كربلاء المقدسة بوصفها سؤالاً أخلاقياً مفتوحاً

عندما تصبح النهضة الحسينية مشروعاً لإصلاح الإنسان في العصر الرقمي

كمال عبيد

2026-06-22 03:18

في ليلةٍ هادئة، كان أبٌ يجلس إلى جوار ابنه المراهق. لم يكن بينهما خلاف، ولم يكن الحديث عن الدراسة أو المستقبل أو العمل. كان الأب يتصفح هاتفه بصمت، فيما كان الابن غارقاً في عالمه الرقمي، يتنقل بين عشرات المقاطع والصور والتعليقات.

وفجأة سأل الأب: "لو طلب منك الجميع أن تفعل شيئاً تعرف في أعماقك أنه خطأ، فهل ستفعل؟"

رفع الابن رأسه قليلاً، ثم ابتسم وقال: "يعتمد على الجميع... ومن يكونون."

انتهى الحوار عند هذه الجملة، لكن السؤال بقي معلقاً.

متى أصبح الصواب يحتاج إلى تصويت؟ ومتى تحوّلت القناعة الأخلاقية إلى رأي قابل للتفاوض؟ وكيف يمكن لإنسان أن يعرف آلاف المعلومات بضغطة إصبع، لكنه يعجز أحياناً عن التمييز بين ما ينبغي فعله وما لا ينبغي فعله؟

هذه الأسئلة ليست بعيدة عن عالمنا اليوم. ففي زمن تتسارع فيه الأخبار والصور والآراء بصورة غير مسبوقة، يبدو الإنسان أكثر اتصالاً بالعالم من أي وقت مضى، لكنه في المقابل يواجه اختباراً أخلاقياً يومياً لم تعرفه الأجيال السابقة بهذا الحجم.

وعليه تعود كربلاء إلى الواجهة، لا بوصفها حدثاً من الماضي، بل بوصفها سؤالاً أخلاقياً مفتوحاً ما زال يلاحق الإنسان في كل عصر: ماذا تفعل عندما يصبح الطريق الصحيح هو الأصعب؟

لم تعد التحديات الأخلاقية في العصر الحديث تشبه ما كانت عليه في الأزمنة السابقة. فالشاب اليوم لا يواجه خصماً يقف أمامه في ساحة معركة واضحة المعالم، وإنما يواجه عالماً كاملاً من الرسائل والصور والإغراءات والأفكار المتدفقة على مدار الساعة. وبين الحقيقة والتضليل، وبين المسؤولية واللامبالاة، وبين القيم والمصالح السريعة، يجد الإنسان نفسه أمام اختبارات يومية قد تبدو صغيرة، لكنها تصنع شخصيته ومستقبله.

وفي هذا السياق تكتسب كربلاء معناها المتجدد. فالقضية الحسينية هي نموذج أخلاقي دائم يطرح سؤال الاختيار الإنساني في أكثر لحظاته حساسية. لقد كان الإمام الحسين عليه السلام أمام خيارات متعددة، بعضها يضمن السلامة الشخصية، وبعضها يوفر المكاسب الآنية، لكنه اختار الطريق الذي يحفظ المبدأ ويصون الكرامة ويؤكد مسؤولية الإنسان تجاه الحق.

لذا يمكن النظر إلى كربلاء بوصفها مدرسة في إدارة الموقف الأخلاقي عندما تصبح الظروف ضاغطة، وعندما تتحول المساومات إلى أمر شائع، وعندما يبدو الانحراف أكثر سهولة من الاستقامة.

إن كثيراً من المشكلات السلوكية التي يعاني منها المجتمع المعاصر لا تبدأ من ضعف القوانين، وإنما من ضعف البوصلة الأخلاقية. فالتنمر الإلكتروني، وخطاب الكراهية، والابتزاز الرقمي، وانتشار الشائعات، والغش بمختلف أشكاله، وثقافة الشهرة السريعة مهما كان الثمن، كلها تعكس أزمة في منظومة القيم أكثر مما تعكس أزمة في المعرفة أو التكنولوجيا.

ولهذا فإن الحاجة إلى كربلاء اليوم ليست حاجة عاطفية فقط، بل حاجة تربوية وثقافية وأخلاقية. فالإمام الحسين عليه السلام يقدم نموذجاً للإنسان الذي يربط قراراته بالقيم لا بالمكاسب، ويقيس أفعاله بالضمير لا بردود الأفعال، ويضع الكرامة فوق المنفعة الآنية.

