ماذا يحدث عندما لا يعود الإنتاج مطلوبًا؟
شبكة النبأ
2026-08-23 04:01
عندما نتحدث عن الإنتاج، فنحن نتحدث عن واحدة من أكثر القوى تأثيرًا في حياة المجتمعات والدول، لأنه يمثل القدرة على تحويل الموارد والأفكار والجهود البشرية إلى سلع وخدمات وقيم اقتصادية يستفيد منها الإنسان في حياته اليومية.
وكلما اتسعت دائرة الإنتاج وتحسنت جودته ازدادت قدرة المجتمع على توفير احتياجاته وصناعة فرص العمل وتحريك الأسواق وبناء مؤسسات أكثر استقرارًا، فيما يؤدي تراجع الإنتاج إلى اختلالات متراكمة تبدأ من سوق العمل وتمتد إلى الدخل والاستهلاك والاستثمار وقدرة الدولة على تمويل احتياجاتها الأساسية.
ولهذا ارتبط تقدم الدول عبر التاريخ بقدرتها على إنتاج ما تحتاج إليه وتطوير ما تنتجه، فالمجتمع المنتج لا يعتمد على موارده الطبيعية وحدها، وإنما يحول المعرفة والخبرة والوقت ورأس المال إلى قوة اقتصادية متجددة. أما المجتمع الذي يعتاد الاستهلاك أكثر مما يعتاد الإنتاج، فإنه يدخل تدريجيًا في علاقة غير متوازنة مع الخارج، ويصبح جزء كبير من احتياجاته مرتبطًا بالاستيراد وتقلبات الأسواق وأسعار العملات والظروف السياسية والاقتصادية المحيطة به.
ومن هنا تبدأ مشكلة تتجاوز الاقتصاد إلى معنى الاستقلال ذاته، لأن الدولة التي تعجز عن إنتاج جزء مهم من احتياجاتها تصبح أكثر تعرضًا للضغوط الخارجية مهما امتلكت من موارد.
وعند النظر إلى التجربة العراقية، تظهر مفارقة تستحق التوقف طويلًا عندها؛ فالعراق يمتلك موارد طبيعية وبشرية وموقعًا جغرافيًا مهمًا، ومع ذلك ظل الاقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على النفط في تمويل الدولة، بينما بقيت قطاعات صناعية وزراعية وإنتاجية كثيرة تعاني من ضعف الاستثمار وتراجع البنية التحتية والمنافسة غير المتكافئة مع السلع المستوردة.
وهنا تتحول الثروة النفطية من فرصة لبناء اقتصاد متنوع إلى مورد رئيسي لتمويل الاستهلاك العام، فيصبح ارتفاع أسعار النفط مصدر ارتياح مؤقت، بينما يصبح انخفاضها اختبارًا صعبًا لقدرة الدولة على الاستمرار في تمويل التزاماتها.
المشكلة في الاقتصاد الريعي لا تكمن في وجود النفط ذاته، وإنما في الطريقة التي تُدار بها عائداته. فالنفط يمكن أن يكون وسيلة لتمويل بناء المصانع والجامعات والطرق وشبكات النقل والطاقة ومراكز البحث والتطوير، ويمكن أن يتحول إلى أداة لإدامة اقتصاد يعتمد على توزيع العائدات والاستهلاك والاستيراد. والفرق بين الحالتين هو فرق في الرؤية الاقتصادية للدولة؛ ففي الحالة الأولى يتحول المورد الطبيعي إلى قاعدة لإنتاج ثروة جديدة، وفي الحالة الثانية يصبح المورد غاية بحد ذاته، وكلما استمر تدفقه تراجع الضغط باتجاه بناء البدائل.
ومن أكثر المشكلات وضوحًا في الحالة العراقية العلاقة المختلة بين الإنتاج المحلي والاستيراد. فالمستهلك العراقي يجد أمامه سلعا أجنبية متنوعة وبأسعار متفاوتة، فيما يواجه المنتج المحلي تكاليف مرتفعة تتعلق بالطاقة والمواد الأولية والنقل والتمويل والتسويق، فضلًا عن مشكلات تتعلق بالبنية التحتية والإجراءات الإدارية. وعندما يدخل المنتج المحلي السوق في مواجهة منتجات مستوردة تمتلك مزايا سعرية أو إنتاجية أكبر، فإنه يحتاج إلى سياسة اقتصادية توفر له فرصة عادلة للمنافسة، وإلى بيئة تشجعه على تحسين الجودة بدل دفعه إلى مغادرة السوق.
