أُسُسُ التَّشيُّعِ

عْاشُورْاءُ السَّنَةُ الثَّالِثةَ عشَرَة (٢)

نـــــزار حيدر

2026-06-18 03:48

 إِنَّ [التشيُّعَ] هويَّةٌ ومنهجٌ وإِلتزامٌ، بغضِّ النَّظرِ عن طبيعتهِ ولمَن يكونُ هذا التشيُّع، فعندما يتشيَّعُ المرءُ لأَيٍّ كانََ ولأَيِّ شيءٍ، كأَن تكونُ قضيَّةً وطنيَّةً، فإِنَّ تشيُّعهُ يتجلَّى في هذهِ الأُسُس والأَعمِدة الثَّلاثة، حتَّى أَنَّكَ تسمعُ على لسانِ الآخرينَ قولهُم [إِنَّهُ مِن جماعةِ زيدٍ أَو عمرُو].

 حتَّى على مُستوى التَّقليد باتَ الأَمرُ واضِحاً فمقلِّدُو كُلَّ مرجعٍ يُعرَفونَ باسمهِ وبمنهجيَّتهِ في الحياةِ وخاصَّة ًفي الشَّأنِ العامِّ وما يخصُّ الأُمور الإِجتماعيَّة وخاصَّةً الخِلافيَّة.

 ولا يشذُّ [الإِنتماء الحزبي] عن ذلكَ!.

 وإِذا أَردنا أَن نحكُمَ على تشيُّعِ أَحدٍ لأَحدٍ أَو لقضيَّةٍ فلا يكفِي أَن ننظُرَ إِلى الهويَّةَ فقط أَو إِلى المنهَج الذي يتبنَّاهُ ويعتقِدُ ويُؤمنُ بهِ وإِنَّما لابدَّ من قياسِ الأُسُس الثَّلاثة كسلَّةٍ واحِدةٍ مُتكامِلةٍ [الهويَّة والمنهَج والإِلتزام] وذلك للأَسبابِ التَّاليةِ؛

 ١/ حتَّى لا يغُشَّنا بأَقوالهِ وخُطبهِ فنميِّزَ بينَ الثَّكلى والمُستأجرَة.

 ٢/ حتَّى لا نظلِمَ في تقييمِنا صاحبَ الهويَّةِ والمنهَجِ الحقِيقي أَو القضيَّةَ التي تشيَّعَ لها زيدٌ أَو عمرُو.

 ٣/ لنتعلَّمَ أَن لا نقيِّمَ منهجٌ ما من خلالِ أَفعالِ مَن ينتمُونَ إِليهِ ويتشيَّعونَ لهُ بالهويَّةِ، فرُبَّما أَنَّهم اتَّخذُوا المنهجَ سِتاراً يتخفَّونَ بهِ لتحقيقِ مآربَ خاصَّةً لا علاقةَ لها بالصَّالحِ العامِّ! أَو للإِتِّجارِ بهِ! أَو رُبَّما أَنَّهم تشيَّعُوا لمنهجٍ للطَّعنِ بهِ وتشويهِ جَوهرهِ وقيَمهِ! أَو رُبَّما أَنَّهم جهلَة أُميُّون مُتخلِّفونَ تشيَّعُوا لهُ (بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ).

 ولقد حذَّرَ أَميرُ المُؤمنينَ (ع) من هذهِ الحقيقةِ التي قرأَها مُبكِّراً بقَولهِ (أَلَا مَنْ دَعَا إِلَى هَذَا الشِّعَارِ فَاقْتُلُوه ولَوْ كَانَ تَحْتَ عِمَامَتِي هَذِه).

 تعالُوا نُطبِّقَ كُلَّ هذا على الإِسلامِ كدينٍ يتشيَّعُ لهُ خلقٌ كثيرٌ، وإِنَّ أَغلبهُم اتَّخذوهُ هويَّةً وقليلٌ كمنهجٍ والأَقليَّة كإِلتزام يتجلَّى في سلوكهِم اليَومي سواءً مع الله تعالى أَو معَ أَنفسهِم أَو في أُسرهِم وفي المحلَّةِ والمجتمعِ ومع الآخَر المُختلِف على مُستوىً من المُستويات [الدِّينُ والمذهَبُ والإِثنيَّةُ واللَّونُ والجِنسُ والعمُرُ والخلفيَّةُ الثقافيَّة والعَشيرةُ والأُسرةُ والحِزبُ والتيَّارُ وغيرَ ذلكَ].

