النهضة الحسينية.. استنقاذ النفوس وإحياء العقول

باسم حسين الزيدي

2026-06-23 03:43

لم تكن نهضة الإمام الحسين (عليهما السلام) في كربلاء عام 61 للهجرة حدثاً عابراً انتهى بانقضاء الزمان، ولا صدام سياسي محكوم بظروفه التاريخية المؤقتة، بل مثلت هذه النهضة –وما زالت- زلزالاً فكرياً وروحياً غير مجرى التاريخ الإنساني، وأسس لمدرسة فكرية ترفض الانحناء أمام غطرسة الطغيان والجهل والفساد، واعادت الى النفوس معنى ان تكون حراً امام الاستعباد، لذلك اصبحت قضية عاشوراء النبض المتجدد في عروق الأمة الإسلامية والإنسانية بلا فرق، والمنار الذي يستضيء به الأحرار في دروب التحرر والكرامة.

تكتسب ذكرى عاشوراء أهمية استثنائية في كونها عملية إعادة بناء شاملة للذات الإنسانية التي تبحث عن الحق او تلك التي ضلت طريقها، فهي لا تقف عند حدود البكاء والعاطفة الوجدانية المجردة -وإن كانت العاطفة والحزن على عظيم المأساة بوابتها المشرعة- بل تتعدى ذلك لتكون مشروعاً متكاملاً لإحياء النفوس وتنوير العقول، كما تهدف إلى إيقاظ الامة من سباتها وماديتها، وتحريرها من أغلال التبعية والجهل، ودفعها نحو التغيير والإصلاح الشامل.

عاشوراء إستنقاذ للنفوس

إن أول ثمرات النهضة الحسينية المتجددة هي إستنقاذ النفس الإنسانية، والمنظومة الأخلاقية التي يرتكز عليها سلوك الإنسان، وعتقها من توحش الغريزة الى جنة العقل والحكمة، لقد كانت الأمة قبل خروج الإمام الحسين (عليه السلام) تعيش في حالة من الموت والانحطاط الروحي، حيث استسلمت لسياسات الترغيب والترهيب، ورضيت بالهوان والذل اما خوفاً أو طمعاً للطغمة الحاكمة التي طمست معالم الاسلام الاصيل والاخلاق المحمدية عن عمد حتى جاءت شهادة الامام الحسين (عيه السلام) وثلة طيبه من اهل بيته الطاهرين واصحابه الابرار لتبث الروح في ذلك الجسد الهامد من جديد.

ان أكبر قيد قد يكبل النفوس اذا ضعفت هو الخوف من الخسارة المادية المتعلقة بحطام الدنيا الزائل، وقد حطمت كربلاء هذه المخاوف على صخرة اليقين بالكرامة والعزة الالهية، فحين وقف الإمام الحسين (عليه السلام) رافعاً شعاره الخالد: "هيهات منا الذلة"، لم يكن يطلق شعاراً سياسياً، بل كان يحرر النفس البشرية من عقدة هذا الخوف المزمن. 

إن حضور عاشوراء في وجدان الإنسان وضميره يعلمه كيف يقول لا في وجه الظلم والظالمين مهما كانت عناوينهم، وكيف يثق بأن القيمة الحقيقية للإنسان تكمن في كرامته وعزته المستمدة من السماء، وليس مجرد بقائه الدنيوي المادي وان كان ذليلاً تملى عليه شروط الهوان.

في المجتمع المادي يبحث الافراد عن مصالحهم الأنية الضيقة، دون الاكتراث بمصالهم الاخرين ورغباتهم، لكن عندما تأتي مدرسة الطف لتقدم نماذج بشرية وصلت إلى ذروة التسامي الروحي فإن المشهد يتغير بالكامل، حيث الشيخ الطاعن في السن كحبيب بن مظاهر (رضوان الله عليه) الى جانب الشاب كعلي الأكبر (عليه السلام)، والطفل الرضيع الى جانب المرأة كالعقيلة زينب (عليها السلام) وبقية الحرائر، كلهم صاغوا لوحة إيثار عجيبة، حيث يتسابقون للموت من أجل المبدأ والرسالة، هذا العطاء اللامحدود يهز أعماق الإنسان المعاصر بالتأكيد، ويزيل عن نفسه كل اصول الأنانية وحب الذات وما ران على القلب، ليتحول من إنسان مادي مستهلك متضخم الانا يعيش لنفسه، إلى إنسان رسالي مبدئي يحمل هم مجتمعه وأمته والانسانية قبل ان يحمل هم نفسه او مصالحه الشخصية.

عاشوراء إحياء للعقول 

إذا كانت النفوس تحيا بالعاطفة والمنظومة الأخلاقية والابتعاد عن الغرائزية، فإن العقول تحيا بالوعي والنقد والمعرفة والعلم والحكمة والتحرر من الأوهام والتزييف، وهنا يبرز دور عاشوراء كأكبر ثورة فكرية وتنويرية شهدها التاريخ الإسلامي والانساني، فلقد واجه الإمام الحسين (عليه السلام) أخطر آلة تشويه إعلامي وتزييف ديني في عصره.

لقد أعلن الإمام الحسين (عليه السلام) صراحة محددات حركته الفكرية والسياسية بقوله: "إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر"، هذا التحديد المطلق للإصلاح وضع العقل المسلم أمام مسؤوليته التاريخية، فالإصلاح ليس ترفاً فكرياً، بل هو واجب شرعي واجتماعي متحرك عبر الأزمان، عاشوراء تحيي العقول مثلما احيت النفوس عبر إخراجها من دائرة القبول بالأمر الواقع إلى دائرة التفكير في التغيير والاصلاح، ومحاربة كل اشكال الفساد السلطوي والمالي والأخلاقي.

