عاشوراء بين منطق السلطة وأخلاق الإصلاح
شبكة النبأ
2026-06-24 08:03
في التاريخ لحظات لا تتوقف عند حدود زمنها، ولا تنتهي بانتهاء الأشخاص الذين صنعوها، لأنها تتحول إلى معيار أخلاقي يُقاس به ما يأتي بعدها من أحداث وتجارب ومواقف. وكربلاء واحدة من تلك اللحظات النادرة التي تجاوزت حدود الجغرافيا والزمن، لتتحول إلى سؤال مفتوح أمام كل جيل: ماذا يفعل الإنسان حين يجد نفسه بين إغراء السلطة وواجب الإصلاح؟ بين الصمت على الانحراف أو الوقوف في وجهه؟ بين مصلحته الشخصية ومصلحة المجتمع؟
هذا السؤال لم يولد في القرن الأول الهجري ثم انتهى، بل ما زال يتكرر بأشكال مختلفة في حياة الشعوب والدول والمؤسسات والأفراد. فالتاريخ يتغير في ملامحه الخارجية، غير أن جوهر الصراع يبقى واحداً: هل تكون السلطة وسيلة لخدمة الناس، أم تتحول إلى غاية بحد ذاتها؟
من هنا تكتسب ثورة الإمام الحسين عليه السلام أهميتها الاستثنائية، لأنها لم تكن صراعاً على منصب، ولا منافسة على نفوذ، ولا محاولة لتغيير حاكم بآخر ضمن معادلات السياسة التقليدية. كانت مواجهة بين مشروعين متناقضين؛ مشروع يرى الحكم مسؤولية أخلاقية، ومشروع ينظر إليه بوصفه أداة للسيطرة وإدامة النفوذ.
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه أن الإمام الحسين عليه السلام حسم الجدل حول أهداف نهضته منذ اللحظات الأولى، حين أعلن بوضوح:
«إنّي لم أخرج أشِرًا ولا بَطِرًا ولا مفسدًا ولا ظالمًا وإنّما خرجتُ لطلب الإصلاح في أمّة جدّي».
بهذه الكلمات القصيرة رسم الإمام الحسين عليه السلام الحدود الفاصلة بين الثورة التي تبحث عن السلطة والثورة التي تبحث عن الإصلاح. فالإصلاح كان الهدف، أما السلطة فلم تكن سوى وسيلة محتملة إذا كانت قادرة على تحقيق العدالة وصيانة كرامة الإنسان.
عندما ننظر إلى الواقع الذي سبق كربلاء ندرك حجم التحدي الذي واجهه الإمام الحسين عليه السلام. فقد كانت الأمة تعيش مرحلة خطيرة من التحول السياسي والأخلاقي، حيث أخذت السلطة تبتعد تدريجياً عن رسالتها الأساسية. ولم يعد الخطر مقتصراً على سوء الإدارة أو ضعف الأداء، وإنما وصل إلى تشويه القيم التي قام عليها المجتمع الإسلامي نفسه.
وحين يصبح الانحراف جزءاً من بنية الحكم، فإن الصمت يتحول إلى مشاركة غير مباشرة في تكريس ذلك الانحراف. لذلك لم تكن كربلاء خياراً سهلاً، ولم تكن رحلة عادية من الحجاز إلى العراق، وإنما كانت موقفاً أخلاقياً يهدف إلى إعادة تعريف العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وبين القوة والعدالة.
لقد أدرك الإمام الحسين عليه السلام أن أخطر ما يمكن أن يصيب المجتمعات ليس الفقر أو الضعف العسكري أو الأزمات الاقتصادية، وإنما فقدان البوصلة الأخلاقية التي تميّز بين الحق والباطل. فعندما يعتاد الناس رؤية الفساد ويتعاملون معه بوصفه أمراً طبيعياً، تبدأ مرحلة الانحدار الحقيقي.
ولهذا جاءت كربلاء لتعلن أن الشرعية لا تُستمد من القوة وحدها، وأن السلطة لا تكتسب قيمتها من قدرتها على السيطرة، وإنما من قدرتها على تحقيق العدل وصيانة حقوق الناس.
وقد عبّر الإمام الحسين عليه السلام عن هذه الحقيقة بصورة أكثر وضوحاً في قوله الوارد في كتاب تحف العقول:
«اللهم إنّك تعلم أنّه لم يكن ما كان منّا تنافساً في سلطان، ولا التماساً من فضول الحطام».
هذه العبارة تكاد تكون من أعمق النصوص السياسية والأخلاقية في التراث الإسلامي. فهي لا تنفي فقط السعي إلى السلطة من أجل المكاسب الشخصية، وإنما تؤسس لمفهوم جديد في فهم القيادة. فالقائد الحقيقي لا يقيس نجاحه بما يملكه من نفوذ، وإنما بما يقدمه من خدمة وإصلاح للناس.
ويواصل الإمام الحسين عليه السلام توضيح أهدافه قائلاً:
«لكن لنرى المعالم من دينك، ونظهر الإصلاح في بلادك، ويأمن المظلومون من عبادك».
إنها رؤية متكاملة لمفهوم الحكم والإدارة والمسؤولية. فالإصلاح ليس شعاراً سياسياً، وإنما مشروع يهدف إلى إعادة بناء الإنسان والمجتمع والدولة على أساس العدالة والأمان والكرامة.
