح لحب الدنيا أن يلهيه عن الآخرة، ويرى أن سلوكه ينبغي أن يتناسب مع القيم الحسينية، وأن يكون مستقيمًا في طريق الله سبحانه وتعالى.
صناعة النموذج الحسيني
بعد أن نفهم الحب الحسيني، ونعرف أهمية انسجامه مع السلوك، نأتي إلى سؤال مهم: كيف يصنع الإنسان من نفسه نموذجًا لقيم الإمام الحسين عليه السلام؟
إن صناعة النموذج تعني التأثير الإيجابي في المجتمع، وصناعة مجتمع صالح، وبناء الحياة على الفضائل. كما قال الإمام الصادق عليه السلام:
«ليروا منكم الورع والتقوى والاجتهاد والخير».
ومن خلال صناعة النموذج نبني مجتمعًا فاضلًا. وهذا هو المطلوب من القضية الحسينية: أن يتحول الحب الحسيني إلى سلوك صالح، وأن يتحول السلوك الصالح إلى نموذج، وأن يصبح هذا النموذج قدوة وأسوة، وأن تكون القدوة طريقًا لهداية المجتمع إلى الخير والصلاح والفضائل.
ويمكن تحقيق ذلك عبر الخطوات التالية:
1- تبدأ صناعة النموذج من البيت: فالتربية الأسرية القائمة على الكرامة والاحترام هي الأساس الأول. فالبيت الحسيني هو البيت الذي يتعلم فيه الطفل العزة لا الإهانة، والاحترام لا القسوة، والحوار لا العنف. والعنف الأسري، سواء كان جسديًا أو لفظيًا أو معنويًا، يترك في داخل الطفل آثارًا عميقة، قد يعلمه الخضوع والذل والخوف. أما التربية القائمة على الإقناع والحوار اللطيف واللين، فإنها تبني شخصية كريمة قادرة على تحمل المسؤولية.
فإهانة الطفل بالعنف تضعف روحه، وقد تجعله في شبابه أكثر استعدادًا للخضوع أمام الطغاة. أما الطفل الذي يتربى على الكرامة فيتعلم كيف يكون حرًا، ويتعلم أن يحترم نفسه ويحترم الآخرين، وأن الطاعة لا تعني الذل، وأن الأدب لا يعني كسر الشخصية، وأن القوة الحقيقية تكون في ضبط النفس والتمسك بالحق.
2. اعتماد قوة المنطق لا منطق القوة: يترسخ النموذج الحسيني باعتماد الحوار الهادئ الرصين المستند إلى الحجة والاستدلال والابتعاد الكامل عن الصدام والجدل العقيم.
فالحسيني لا يحتاج إلى العنف لكي يثبت رأيه، ولا يجعل الغضب طريقًا لإقناع الآخرين. فالمنهج الحسيني يعطي الإنسان قوة داخلية تجعله قادرًا على الكلام الهادئ، والموقف الواضح، والسلوك الكريم.
3. الالتزام المطلق بالمال الحلال: تربية الأبناء والقناعة بالرزق الحلال، فالحسيني يعلم أن الرزق الحلال هو أساس بناء جيل صالح شجاع يحمل ملكة التقوى، بينما المال الحرام ينتج مجرماً ظالما. فإذا أكل الأبناء من الحلال نشأت في نفوسهم قابلية للتقوى، أما المال الحرام فيفسد القلب والبيت والمجتمع.
رُوي أنّ رجلاً قال لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا رسول الله، أُحبّ أن يُستجاب دعائي. فقال صلى الله عليه وآله وسلم: "طَهِّر مَأكَلتَكَ ولا تُدخِل بَطنَكَ الحرامَ"(14).
طهارة المأكل طريق إلى طهارة القلب. ومن أراد أن يستجاب دعاؤه، وأن يصفو قلبه، وأن يكون بيته بيتًا حسينيًا، فليبدأ من الحلال. الحلال قد يكون قليلًا لكنه مبارك، والحرام قد يكون كثيرًا لكنه يفسد البركة. لذلك يربي الإنسان الحسيني أبناءه على القناعةلاوالكفاف والعفاف، وعلى أن الرزق الحلال هو أساس الشجاعة والكرامة والتقوى.
