ترميم الآدمية: قراءة أخلاقية في ثورة الحرية الحسينية
عزيز ملا هذال
2026-06-24 08:18
كثيرة هي خسارات الانسان التي يتعرض لها، ومن هذه الخسائر ما يمكن تعويضه ومنها ما يستحيل، ومن الأمور التي لا تعوض ان فقدها الانسان هي حريته وكرامته، وهذا ما دفع الحسين بن علي (عليهما السلام) للثروة بوجه الحاكمين لإيقافهم عند حدودهم وعدم تركهم يصادرون حرية أبناء المجتمع ومصادرة كرامتهم، وتحمل ما تحمل لأجل ادامة حرية الانسان، فماهي أوجه طلب الحرية في ثورة كربلاء؟، وماهي أوجه الإفادة منها؟
تتمحور الحرية في فكر الإمام الحسين (عليه السلام) حول تحرير الإنسان من كل القيود المادية والروحية، ورفض الظلم والاستبداد، اذ اعتبر الإمام أن الكرامة الإنسانية أساسها العقل والإرادة، ووضع فلسفة شاملة للحرية تتجاوز الانتماءات والألوان التي تلون البشر، فلم تكون ثورته من اجل حماية نفسه وعائلته واهل بيته وا تباعه بل أراد ان حمي البشرية بأجمعها.
وتمثل الحرية في فكر الإمام الحسين (عليه السلام) الأساس الجوهري لنهضته المباركة، ولم تكن مجرد شعار سياسي عابر أو حدثاً محدوداً في مسار التاريخ الإنساني، بل هي منظومة فكرية شاملة تسعى إلى تحرير الإنسان من قيود الذل والجهل والاستعباد بكل أشكاله، لكن هل طبقه نهجه بالنسبة للكثير من اتباعه؟، ام ركنت هذه المبادئ وبقي الكثير منا يقبع تحت تأثير الظلم والقهر والحرمان من الاقران ومن السلطات الجائرة التي تتحكم بقدراتنا بدون وجهة عدل ولا حق.
فالأنظمة المستبدة والطغاة يعملون باستمرار على تضليل الشعوب وتشويه الحقائق لفرض سيطرتهم بسهولة، أما الحرية الحسينية فتدعو إلى تحطيم قيود الخداع، والتصدي للتبعية العمياء، والسعي نحو نور الوعي والحقيقة، بمعنى ان الحسين عليه السلام يريد للناس ان يبصروا طريقهم ويعرفوا الى اين هم ذاهبين ولا يكونوا تابعين تعبية بهيمية تجرهم الى الهاوية والهلاك وغياب أحد اهم جوانب الإنسانية وهو جانب الحرية.
ومما يجب الشارة اليه هو الترابط الوثيق بين الحرية والكرامة الإنسانية في الفكر الحسيني، ولا يمكن الفصل بين الحرية والكرامة، اذ ان الإنسان بلا حرية هو إنسان مسلوب الكرامة، والإنسان بلا كرامة لا يمكنه ممارسة حريته، وهذه الثنائية هي من تحفظ للإنسان شخصيته وتجعله مصان مهيوب اذما حافظ عليها اما العكس فيعني انه فاقد لخصيصة مهمة من خصائص الادمي.
أوجه طلب الحرية في ثورة كربلاء والأثر المستفاد منه:
من اهم السلوكيات التي سلكها الحسين من اجل الحرية للإنسان هي دعوتنا إلى التحرر الفطري تتجلى في عبارته الشهيرة: "إن لم يكن لكم دين ولم تخشوا المعاد، فكونوا أحراراً في دنياكم"، وهذه العبارة العظيمة أسست للحرية كقيمة إنسانية عالمية لا تنفصم، فماذا نتجاهلها ونختار العبودية الدنيوية المتمثلة بموافقة اهواء أنفسنا واتباع الحكام الفاسدين وعدم الوقوف بوجههم وغير ذلك من مصاديق غياب حرية الانسان في عصرنا الحالي.
كما دعانا الى التحرر من عبودية الدنيا، ويتمثل هذا في الإدراك بأن التعلق المفرط بالأمور الدنيوية يعد قيداً يحد من حرية الإنسان وينقص من كرامته، وقد ورد ذلك بوضوح في العبارة التي تصف حال الناس بأنهم عبيد للدنيا، حيث الدين لا يتجاوز كونه كلمات سطحية على ألسنتهم، وما يجب هو التطبيق الفعلي للدين عبر سلوكياتنا اليومية.
واراد منا الحسين عليه السلام ان نحفظ كرامتنا ونطهر ذواتنا، فالحرية في فكر الحسين هي امتلاك القدرة على اتخاذ القرار الصحيح، وترويض النفس لتنتصر على قيود الخوف والطمع، وهو ما تجلى في قبوله توبة الحر بن يزيد الرياحي وتكريمه له بقوله: "أنت حر في الدنيا وسعيد في الآخرة".
تأسيساً على ما تقّم يبقى التحدي الأكبر أمام أتباع النهج الحسيني اليوم هو تحويل الفكرة إلى سلوك والشعار إلى واقع معاش، فالانتماء الحقيقي للحسين عليه السلام لا يتحقق بالخنوع لظلم الأقران أو جور السلطات، بل بامتلاك شجاعة الموقف ونور الوعي ليحيا حياة كريمة.