كيف صنعنا جحيمنا بأيدينا؟
شبكة النبأ
2026-07-09 04:48
لم تكن المدينة مختلفة عن سائر المدن. ازدحام خانق منذ الصباح، أبواق سيارات لا تتوقف، موظفون يصلون متأخرين، مراجعون غاضبون، نفايات ملقاة في أماكنها الخاطئة، كهرباء تُهدر في مبانٍ فارغة، ومواطن يلعن الحكومة لأنه انتظر ساعة كاملة لإنجاز معاملة لا تستغرق عشر دقائق.
في الطريق نفسه، كان سائق يوقف سيارته وسط الشارع لأنه "لن يتأخر سوى دقيقة". وبعد أمتار قليلة، شاب يرمي عبوة ماء من نافذة السيارة. وفي دائرة حكومية، يؤجل موظف توقيع معاملة إلى الغد لأنه لا يريد أن يبذل جهدًا إضافيًا قبل انتهاء الدوام. وفي مكان آخر، مقاول يغش في مواد البناء، وتاجر يرفع الأسعار بلا مبرر، وطالب يبحث عن أقصر طريق للنجاح لا عن أفضل طريق للتعلم.
في نهاية اليوم، يعود الجميع إلى بيوتهم وهم يتساءلون: لماذا أصبحت الحياة بهذه القسوة؟
لكن السؤال الذي قلّما نطرحه على أنفسنا هو: هل صنعنا نحن جزءًا من هذا الجحيم الذي نشتكي منه؟
لقد اعتدنا أن نبحث عن أسباب أزماتنا في السياسة، أو الاقتصاد، أو الظروف الخارجية، أو تقلبات العالم، مع أن جزءًا كبيرًا من أزماتنا يبدأ من مكان آخر؛ من تفاصيل صغيرة تبدو غير مؤذية، لكنها حين تتكرر ملايين المرات تتحول إلى ثقافة، ثم إلى نمط حياة، ثم إلى واقع يرهق الجميع.
المشكلة ليست في نقص القوانين، فمعظم المجتمعات تمتلك منظومات قانونية وإدارية مقبولة. والمشكلة ليست دائمًا في نقص الموارد، فكم من دول فقيرة أصبحت في مصاف الدول المتقدمة، وكم من دول غنية بقيت أسيرة التخلف. الفرق الحقيقي يكمن في شيء أقل ضجيجًا وأكثر تأثيرًا: الانضباط الذاتي.
فالانضباط ليس مجرد الالتزام بالدوام، أو احترام إشارة المرور، أو تنفيذ التعليمات. إنه أسلوب في التفكير قبل أن يكون سلوكًا في الحياة. إنه القدرة على تقديم المصلحة العامة على الراحة الآنية، واحترام الوقت حتى عندما لا يراقبنا أحد، والقيام بالعمل بإتقان حتى لو لم ينتظر منا أحد كلمة شكر.
ولهذا السبب، لا تبدأ التنمية من مشاريع الإسمنت والحديد، وإنما تبدأ من الإنسان.
لقد أثبتت تجارب دول عديدة أن الثروة الحقيقية ليست في باطن الأرض، بل في طريقة إدارة الإنسان لنفسه. فاليابان خرجت من الحرب العالمية الثانية وهي مدمرة اقتصاديًا وبشريًا، لكنها بنت نهضتها على ثقافة العمل والانضباط واحترام الوقت. وسنغافورة لم تكن تمتلك الموارد الطبيعية التي تمتلكها دول كثيرة، لكنها امتلكت ثقافة مؤسسية جعلت القانون فوق الجميع، والإنتاج قيمة اجتماعية، والإتقان جزءًا من الهوية الوطنية.
في المقابل، يمكن لمجتمع يمتلك كل الإمكانات أن يبقى متعثرًا إذا تحول عدم الانضباط إلى ثقافة يومية.
فالذي يتجاوز القانون لأنه يعتقد أنه أذكى من غيره، لا يدرك أنه يضيف لبنة جديدة في جدار الفوضى.
والذي يبرر التأخير الدائم بعبارة "الأمور بسيطة"، لا يعلم أنه يهدر سنوات كاملة من عمر مؤسسة أو مجتمع.
والذي يعتقد أن الممتلكات العامة ليست مسؤوليته، يشارك في استنزاف المال العام الذي سيعود أثره السلبي عليه وعلى أسرته في نهاية المطاف.