أخلاقيات الشخصية الحسينية
الأخلاق في الفكر الحسيني هي الترجمة السلوكية الحية للإيمان والوعي. فالإنسان الحسيني لا يظهر فقط في المجلس أو الزيارة أو الموكب، بل يظهر في بيته وعمله وفي الشارع وفي طريقة كلامه وفي تعامله مع زوجته وأبنائه وجيرانه وزملائه، وفي استخدامه للمال وفي موقفه من الضعفاء وفي قدرته على الإنصاف.
من أبرز هذه الأخلاقيات:
1- اللين والرحمة ونبذ العنف. فالإنسان الحسيني يتعامل مع المحيطين به برفق ولين، اقتداءً بسيرة أهل البيت عليهم السلام، وامتثالًا للمنهج القرآني الذي يربط القيادة بالرحمة وحسن التعامل. وقد قال النبي صلى الله عليه وآله:
«ما من عمل أحب إلى الله تعالى وإلى رسوله من الإيمان بالله والرفق بعباده، وما من عمل أبغض إلى الله تعالى من الإشراك بالله تعالى، والعنف على عباده»(15).
الرفق قوة واللين حكمة، والرحمة ليست ضعفًا بل قدرة على ضبط النفس وفهم الناس ومداواة القلوب. ولذلك فإن الحسيني يكون رفيقًا في بيته، رحيمًا في مجتمعه، لطيفًا في خطابه، واضحًا في موقفه، ثابتًا في الحق.
2- الإنصاف والعدالة الصادقة. فالإنسان الحسيني ينصف نفسه والآخرين، ويعترف بالخطأ إذا أخطأ، ويقدم الحق العام على مصالحه الخاصة، ولا يطالب الناس بما لا يلتزم به، ولا يعيب الآخرين بعيب لم يجتهد في إصلاحه في نفسه.
قال الإمام الصادق عليه السلام:
«اتقوا الله واعدلوا، فإنكم تعيبون على قوم لا يعدلون»(16).
وقال النبي صلى الله عليه وآله:
«ثلاث خصال من كن فيه أو واحدة منهن كان في ظل عرش الله يوم لا ظل إلا ظله: رجل أعطى الناس من نفسه ما هو سائلهم، ورجل لم يقدم رجلًا ولم يؤخر رجلًا حتى يعلم أن ذلك لله رضًا، ورجل لم يعب أخاه المسلم بعيب حتى ينفي ذلك العيب عن نفسه، فإنه لا ينفي منها عيبًا إلا بدا له عيب، وكفى بالمرء شغلًا بنفسه عن الناس»(17).
هذا الحديث يفتح طريقًا كبيرًا في تهذيب النفس: أن يعطي الإنسان الناس من نفسه ما يطلبه منهم، وأن لا يقدم ولا يؤخر إلا بعد أن يعرف رضا الله، وأن ينشغل بإصلاح نفسه قبل أن ينشغل بعيوب الآخرين. وهذه من أعظم صفات الإنسان الحسيني، لأنه يتعامل مع الآخرين بعدل، ويتعامل مع نفسه بوعي ومحاسبة.
3- الكلمة الطيبة. فالإنسان الحسيني منتج للطيب في القول والفعل، يزن كلماته بدقة، ويعرف أن الكلمة قد تبني وقد تهدم، وقد تهدي وقد تضلل، وقد تجمع وقد تفرق. قال الله تعالى:
(أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ) إبراهيم 24.
يرفض الإنسان الحسيني الكلمة الخبيثة، القائمة على التهمة والنميمة ونشر التضليل، وفي زمن الشائعات الرقمية تصبح هذه الأخلاق أكثر أهمية؛ فلا ينساق الإنسان وراء كل ما يسمع، ولا ينشر كل ما يصله، ولا يجعل هاتفه أداة للفتنة أو الإساءة، بل يجعل الكلمة طريقًا للحق والوعي والإصلاح وخدمة الناس.
عناصر الشخصية الحسينية
تتكامل الشخصية الحسينية عبر عناصر رئيسية تجلت في أسمى صورها في ملحمة عاشوراء. وهذه العناصر ليست مفاهيم نظرية، بل أخلاق عملية تبني الإنسان وتجعله أقرب إلى الإمام الحسين عليه السلام.
1- الشجاعة المعنوية والمبدئية: فالشجاعة ليست قوة جسدية فقط، وليست تهورًا، وليست اندفاعًا بلا عقل، بل هي ملكة نفسية وسلطان على الذات، وقدرة على ضبط الانفعالات، والثبات على المبادئ، وقول كلمة الحق. يقول أمير المؤمنين عليه السلام:
«أقوى الناس أعظمهم سلطانًا على نفسه»(18).