وهنا تظهر مسؤولية الدولة بصورة واضحة، لأن حماية الإنتاج لا تعني إغلاق الحدود أمام السلع الأجنبية أو عزل السوق عن العالم، وإنما تعني بناء منافسة عادلة تسمح للمنتج العراقي بأن يتطور داخل بيئة اقتصادية سليمة. فالسوق المفتوحة تحتاج إلى قواعد، والحرية التجارية تحتاج إلى رقابة، والاستيراد يحتاج إلى معايير جودة وسلامة، والمنتج المحلي يحتاج إلى تمويل وطاقة وبنية تحتية وتكنولوجيا تساعده على المنافسة. وعندما تغيب هذه العناصر يصبح الاستيراد في بعض الحالات أقوى من قدرة الإنتاج المحلي على الصمود.
ولذلك فإن قضية الإنتاج العراقي لا يمكن اختزالها في لوم التاجر أو المستهلك أو الحكومة وحدها، لأن المشكلة أوسع من طرف واحد.
التاجر يبحث عن الربح، والمستهلك يبحث عن السعر والجودة، والمستثمر يبحث عن بيئة آمنة ومستقرة، والعامل يبحث عن وظيفة ودخل مستقر، والدولة تبحث عن الإيرادات. وكل طرف يتحرك وفق مصالحه، فيما تقع مهمة تنظيم العلاقة بينهم على السياسة الاقتصادية العامة التي تستطيع أن تجعل هذه المصالح متكاملة بدل أن تعمل كل واحدة منها ضد الأخرى.
وتزداد خطورة المشكلة عندما تتحول المصانع والمعامل المتوقفة إلى مشهد مألوف، فيصبح وجود المبنى والمعدات والموظفين كافيًا لإيهام المجتمع بأن القطاع الصناعي ما زال قائمًا، بينما تتراجع الوظيفة الأساسية للمصنع، وهي الإنتاج. المصنع الذي لا ينتج يفقد جزءًا من قيمته الاقتصادية، والعامل الذي لا يمارس مهنته يفقد تدريجيًا جزءًا من خبرته، والمجتمع الذي يدفع رواتب لطاقات بشرية معطلة يخسر في الوقت نفسه فرصة إنتاجية كان يمكن أن تتحول إلى قيمة مضافة.
ومن هنا تبدو قضية المصانع الحكومية المتوقفة أكثر تعقيدًا من مجرد إعادة تشغيل خطوط الإنتاج، لأن إعادة المصنع إلى العمل تحتاج إلى دراسة للسوق، وتحديث للتكنولوجيا، وتحديد للمنتجات القادرة على المنافسة، وإدارة مهنية، ونظام تمويل واضح، وربط بين الإنتاج والبحث العلمي والتسويق. بعض المصانع قد تحتاج إلى إعادة تأهيل، وبعضها قد يحتاج إلى شراكة مع القطاع الخاص، وبعضها ربما يحتاج إلى تغيير طبيعة إنتاجه بالكامل وفق احتياجات السوق الحديثة. المهم أن يبقى القرار الاقتصادي قائمًا على دراسة الجدوى والقدرة على الإنتاج، لا على المحافظة الشكلية على مؤسسات فقدت وظيفتها الأصلية.
وتكشف تجربة شركات عراقية كثيرة أن المشكلة لا تبدأ دائمًا عند بوابة المصنع، وإنما قبل ذلك بكثير؛ عند التخطيط الاقتصادي، وعند اختيار نوع المنتج، وعند توفير المواد الأولية، وعند تحديد الأسعار، وعند الوصول إلى السوق. فالمنتج الجيد يحتاج إلى منظومة كاملة تحميه من الاختناق قبل أن يصل إلى المستهلك. وإذا تعطلت حلقة واحدة من هذه السلسلة، فقد يتحول المصنع من مشروع منتج إلى عبء مالي، حتى لو امتلك آلات ومبانٍ وموظفين.