إن أخطر ما في غياب الانضباط أنه لا يظهر فجأة، بل يتسلل ببطء حتى يصبح أمرًا طبيعيًا. يبدأ بتأخير بسيط، ثم يتحول إلى عادة، ثم يصبح ثقافة، ثم يصبح أي شخص ملتزم موضع استغراب، وكأن احترام النظام استثناء لا قاعدة.
ولهذا نجد أن كثيرًا من المشكلات اليومية ليست نتاج قرارات سياسية كبرى، بل نتاج سلوكيات صغيرة متراكمة.
فالازدحام ليس سببه عدد السيارات وحده، بل سوء الالتزام بقواعد المرور.
وتراجع الإنتاج ليس سببه نقص الكفاءات فقط، بل ضعف الالتزام بأخلاقيات العمل.
وهدر المال العام لا يحدث بسبب الفساد الكبير وحده، بل أيضًا بسبب آلاف حالات الإهمال الصغيرة التي يشارك فيها أفراد عاديون كل يوم.
ولهذا فإن التنمية ليست مشروع حكومة فحسب، بل مشروع مجتمع بأكمله.
فالمدرسة التي تربي الطفل على احترام النظام، تصنع موظفًا أفضل في المستقبل.
والأسرة التي تغرس قيمة الالتزام، تربي مواطنًا يحترم القانون.
والجامعة التي تجعل النزاهة جزءًا من العملية التعليمية، تبني قيادات أقل ميلًا للفساد.
والمؤسسة التي تكافئ المنضبط وتعاقب المهمل، تسهم في صناعة اقتصاد أكثر كفاءة.
إن الانضباط لا يختصر الحرية، كما يظن بعض الناس، بل يحميها. فكل دقيقة تضيع بسبب الفوضى هي جزء من حرية الآخرين يُنتزع منهم. وكل تجاوز على القانون هو تقليص لمساحة العدالة في المجتمع. وكل استهانة بالمصلحة العامة هي استنزاف لمستقبل الأجيال القادمة.
ولهذا فإن المجتمعات المتقدمة لا تُعرف فقط بما تمتلكه من تقنيات، وإنما بما تمتلكه من ثقافة احترام للوقت، وللقانون، وللعمل، ولحقوق الآخرين.
أما المجتمعات التي تتسامح مع الفوضى الصغيرة، فإنها تجد نفسها بعد سنوات أمام فوضى كبيرة يصعب السيطرة عليها.
ولعل أكثر ما نحتاج إليه اليوم ليس حملة إعلامية جديدة، ولا شعارات إضافية، بل مراجعة صادقة لأنفسنا.
هل نحترم الوقت فعلًا؟
هل نؤدي أعمالنا بإخلاص عندما يغيب الرقيب؟
هل نحافظ على المال العام كما نحافظ على أموالنا الخاصة؟
هل نلتزم بالقانون لأنه قانون، أم فقط خوفًا من العقوبة؟
هذه الأسئلة تبدو فردية، لكنها في حقيقتها أسئلة تخص مستقبل المجتمع كله.
إن بناء الأوطان لا يبدأ من الموازنات الضخمة، بل يبدأ من الضمير. ولا يبدأ من المراسيم الحكومية وحدها، بل من الإنسان الذي يقرر كل صباح أن يكون جزءًا من الحل لا جزءًا من المشكلة.
وربما يكون السؤال الأكثر إلحاحًا اليوم ليس: لماذا تأخرنا؟ بل كم مرة ساهم كل واحد منا، من حيث يدري أو لا يدري، في تأخير هذا المجتمع؟
فالجحيم الذي نشتكي منه ليس دائمًا قدرًا مفروضًا علينا، بل قد يكون في كثير من الأحيان حصيلة تراكمات صنعناها بأيدينا، ثم اعتدنا العيش فيها حتى ظننا أنها الصورة الطبيعية للحياة.
وحين ندرك أن التنمية تبدأ من الانضباط، وأن الإصلاح يبدأ من إدارة الذات قبل إدارة المؤسسات، سنكتشف أن أعظم ثورة يمكن أن يصنعها الإنسان ليست تغيير الآخرين، بل تغيير عاداته اليومية. فالأمم لا تتقدم بالصدفة، وإنما تتقدم عندما يصبح احترام النظام جزءًا من ثقافتها، ويصبح الانضباط سلوكًا عامًا لا استثناءً فرديًا. ومن هنا فقط يبدأ الخروج الحقيقي من الجحيم الذي صنعناه بأيدينا.