الشجاع الحقيقي هو الصادق الذي لا يخاف قول الحق، ولا يخاف إلا الله سبحانه وتعالى، ولا يبيع موقفه، ولا يساوم على قيمه، ولا يسمح للخوف أن يجعله شاهدًا صامتًا على الظلم. والشجاعة تبدأ من الداخل؛ فإذا انتصر الإنسان على شهوته وخوفه وطمعه، أصبح قادرًا على نصرة الحق في الخارج.
2- التضحية والعطاء: فالحسين عليه السلام علّم البشرية معنى السمو عن الذات، والارتقاء فوق عبودية المادة. وقد قال الإمام الصادق عليه السلام في زيارة الأربعين واصفًا تضحية جده الإمام الحسين عليه السلام:
«وبذل مهجته فيك ليستنقذ عبادك من الجهالة وحيرة الضلالة».
التضحية الحسينية ليست مجرد بذل في لحظة تاريخية، بل هي منهج مستمر؛ أن يقدم الإنسان من وقته وماله وجهده وراحته لخدمة الحق والناس، وأن يخرج من ضيق الذات إلى سعة الرسالة. ومن الأمثلة العظيمة في التضحية تضحية أمير المؤمنين علي عليه السلام حين بات في فراش النبي صلى الله عليه وآله ليلة الهجرة ابتغاء مرضاة الله سبحانه وتعالى. قال تعالى:
(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ) البقرة 207.
3- نفاذ البصيرة والوعي العميق: فالبصيرة إدراك داخلي يتجاوز عالم الحواس والماديات الفانية. إنها أن يعرف الإنسان الحق ولو اختلطت الأصوات، وأن يميز الصادق من الزائف، وأن لا ينخدع بالشعارات إذا خالفت القيم. ومثالها الخالد أبو الفضل العباس عليه السلام، الذي وصفه الإمام الصادق عليه السلام بقوله:
«كان عمنا العباس بن علي نافذ البصيرة، صلب الإيمان جاهد مع أبي عبد الله (عليه السلام) وأبلى بلاء حسنا ومضى شهيدا»(19).
نفاذ البصيرة يعني أن يكون القلب مضيئًا بالإيمان، يرى طريقه بوضوح، لا يميل مع المصالح، ولا يتردد عند الموقف، ولا تغريه الدنيا عن الوفاء للإمام والحق.
4- الصبر العظيم والتسليم لله سبحانه وتعالى: الصبر الحسيني طاقة إرادة قوية، وانضباط، ويقين صلب في مواجهة الشدائد. إنه ليس سكونًا ولا عجزًا، بل قوة داخلية تمنع الإنسان من الانهيار. الصابر يثبت في طريق الحق، ويعرف أن البلاء جزء من طريق التكامل، وأن الله سبحانه وتعالى لا يضيع أجر المحسنين.
5- الوفاء والحرية: الوفاء للعهود والمبادئ، والعيش بروح حرة ترفض الذل والاستعباد. والحرية تبدأ من الداخل؛ فالإنسان لا يكون حرًا حقًا إذا كان عبدًا لشهواته وطمعه. وقد قال أمير المؤمنين عليه السلام: «لا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حرًا»(20).
حسابات الأحرار لا توزن بالمكاسب الدنيوية، بل برضا الله والجنة. فالإنسان الذي يبيع نفسه ومبادئه لأجل حطام الدنيا يبيع نفسه بثمن بخس، وقيمة الإنسان الحقيقية هي الجنة. ومن عرف هذه القيمة لم يسمح للدنيا أن تشتريه، ولم يجعل الخوف أو الطمع يقودانه بعيدًا عن الحق.
توصيات عملية للشخصية الحسينية
لكي تتحول مدرسة عاشوراء إلى منهج حياة مستدام، يحتاج الفرد الحسيني إلى توصيات عملية يعيشها في كل يوم، ويحوّلها إلى برنامج في نفسه وبيته ومجتمعه.