ومن اللافت أن هذه الرؤية لا تخص القرن الأول الهجري وحده، بل تبدو شديدة الصلة بواقعنا المعاصر. فالكثير من المجتمعات اليوم تعاني من المشكلة نفسها وإن اختلفت الأسماء والعناوين. هناك حكومات ومسؤولون وأحزاب يرفعون شعارات الإصلاح، غير أن الواقع يكشف فجوة واسعة بين الخطاب والممارسة.
فالإصلاح الحقيقي لا يُقاس بعدد الخطب والبيانات، وإنما بما ينعكس على حياة الناس. وعندما تستمر معاناة الفقراء، وتتسع الفجوات الاجتماعية، وتتراجع الخدمات، وتتآكل فرص العدالة، فإن الشعارات تفقد قيمتها مهما كانت جميلة ومؤثرة.
وهنا تبرز إحدى أهم رسائل عاشوراء؛ فالمشكلة ليست في إعلان المبادئ، وإنما في القدرة على تجسيدها في الواقع. فكم من شخص يتحدث عن النزاهة وهو يمارس الفساد؟ وكم من مسؤول يتحدث عن خدمة الناس وهو يضع مصالحه فوق مصالحهم؟ وكم من جهة ترفع اسم الحسين عليه السلام بينما تتصرف بطريقة تتناقض مع جوهر مشروعه الإصلاحي؟
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي فكرة عظيمة هو أن تتحول إلى شعار يُردّد دون أن يتحول إلى سلوك. وعاشوراء تواجه هذا الخطر في كل عصر.
فالانتماء للحسين عليه السلام لا يُختبر في مواسم الحزن فقط، ولا في الشعارات التي تُرفع، ولا في الكلمات التي تُقال، وإنما في مقدار التزام الإنسان بقيم العدالة والصدق والأمانة واحترام حقوق الآخرين.
ولهذا فإن المسؤول الذي يعلن انتماءه للمنهج الحسيني ثم يتغاضى عن الفساد، أو يتجاوز على المال العام، أو يظلم الناس، لا يسيء إلى موقعه الوظيفي فحسب، وإنما يسيء إلى المعنى الأخلاقي الذي قامت عليه كربلاء.
كما أن الموظف الذي يستغل موقعه للإضرار بالآخرين، أو التاجر الذي يحتكر قوت الناس، أو الإعلامي الذي يضلل الرأي العام، أو أي شخص يستخدم سلطته الصغيرة أو الكبيرة بصورة خاطئة، يبتعد عملياً عن جوهر الرسالة التي حملها الإمام الحسين عليه السلام.
إن عاشوراء لا تطلب من الناس أن يكونوا جميعاً قادة أو ثواراً، لكنها تطلب منهم شيئاً أكثر أهمية: أن يكونوا منسجمين مع ضمائرهم، وأن يرفضوا الظلم أينما كان، وأن يؤدوا مسؤولياتهم بأمانة.
ولهذا فإن الإصلاح في المفهوم الحسيني يبدأ من الإنسان نفسه قبل أن يصل إلى مؤسسات الدولة. فالمجتمع الذي يحترم القانون، ويحافظ على المال العام، ويؤدي العمل بإخلاص، ويرفض الرشوة والمحسوبية، يضع الأساس الحقيقي لأي مشروع إصلاحي ناجح.
لقد أثبت التاريخ أن الأمم لا تنهار بسبب نقص الشعارات، وإنما بسبب غياب التطبيق. كما أثبت أن السلطة مهما امتلكت من أدوات القوة لا تستطيع أن تصنع الخلود إذا فقدت بعدها الأخلاقي. ولهذا بقي اسم الحسين عليه السلام حاضراً في ضمير الإنسانية، بينما اختفت أسماء كثير من الحكام الذين امتلكوا السلطة والقوة والثروة.
إن كربلاء لم تنتصر عسكرياً بالمعنى التقليدي، لكنها انتصرت أخلاقياً وإنسانياً بصورة جعلتها حاضرة في الوعي الإنساني بعد أكثر من أربعة عشر قرناً. وهذا بحد ذاته يكشف الفارق بين مشروع يعيش على القوة المؤقتة، ومشروع يعيش على القيم الخالدة.
وفي عالم اليوم، حيث تتعاظم تحديات الفساد وسوء الإدارة وتضارب المصالح، تبدو الحاجة إلى استحضار المعنى الإصلاحي لعاشوراء أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. فالمجتمعات لا تحتاج إلى مزيد من الخطابات بقدر حاجتها إلى نماذج عملية تجسد ما تؤمن به.
إن مبادئ عاشوراء لا تزال قادرة على إلهام الإنسان المعاصر لأنها تتحدث عن قضية لا تنتهي: كيف نحمي القيم عندما تصبح المصالح أقوى منها؟ وكيف نحافظ على ضمير المجتمع عندما تتكاثر مبررات الصمت؟
لقد أجاب الإمام الحسين عليه السلام عن هذه الأسئلة بدمه وموقفه وتضحيته. ولذلك بقيت كربلاء درساً مفتوحاً لكل من يتولى مسؤولية، ولكل من يمتلك سلطة مهما كان حجمها، ولكل من يريد أن يجعل الإصلاح ممارسة يومية لا شعاراً موسمياً.
ففي النهاية، لا يُقاس الانتماء للحسين عليه السلام بما نقوله عنه، وإنما بما نفعله من أجل العدالة التي خرج من أجلها، والإصلاح الذي ضحّى من أجله، والكرامة الإنسانية التي جعلها جوهر مشروعه الخالد.