 يقولُ أَميرُ المُؤمنِينَ (ع) (لأَنْسُبَنَّ الإِسْلَامَ نِسْبَةً لَمْ يَنْسُبْهَا أَحَدٌ قَبْلِي الإِسْلَامُ هُوَ التَّسْلِيمُ والتَّسْلِيمُ هُوَ الْيَقِينُ والْيَقِينُ هُوَ التَّصْدِيقُ والتَّصْدِيقُ هُوَ الإِقْرَارُ والإِقْرَارُ هُوَ الأَدَاءُ والأَدَاءُ هُوَ الْعَمَلُ).

 فأَيُّ إِلغاءٍ لشرطٍ أَو رُكنٍ واحدٍ أَو أَكثر لم يعُد للدِّينِ في شخصيَّةِ المُتشيِّعِ لهُ معنى، إِذ لا يُمكنُ تقطيعَ أَوصالهِ ثمَّ اختيارُ ما نُريدُ وما لا نريدُ حسبَ الأَهواءِ والرَّغباتِ ثمَّ ندَّعي الإِلتزام! فهذا نوعٌ من الدَّجلِ والتَّضليلِ والخداعِ، فضحهُ الحُسين السِّبط (ع) بقولهِ المشهُور (النَّاسُ عبيدُ الدُّنيا والدِّينُ لعِقٌ على أَلسنتهِم يحُوطونهُ ما درَّت معائِشهُم فإِذا مُحِّصُوا بالبلاءِ قلَّ الديَّانُونَ) كما ثبَّتَ القُرآن الكريم هذهِ الحقِيقةِ [المُرَّةِ] بقَولهِ عزَّ وجلَّ (ثُمَّ أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأْتُوكُمْ أُسَارَىٰ تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ ۚ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ۚ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ الْعَذَابِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ).

 هذا البعضُ يلتزِم بالقانونِ ما دامَ لم يتعارَض معَ مصالحهِ ويرميهِ جانِباً ويضرِبهُ عَرض الحائطِ إِذا تحوَّلَ إِلى عقبَةٍ يُعرقِلُها! ويديرُ ظهرهُ لهُ إِذا تحوَّلَ إِلى قُضبانِ سجنٍ يعتقلهُ ليُواجهَ القَضاءَ والعَدالةِ.

وفي قولٍ لأَميرِ المُومنينَ (ع) يفصِّلُ فيهِ الهويَّة والمَنهج والإِلتزام بسلَّةٍ واحدةٍ كما يُقالُ من دونِ تبعيضٍ أَو تجزِئةٍ.