أولًا: تربية النفس على الشجاعة ورفض ثقافة الخوف. لا يخاف الإنسان إلا من الله سبحانه وتعالى. فالخوف من انقطاع الرزق، أو الخوف من الظالمين، أو الخوف من كلام الناس، قد يورث الجبن والنفاق والحياد السلبي. وقد قال الإمام الصادق عليه السلام: «مَنْ خَافَ اللَّهَ، أَخَافَ اللَّهُ مِنْهُ كُلَّ شَيْءٍ؛ وَمَنْ لَمْ يَخَفِ اللَّهَ، أَخَافَهُ اللَّهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ»(21).
فالخوف من الله يحرر الإنسان من الخوف من الناس. ومن امتلأ قلبه بالله سبحانه وتعالى أصبح أكثر ثباتًا. وهذا لا يعني أن يكون الإنسان متهورًا، بل أن يكون شجاعًا حكيمًا، يعرف متى يتكلم، وكيف يتكلم، وأين يقف، وكيف ينصر الحق بوعي ومسؤولية.
ثانيًا: مكافحة الغلو الاستهلاكي والإسراف. فالعالم اليوم يدفع الإنسان إلى الاستهلاك المفرط، وإلى جعل الرفاهية هدفًا مطلقًا. أما الإنسان الحسيني فيربي نفسه على الترشيد والاعتدال، ويتعامل مع العيش المادي بوصفه وسيلة للحياة الشريفة الصالحة، لا بوصفه الغاية النهائية من الوجود.
وقد ورد في وصايا أمير المؤمنين عليه السلام:
«وَاعْلَمْ يَقِيناً أَنَّكَ لَنْ تَبْلُغَ أَمَلَكَ وَلَنْ تَعْدُوَ أَجَلَكَ وَأَنَّكَ فِي سَبِيلِ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ فَخَفِّضْ فِي الطَّلَبِ وَأَجْمِلْ فِي الْمُكْتَسَبِ فَإِنَّهُ رُبَّ طَلَبٍ قَدْ جَرَّ إِلَى حَرَبٍ»(22).
هذه الوصية تبني في الإنسان قناعة وهدوءًا. فهو لن يبلغ كل أمله، ولن يتجاوز أجله. فلماذا يحرق نفسه في طلب الدنيا؟ ولماذا يذهب إلى الحرام؟ ولماذا يبيع راحته وكرامته لأجل مكاسب زائلة؟ الحسيني يطلب الرزق، لكنه يجمل في الطلب، ويعمل، لكنه لا يعبد العمل، ويكتسب، لكنه لا يبيع دينه من أجل الكسب.
ثالثًا: ترك اللامبالاة في مواجهة الباطل. فالهروب من اتخاذ الموقف المبدئي، والوقوف في منطقة لا تنصر الحق ولا تمنع الباطل، يضعف المجتمع، ويفتح المجال لتسلط الفاسدين. وقد ورد عن الإمام علي عليه السلام في شأن من لم يقوموا بالموقف المطلوب:
«إن سعيدًا وعبد الله بن عمر لم ينصرا الحق ولم يخذلا الباطل»(23).
الإنسان الحسيني لا يكون سلبيًا، ولا يقف بعيدًا حين يحتاج الحق إلى نصرة، ولا يترك المجتمع للفاسدين، لكنه يتحرك بحكمة، ووعي، وإنصاف، وبالطريقة التي تحفظ القيم وتحقق الإصلاح.
رابعًا: بناء البيت على الكرامة والاحترام. فالبيت الحسيني لا يقوم على الإهانة، ولا يقوم على العنف، ولا يقوم على كسر شخصية الطفل أو إذلال الزوجة، بل يقوم على الرحمة، والحوار، واللين، والتربية على الحلال، والصدق، والوفاء، والشجاعة. فإذا صلح البيت صلح المجتمع.
خامسًا: جعل الكلمة أمانة. فالإنسان الحسيني لا يقول كل ما يسمع، ولا ينشر كل ما يصل إليه، ولا يحول المنابر أو المجالس أو وسائل التواصل إلى ساحات للتهمة والشائعة. الكلمة عنده مسؤولية، والكلمة الطيبة عنده جزء من العبادة.
سادسًا: تجديد العهد بالمحاسبة اليومية. فكل يوم فرصة للتوبة، وكل مجلس فرصة للتزكية، وكل خدمة فرصة للتواضع، وكل زيارة فرصة للمعرفة، وكل دمعة فرصة لتليين القلب. وهكذا تصبح عاشوراء منهجًا دائمًا لا موسمًا محدودًا.