وصية إلى الشباب 

ينبغي على الشباب الحسيني المخلص التركيز على الوعي المعرفي مع الوعي العاطفي الجياش تجاه القضية الحسينية التي امنوا بها، ان ضرورة القراءة المعمقة والدراسة المستمرة لسيرة الإمام الحسين (عليه السلام) وأصحابه، واستخراج الدروس الفكرية والسياسية والاجتماعية وتطبيقها في مواجهة تحديات العصر، اصبحت من الاساسيات التي تحقق اهداف النهضة الحسينية المباركة.

كما لا ننسى إن الشاب الحسيني المخلص هو سفير لهذه القضية الخالدة، لذا ينبغي أن ينعكس هذا الانتماء على سلوكه اليومي، من خلال التميز الأكاديمي، الأمانة في العمل، الصدق في التعامل، والابتعاد عن كل ما يشوه صورة السائرين على درب الامام الحسين (عليه السلام) وسيرة اهل البيت (عليهم السلام).

كما ينبغي تشجيع ودعم المبادرات التي نشهدها على يد الجموع الشبابية الحسينية التي سخرت طاقاتهم في أيام عاشوراء إلى مشاريع تخدم المجتمع كحملات التبرع بالدم باسم الإمام الحسين (عليه السلام)، وتنظيف الشوارع بعد انتهاء المواكب، وتوزيع المعونات على العائلات المتعففة، ومساعدة الفقراء، وغيرها الكثير لأنها جسدت روح الإيثار الحسينية.

ايضا إلى جانب إقامة المآدب وتوزيع الطعام والشراب يمكن تخصيص زوايا أو طاولات في كل موكب لتوزيع الكتاب والكراريس والمنشورات التي ينتفع بها السائرون على درب الامام الحسين (عليه السلام)، أو إقامة مسابقات فكرية سريعة، ليتكامل غذاء الروح والجسد معاً.

ولا ننسى المهمة الابرز التي تقع على عاتق الشباب في زمن الذكاء الاصطناعي ودورهم في تفعيل الفضاء الرقمي (منصات التواصل الاجتماعي، اليوتيوب، البودكاست ...الخ) لإنتاج محتوى قصصي ومكتوب وفني راق يعرف بالقضية الحسينية ومبادئها الإنسانية بلغات مختلفة وبأسلوب جاذب للآخر.

وصية الى الخطباء 

للخطباء الأفاضل الدور الابرز في ايصال المعلومة الحقيقية والتأثير الايجابي في المتلقي منذ واقعة الطف الاليمة وحتى يومنا هذا، ان الدور الذي قام به الخطباء والمبلغون في سبيل القضية الحسينية هو دور خالد لا يمكن الاحاطة بعظمته واهمية، وهو دور معطاء لانهاية له.

ان التركيز على الأبعاد الفكرية والتنويرية للنهضة الحسينية، وربط أحداث الطف بالقضايا التي تهم الناس كالعدالة الاجتماعية، حقوق الإنسان، محاربة الفساد، والتربية الأسرية المتماسكة، امر لا غنى عنه، مع الحفاظ على العاطفة والمظلومية دون إفراط أو تفريط.

ان المنبر الحسيني يحضره الجميع (الشاب الجامعي، والمثقف، والانسان البسيط، وغير المسلم) كما يبث عبر الشاشات لمختلف الفئات والطوائف، لذا ينبغي صياغة الخطاب بلغة مرنة، جامعة، راقية، تركز على المشتركات الإنسانية والإسلامية الواسعة التي جمعتها النهضة الحسينية ووحدتها تحت راية الطف الخالدة.

كما ان دور الخطيب الحسيني ينبغي ان لا ينتهي دوره بانتهاء المحاضرة، بل أن يكون موجها ومحركا للمجتمع، يحث الأثرياء على بناء المؤسسات الخيرية، ويشجع الشباب على طلب العلم، ويدعو لفض النزاعات الاجتماعية وإصلاح ذات البين مستلهما ذلك من اهداف الامام الحسين (عليه السلام) الإصلاحية.

وصية الى الإعلام

يمكن للمؤسسات الإعلامية والقنوات الفضائية والشركات الفنية استثمار أيام عاشوراء لإنتاج أعمال درامية وبرامج منوعة ووثائقية ورسوم متحركة للأطفال بمواصفات عالمية واحترافية عالية، لترسيخ قيم عاشوراء في عقول الناشئة وتقديمها للعالم بشكلها الحقيقي، كما ينبغي العناية بالرسائل البصرية او الهوية البصرية المنشورة من بوسترات وإنفوجرافيك وشعارات مأثورة واختيار تصاميم وألوان تعكس عمق التضحية وجمالية المبدأ.

الامر الاخر يتعلق بضرورة إنشاء منصات وصفحات ومواقع حسينية ناطقة باللغات الحية (الإنجليزية، الفرنسية، الإسبانية، وغيرها)، والعمل على صياغة مقالات وتقارير صحفية تخاطب الرأي العام العالمي بلسان إنساني يفهمه الجميع، تبرز الحسين كرمز عالمي للإنسانية جمعاء وهو يمثل الحرية والعدالة والكرامة والاباء.

* مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث/2002–Ⓒ2026

http://shrsc.com

ذات صلة

أبو الفضل العباس (ع).. حين يصبح الوعي أصل البطولة لا نتيجتهاأبو الفضل العباس عليه السلام: كيف تحوّل الوفاء إلى قوةٍ ما زالت تغيّر حياة الناس؟من رسائل عاشوراء- الإيمانوفاء العباس (ع).. من ذاكرة كربلاء الى سلوك الحياةالاتفاق الأميركي–الإيراني.. نهاية الصراع أم إعادة هندسة الشرق الأوسط؟