 فلقَد سُئِلَ (ع) عَنِ الإِيمَانِ فَقَالَ؛ الإِيمَانُ عَلَى أَرْبَعِ دَعَائِمَ؛ عَلَى الصَّبْرِ والْيَقِينِ والْعَدْلِ والْجِهَادِ، والصَّبْرُ مِنْهَا عَلَى أَرْبَعِ شُعَبٍ؛ عَلَى الشَّوْقِ والشَّفَقِ والزُّهْدِ والتَّرَقُّبِ؛ فَمَنِ اشْتَاقَ إِلَى الْجَنَّةِ سَلَا عَنِ الشَّهَوَاتِ ومَنْ أَشْفَقَ مِنَ النَّارِ اجْتَنَبَ الْمُحَرَّمَاتِ ومَنْ زَهِدَ فِي الدُّنْيَا اسْتَهَانَ بِالْمُصِيبَاتِ ومَنِ ارْتَقَبَ الْمَوْتَ سَارَعَ إِلَى الْخَيْرَاتِ، والْيَقِينُ مِنْهَا عَلَى أَرْبَعِ شُعَبٍ؛ عَلَى تَبْصِرَةِ الْفِطْنَةِ وتَأَوُّلِ الْحِكْمَةِ ومَوْعِظَةِ الْعِبْرَةِ وسُنَّةِ الأَوَّلِينَ، فَمَنْ تَبَصَّرَ فِي الْفِطْنَةِ تَبَيَّنَتْ لَه الْحِكْمَةُ ومَنْ تَبَيَّنَتْ لَه الْحِكْمَةُ عَرَفَ الْعِبْرَةَ ومَنْ عَرَفَ الْعِبْرَةَ فَكَأَنَّمَا كَانَ فِي الأَوَّلِينَ، والْعَدْلُ مِنْهَا عَلَى أَرْبَعِ شُعَبٍ؛ عَلَى غَائِصِ الْفَهْمِ وغَوْرِ الْعِلْمِ وزُهْرَةِ الْحُكْمِ ورَسَاخَةِ الْحِلْمِ، فَمَنْ فَهِمَ عَلِمَ غَوْرَ الْعِلْمِ ومَنْ عَلِمَ غَوْرَ الْعِلْمِ صَدَرَ عَنْ شَرَائِعِ الْحُكْمِ ومَنْ حَلُمَ لَمْ يُفَرِّطْ فِي أَمْرِه وعَاشَ فِي النَّاسِ حَمِيداً، والْجِهَادُ مِنْهَا عَلَى أَرْبَعِ شُعَبٍ؛ عَلَى الأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ والصِّدْقِ فِي الْمَوَاطِنِ وشَنَآنِ الْفَاسِقِينَ، فَمَنْ أَمَرَ بِالْمَعْرُوفِ شَدَّ ظُهُورَ الْمُؤْمِنِينَ ومَنْ نَهَى عَنِ الْمُنْكَرِ أَرْغَمَ أُنُوفَ الْكَافِرِينَ ومَنْ صَدَقَ فِي الْمَوَاطِنِ قَضَى مَا عَلَيْه ومَنْ شَنِئَ الْفَاسِقِينَ وغَضِبَ لِلَّه غَضِبَ اللَّه لَه وأَرْضَاه يَوْمَ الْقِيَامَةِ، والْكُفْرُ عَلَى أَرْبَعِ دَعَائِمَ؛ عَلَى التَّعَمُّقِ والتَّنَازُعِ والزَّيْغِ والشِّقَاقِ فَمَنْ تَعَمَّقَ لَمْ يُنِبْ إِلَى الْحَقِّ ومَنْ كَثُرَ نِزَاعُه بِالْجَهْلِ دَامَ عَمَاه عَنِ الْحَقِّ ومَنْ زَاغَ سَاءَتْ عِنْدَه الْحَسَنَةُ وحَسُنَتْ عِنْدَه السَّيِّئَةُ وسَكِرَ سُكْرَ الضَّلَالَةِ ومَنْ شَاقَّ وَعُرَتْ عَلَيْه طُرُقُه وأَعْضَلَ عَلَيْه أَمْرُه وضَاقَ عَلَيْه مَخْرَجُه، والشَّكُّ عَلَى أَرْبَعِ شُعَبٍ؛ عَلَى التَّمَارِي والْهَوْلِ والتَّرَدُّدِ والِاسْتِسْلَامِ، فَمَنْ جَعَلَ الْمِرَاءَ دَيْدَناً لَمْ يُصْبِحْ لَيْلُه ومَنْ هَالَه مَا بَيْنَ يَدَيْه نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْه ومَنْ تَرَدَّدَ فِي الرَّيْبِ وَطِئَتْه سَنَابِكُ الشَّيَاطِينِ ومَنِ اسْتَسْلَمَ لِهَلَكَةِ الدُّنْيَا والآخِرَةِ هَلَكَ فِيهِمَا).

 إِذن؛ هيَ منظومةٌ مُتكامِلةٌ ومُترابِطةٌ لا تقبلُ التجزِئةِ وأَيُّ نقصٍ أَو غفلةٍ عن جُزءٍ منها وكأَنَّك تركتَ الهويَّةَ والمنهجِ والإِلتزامِ وراءَ ظهرِكَ جهلاً أَو عمداً، لا فرقَ فالنَّتيجةُ واحِدةٌ!. 

ذات صلة

مدرسة عاشوراء والقيَم المتجددةالحاجة إلى اليقين الحسيني في زمن الشك والقلقالضوء الذي خرج من كربلاءالحرب غير المتكافئةحين يصبح الفساد حارساً للديكتاتورية