إن الشباب اليوم بحاجة إلى أن يقرأوا كربلاء قراءة مختلفة؛ قراءة تبحث عن الدروس التي تساعدهم على مواجهة تحديات العصر. فهم بحاجة إلى تعلم الشجاعة الأخلاقية التي تجعل الإنسان قادراً على قول "لا" عندما يكون الجميع مستعدين للموافقة، وبحاجة إلى تعلم المسؤولية الفردية التي تمنع الذوبان في سلوك الجماعة إذا كان ذلك السلوك خاطئاً.

كما أن المجتمع بحاجة إلى إعادة الاعتبار للتربية الأخلاقية بوصفها جزءاً أساسياً من بناء الإنسان. فالتعليم وحده لا يكفي إذا انفصل عن القيم، والتطور التقني لا يضمن التقدم الإنساني إذا لم يرافقه وعي أخلاقي ناضج. ولهذا فإن الأسرة والمدرسة والجامعة والإعلام والمؤسسات الثقافية والدينية تتحمل جميعها مسؤولية بناء جيل يمتلك المعرفة والضمير في آن واحد.

إن كربلاء تعلمنا أن الأخلاق ليست خطاباً نظرياً، وإنما ممارسة يومية. فالصدق، والأمانة، والوفاء، واحترام الإنسان، وتحمل المسؤولية، والثبات على المبادئ، كلها قيم ظهرت في سلوك الإمام الحسين عليه السلام وأهل بيته وأصحابه قبل أن تتحول إلى عناوين في الكتب والخطب.

وحين نتأمل واقع المجتمعات المعاصرة، ندرك أن الأزمة الحقيقية ليست في قلة المعلومات، وإنما في قلة الحكمة التي توجه هذه المعلومات. ولذلك فإن استعادة البعد الأخلاقي في النهضة الحسينية تمثل استعادة لمعنى الإنسان نفسه، ولقدرته على اتخاذ القرار الصحيح حتى عندما يكون الطريق الأصعب.

تخيّل شاباً يجلس وحيداً أمام شاشة هاتفه في ساعة متأخرة من الليل. لا أحد يراقبه. لا معلم يراه. لا أب يسأله. لا قانون يتدخل في تلك اللحظة.

أمام عينيه عشرات الخيارات، وعشرات الإغراءات، وعشرات الطرق التي يمكن أن يسلكها. في تلك اللحظة تحديداً، أين تبدأ الأخلاق؟ هل تبدأ من الخوف من العقوبة؟ أم من حضور الضمير؟ وهل تستطيع المجتمعات أن تبني مستقبلاً آمناً إذا امتلك أبناؤها أحدث التقنيات، لكنهم فقدوا البوصلة التي تهديهم إلى الاستخدام الصحيح لها؟ لعل هذا هو السؤال الأعمق الذي تطرحه كربلاء على كل جيل.

فالقضية لم تكن يوماً بين الماضي والحاضر، ولا بين معركة انتهت وأخرى لم تبدأ، وإنما بين إنسان يستسلم لما يريده الواقع، وإنسان يحاول أن يرتقي بالواقع إلى ما ينبغي أن يكون. ولهذا تبقى كربلاء أكثر من ذكرى، وأكثر من مناسبة، وأكثر من حدث تاريخي. إنها مرآة أخلاقية يختبر الإنسان نفسه أمامها باستمرار. فكلما سألنا: لماذا تتراجع القيم؟ وكيف نعالج الانحدار الأخلاقي؟ وكيف نحمي أبناءنا في زمن الفوضى الرقمية؟

سيعود السؤال الأكبر ليقف أمامنا من جديد: أيُّ نوعٍ من البشر نريد أن نكون؟ وهل ما زلنا نملك الشجاعة لنختار الحق عندما لا يختاره الآخرون؟

ذات صلة

ما وراء قصة الإمام الحسين عليه السلامأم البنين (ع) ومنهج بناء الإنسان الحسينيالمنهاج الوزاري للحكومة العراقية الجديدة.. قراءة اقتصاديةالغالب بالشر مغلوبمتَى يكُونُ النِّفاقُ أَو الخِذلانُ؟!