خاتمة
إن نهج الإمام الحسين عليه السلام بناء للمجتمع الذي تترسخ فيه الفضائل وترتقي. ومن خلال صناعة النموذج الحسيني نستطيع أن نبني مجتمعًا فاضلًا. وهذا هو المعنى العميق لهذه القضية: أن يتحول الحب الحسيني إلى وعي، وأن يتحول الوعي إلى سلوك، وأن يتحول السلوك إلى نموذج، وأن يتحول النموذج إلى قدوة وأسوة، ثم تصبح هذه القدوة طريقًا لهداية المجتمع إلى الخير والصلاح والفضائل.
الإنسان الحسيني هو الذي يحمل الإمام الحسين عليه السلام في قلبه، ويترجم هذا الحمل في حياته؛ يحب بصدق، ويبكي بصدق، ويخدم بصدق، ويزور بصدق، ويعمل بصدق، ويتوب إذا أخطأ، ويتورع عن الحرام، وينصر الحق، ويرحم الناس، ويربي أسرته على الكرامة، ويحاسب نفسه، ويطلب الحلال، ويزن كلمته، ويتحمل مسؤوليته، ويرى في عاشوراء مدرسة مستمرة لصناعة الإنسان.
إن الشعائر الحسينية نعمة عظيمة، والعاطفة الحسينية طاقة إيمانية كبيرة، والدمعة على الإمام الحسين عليه السلام باب من أبواب تليين القلب. ولكن هذه النعمة تحتاج إلى رعاية بالمعرفة والعمل، حتى تؤتي ثمارها في السلوك والمجتمع. فإذا أصبحت الشعيرة تربية، والدمعة بصيرة، والخدمة أخلاقًا، والمحبة طاعة، تحقق معنى الحسيني في الإنسان.
وفي الختام، نسأل الله سبحانه وتعالى، ونتوسل إليه بحق الإمام الحسين عليه السلام، وأبي الفضل العباس عليه السلام، أن يجعلنا من الموالين والمحبين الحقيقيين، وأن يوفقنا لأن نكون من السالكين لنهج الإمام الحسين عليه السلام، وأن يجعل قلوبنا لينة بذكره، وأعمالنا صادقة في خدمته، وسلوكنا شاهدًا على محبته، إنه سميع مجيب.
* هذه المقالة في الاساس هي محاضرة بثت على قناة المهدي الفضائية
.........................................
(1) مسند الإمام أحمد بن حنبل، ج ٤، الإمام أحمد بن حنبل، ص ١٧٢.
(2) بحار الأنوار، ج ٩٨، العلامة المجلسي، ص ٤.
(3) وسائل الشيعة (الإسلامية)، ج ١٠، الحر العاملي، ص ٣٨٨.
(4) الكافي (دار الحديث)، ج ٣، الشيخ الكليني، ص ٢٠٢.
(5) شرح الأخبار، ج ٣، القاضي النعمان المغربي، ص ٥٠٦.
(6) الفقه، السلم والسلام، السيد محمد الحسيني الشيرازي، ص ٤٧٦.
(7) الاختصاص، الشيخ المفيد، ص ٢٤٣.
(8) نهج البلاغة، الحكمة رقم: 73.
(9) الأخلاق، السيد عبد الله شبر، ص ١٠٧.
(10) مقتل الحسين (ع)، أبو مخنف الأزدي، ص ٨٦.
(11) بحار الأنوار، ج ٧٥، العلامة المجلسي، ص ١١٧.
(12) موسوعة الكلمة، ج ٨، السيد حسن الحسيني الشيرازي، ص ٢٢٦.
(13) غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٧٠٩.
(14) وسائل الشيعة (آل البيت)، ج ٧، الحر العاملي، ص ١٤٥.
(15) بحار الأنوار، ج ٧٢، العلامة المجلسي، ص ٥٤.
(16) من فقه الزهراء (ع)، ج ٥، السيد محمد الحسيني الشيرازي، ص ٤٩.
(17) الخصال، الشيخ الصدوق، ص ٨٠.
(18) غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٢٠٤.
(19) مقتل الحسين (ع)، أبو مخنف الأزدي، ص ١٧٦
(20) نهج البلاغة، الكتاب (وصية) رقم: 31.
(21) الكافي (دار الحديث)، ج ٣، الشيخ الكليني، ص ١٧٥.
(22) نهج البلاغة، الكتاب (وصية) رقم: 31.
(23) نهج البلاغة، الحكمة رقم: 262.