أبو الفضل العباس عليه السلام: كيف تحوّل الوفاء إلى قوةٍ ما زالت تغيّر حياة الناس؟
كمال عبيد
2026-06-23 03:42
في مساءٍ من أمسيات محرّم، كان أبو عباس يجلس إلى جوار زوجته في بيتٍ بسيط أنهكته السنوات كما أنهكته الحاجة. كانت الزوجة تعجن الطحين استعداداً لخبز الصباح، فيما كان هو غارقاً في أفكاره، يحمل في صدره هماً أثقل من المرض الذي أقعده عن العمل.
رفع رأسه وسألها:
ـ أيُّ يومٍ من محرّم نحن؟
قالت وهي تواصل عجن الخبز:
ـ اقتربنا من أيام استشهاد أبي الفضل العباس عليه السلام.
تنهد الرجل طويلاً وقال:
ـ منذ سنوات وأنا أقيم مجلساً ومائدةً لوجه الله في هذه الأيام. كنت أعدُّ ذلك وفاءً لنذرٍ قطعته على نفسي، أما هذا العام فلا أملك شيئاً. المرض أضعفني، والعمل لم يعد يقبل رجلاً تجاوز الخمسين.
ثم أضاف بصوتٍ خافت:
ـ أتذكرين عندما انتظرنا أكثر من اثني عشر عاماً حتى رزقنا الله طفلاً؟ يومها توسّلنا إلى الله بجاه أبي الفضل العباس عليه السلام، ونذرنا إن رزقنا الله ولداً أن نبقى أوفياء لهذا العهد ما حيينا. وحين جاء الطفل سميناه عباساً.
نظرت إليه زوجته بثقة المؤمنين وقالت:
ـ اذهب غداً وابحث عن عمل، فما ضاقت إلا لتُفرج.
خرج الرجل في صباح اليوم التالي يبحث عن فرصة عمل. طرق أبواباً كثيرة، لكن الجميع كانوا يعتذرون بالطريقة نفسها:
"نحتاج شاباً."
"العمل لا يناسب وضعك الصحي."
"هذه المهنة تحتاج إلى قوة لا يملكها المرضى."
وحين أوشك اليأس أن يتسلل إلى قلبه، عرض عليه أحد أصحاب العمل أن يشغّل ابنه الصغير عباس مقابل أجر شهرين يُدفع مقدماً، على أن يبقى الطفل بعيداً عن أهله طوال تلك المدة.
كان القرار قاسياً، لكنه رأى فيه الطريق الوحيد للوفاء بنذره.
وافق الأب، ووافق الابن، وأُبرم الاتفاق، وأقام الرجل مجلسه ومائدته وخدمته للمؤمنين وزوار أبي الفضل العباس عليه السلام.
لكن المفاجأة جاءت في اليوم التالي.
عاد عباس إلى البيت.
استغرب والده وسأله:
ـ كيف عدت؟ ألم يكن الاتفاق أن تبقى شهرين؟
قال الصبي:
ـ جاء رجل إلى صاحب العمل. كان مهيباً، حسن الهيئة، وأراد أن أعمل معه. رفض صاحب العمل أول الأمر لأنه أخذ منك المال، لكن الرجل دفع له ضعف المبلغ، ثم أخذني معه قليلاً وأعطاني مالاً آخر، وقال لي: ارجع إلى أبيك، وأخبره أن يوفي بنذره، وليجعل هذا المال بداية رزق جديد له.
سكت الأب قليلاً، ثم سأل ابنه:
ـ وما اسم هذا الرجل؟
أجاب عباس:
ـ قال لي: اسمي على اسمك... العباس.
بكى الأب طويلاً.
وربما لن يتفق الناس على تفسير مثل هذه الحكايات، لكنهم يتفقون على حقيقة أكبر منها: أن أبا الفضل العباس عليه السلام لم يتحول إلى رمز خالد في وجدان الأمة بسبب بطولة عابرة أو موقف مؤقت، بل لأنه جسّد منظومة كاملة من القيم التي لا تموت.
فحين نقرأ سيرة العباس عليه السلام لا نقرأ قصة محارب شجاع فقط، بل نقرأ قصة إنسان جعل الوفاء أعلى من المصلحة، والإيثار أعلى من الحاجة، والثبات أعلى من الخوف.
في كربلاء كان يستطيع أن يفكر بنفسه كما يفكر كثير من الناس في أوقات الأزمات، لكنه اختار أن يفكر بالحسين عليه السلام قبل نفسه، وبالرسالة قبل حياته، وبالعطاشى قبل عطشه.
ولذلك لم يكن أعظم ما في شخصية العباس قوته الجسدية، بل قوته الأخلاقية.
لقد أثبت أن الإنسان يُقاس بما يثبت عليه عندما تتغير الظروف، لا بما يقوله عندما تكون الأمور سهلة.
وفي عالم اليوم تبدو هذه القيمة أكثر أهمية من أي وقت مضى. فالأزمات الاقتصادية، والتحولات الاجتماعية، وضغوط الحياة اليومية، جعلت كثيراً من الناس يبررون التخلي عن المبادئ بحجة الضرورات. بينما تقدم لنا شخصية أبي الفضل العباس نموذجاً مختلفاً تماماً؛ نموذج الإنسان الذي لا يسمح للظروف أن تغيّر جوهره.
ولهذا ارتبط اسمه في الوعي الشعبي بمعاني الوفاء وقضاء الحوائج ونصرة المحتاجين. ليس لأن الناس ينظرون إليه بوصفه شخصية تاريخية فقط، بل لأنهم يرون فيه صورة الإنسان الذي لم يتخلَّ عن مسؤوليته في أصعب اللحظات.
والحقيقة أن المجتمعات لا تنهض بالقوة وحدها، ولا بالمال وحده، ولا بالمناصب وحدها، وإنما تنهض عندما تتحول القيم إلى سلوك يومي. فالأب الوفي لعائلته، والعامل المخلص في عمله، والمعلم الصادق في رسالته، والمسؤول الأمين في موقعه، جميعهم يواصلون بطريقة ما تلك المدرسة الأخلاقية التي يمثلها أبو الفضل العباس عليه السلام.
ومن هنا فإن استذكار العباس في محرّم لا ينبغي أن يقتصر على الحزن أو العاطفة وحدهما، بل ينبغي أن يتحول إلى مراجعة أخلاقية عميقة لأنفسنا.
هل ما زلنا أوفياء لعلاقاتنا ووعودنا؟
هل ما زلنا نقدم الآخرين على أنفسنا عندما تستدعي المواقف ذلك؟
هل ما زلنا نتمسك بالمبدأ عندما تصبح المصلحة في الاتجاه المعاكس؟
هذه الأسئلة هي جوهر الرسالة التي تركها أبو الفضل العباس عليه السلام للأجيال.
ولهذا بقي حاضراً في القلوب رغم مرور القرون.
فالناس قد تنسى أسماء الملوك والقادة وأصحاب الثروات، لكنها لا تنسى الإنسان الذي يتحول إلى رمز للوفاء.
ذلك أن الوفاء لغة يفهمها الجميع، والإيثار قيمة تتجاوز الأزمنة، والثبات على الحق حاجة إنسانية لا تنتهي.
ولهذا ما زالت راية أبي الفضل العباس عليه السلام ترفرف في ضمير الأمة، لا لأنها تروي قصة رجل عاش في الماضي، بل لأنها تروي قصة قيمة ما زال العالم بحاجة إليها اليوم أكثر من أي وقت مضى.