أما أخطر ما يمكن أن يحدث فهو أن يتعايش المجتمع مع غياب الإنتاج حتى يصبح الأمر طبيعيًا في الوعي العام. عندما يعتاد المواطن شراء كل شيء من الخارج، ويعتاد المستثمر التجارة بدل الصناعة، وتعتاد الدولة تمويل الموازنة من مورد واحد، ويتعود العامل على وظيفة لا ترتبط بإنتاج فعلي، تتشكل ثقافة اقتصادية كاملة تقوم على الاستهلاك أكثر من الإنتاج. وحين تصبح هذه الثقافة راسخة، فإن إصلاح الاقتصاد يحتاج إلى تغيير في السلوك والوعي بقدر حاجته إلى تغيير في القوانين والمؤسسات.
وفي المقابل، يستطيع العراق أن يحول جزءًا مهمًا من موارده إلى قاعدة لإعادة بناء اقتصاد إنتاجي متنوع، خصوصًا في قطاعات الزراعة والصناعات الغذائية والدوائية والبتروكيميائية والإنشائية والطاقة المتجددة والصناعات المرتبطة بالموارد المحلية. ولا يحتاج الأمر إلى إنتاج كل شيء داخل البلاد، فهذه ليست قاعدة اقتصادية واقعية في عالم مترابط، وإنما يحتاج إلى تحديد القطاعات التي يمتلك فيها العراق مزايا حقيقية، ثم توجيه الاستثمار والمعرفة والتكنولوجيا نحو تطويرها حتى تصبح قادرة على المنافسة محليًا وإقليميًا.
ويحتاج هذا المسار أيضًا إلى علاقة جديدة بين الجامعة والمصنع، لأن الاقتصاد الحديث لا يقوم على العمالة وحدها، وإنما على المعرفة والتكنولوجيا والابتكار. فالجامعة تستطيع أن تقدم البحوث والحلول، والمصنع يستطيع أن يقدم المشكلات الواقعية التي تحتاج إلى حلول، والدولة تستطيع أن تنظم هذه العلاقة وتوفر التمويل والحوافز. وعندما تتصل المعرفة بالإنتاج، يتحول التعليم من الحصول على شهادة إلى إنتاج قيمة، ويتحول البحث العلمي من أوراق منشورة إلى حلول تدخل السوق وتخلق فرصًا جديدة.
وربما يكون السؤال الأكثر أهمية في هذه القضية هو: ماذا يحدث عندما لا يعود الإنتاج مطلوبًا؟ عندها لا تتوقف المصانع وحدها، وإنما تتوقف معها سلسلة طويلة من المهارات والخبرات والثقة الاقتصادية. يفقد العامل فرصته في تطوير مهنته، ويفقد المستثمر حافزه على المخاطرة، ويصبح السوق أكثر اعتمادًا على الخارج، وتزداد حساسية الاقتصاد أمام الأزمات الخارجية. لذلك فإن قضية الإنتاج ليست قضية صناعية فحسب، وإنما قضية تتعلق بمستقبل المجتمع وقدرته على الاعتماد على طاقاته البشرية والاقتصادية.
العراق لا يحتاج إلى اقتصاد يعيش على فكرة الوفرة النفطية وحدها، وإنما يحتاج إلى اقتصاد يحول هذه الوفرة إلى قدرة إنتاجية مستمرة. النفط يمكن أن يمول مرحلة التحول، والموارد البشرية يمكن أن تقودها، والمعرفة يمكن أن تمنحها اتجاهها، والاستثمار يمكن أن يوسعها، والسياسة الاقتصادية الرشيدة تستطيع أن تحميها من العودة إلى الحلقة الريعية. وعندما يصبح الإنتاج هدفًا مستمرًا للدولة والمجتمع، تتحول الثروة من مورد ينفد إلى قدرة تتجدد، ويصبح العمل أكثر ارتباطًا بالقيمة، ويصبح النمو الاقتصادي أقرب إلى الحياة اليومية للناس.
فالمجتمع الذي ينتج يمتلك فرصة أكبر لصناعة قراره الاقتصادي، والدولة التي تنوع اقتصادها تصبح أكثر قدرة على مواجهة التقلبات، والإنسان الذي يعمل وينتج يشعر بأن جهده يتحول إلى أثر ملموس في حياته ومجتمعه. لذلك فإن السؤال عن الإنتاج العراقي هو في جوهره سؤال عن نوع الدولة التي نريدها، ونوع الاقتصاد الذي نريده، ونوع المستقبل الذي نريد أن نتركه للأجيال القادمة.