اللاعنف في منهج الإمام الحسن المجتبى (ع)

د. خالد عبد النبي عيدان الأسدي

2026-07-20 01:51

شهد التاريخ الإسلامي المبكر تحولات سياسية واجتماعية عميقة، كان أبرزها ما عُرف بـ"عام الجماعة" في (41 هـ)، وهو العام الذي تجلت فيه أعلى مراتب الحكمة السياسية والشرعية عبر قرار الصلح الذي اتخذه الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب (عليه السلام). لم يكن هذا القرار مجرد مناورة سياسية مؤقتة، بل كان تطبيقًا عمليًا وتأصيلًا معرفيًا لـ"نظرية اللاعنف" وإدارة الأزمات بحقن الدماء وحفظ السلم الأهلي.

لذا سنتتبَّع ملامح نظرية اللاعنف في الفكر السياسي والاجتماعي للإمام الحسن (عليه السلام)، بالاستناد إلى خطبه ورسائله وحكمه المأثورة، مع بيان الأبعاد المقاصدية والأخلاقية التي انطلقت منها هذه الرؤية، على سبيل التمثيل لا الحصر؛ لأنَّ تراث الإمام الحسن (عليه السلام) أكبر وأسمى من أن تحيط به ورقة مقال، لكنَّنا نُشير إلى هذا التراث في هذه الورقة، علَّها تكون مفتاحًا لدراسات وبحوث في تراث كريم أهل البيت (عليه السلام)، فمنهجه في اللاعنف نجده في:

أولًا: المفهوم التأسيسي للاعنف عند الإمام الحسن (عليه السلام)

لا ينطلق اللاعنف في فكر الإمام الحسن من منطلق الضعف أو العجز العسكري، بل من فلسفة مبدئية تقدم "الإصلاح وحقن الدماء" على المصلحة السياسية الضيقة والسلطة الحزبية. فالقوة في منظوره هي ضبط النفس والقدرة على صياغة السلام في أحلك الظروف. وتتجلى هذه الفلسفة في قوله (عليه السلام) موضحًا حقيقة الشرف والمنعة: "العظمةُ أنْ تَحتمِلَ المَغْرَمَ، وتَبْذُلَ المَغْنَمَ"(1)، حيث إن تأخير "المغنم"، وهو السلطة والحكم في سياق الصلح، بهدف تحمّل "المغرم"، وهو حفظ دماء الأمة ووحدتها، يمثل الركيزة الأساسية لسياسة نزع السلاح وإحلال السلم البديل. وبهذا جاءت الجملة الاسمية لتفيد الثبات وتوطيد المفهوم التأسيسي للبذل، حتى ولو كان على حساب مصلحته الشخصية، فقد أعطى الإمام المجتبى في هذا القول أروع مقاليد الإيثار من أجل إحلال السلام ونبذ العنف.

ثانيًا: تجليات نظرية اللاعنف في الخطب والرسائل

يمكن تقسيم معالم اللاعنف في خطاب الإمام الحسن إلى محاور عدَّة، منها:

1. تقديم السلم الأهلي على مكاسب السلطة: في خطبته الشهيرة بعد إبرام الصلح، أوضح الإمام الحسن (عليه السلام) للجمهور الدوافع الحقيقية وراء خطوته، مؤكدًا أن معيار النجاح والفشل ليس الحيازة المادية للسلطة، بل صيانة الأمة من الفناء. إذ قال (عليه السلام): "أيها الناس، إنّ أكْيَسَ الكَيْسِ التُّقَى، وأعْجَزَ العَجْزِ الفُجُورُ، وإنّ هذا الأمر الذي اختلفْتُ فيه أنا ومعاويةُ هو حَقٌّ كان لي تَرَكْتُهُ لِمُعاويةَ إرادةَ صَلاحِ هذه الأمةِ، وحَقْنِ دمائِها"(2). وبهذا التنبيه كشف الإمام الحسن السبط (عليه السلام) للناس أنَّ الحق له، وأنَّه آثر فيه لمعاوية حقنًا لدمائهم، وهذه من الكياسة التي يجب على كل حاكم أن يتحلَّى بها لأجل البقاء على حياة شعبه؛ لأنَّ الحكم غايته صيانة حياة الإنسان، وليس العمل على فنائهم.

2. معالجة سيكولوجية العنف والتطرف: كان المجتمع الكوفي يعيش حالة من الغليان والاحتقان العسكري، وقد واجه الإمام الحسن (عليه السلام) هذا التيار المتطرف بخطاب عقلاني هادئ، مبينًا أن الشجاعة الحقيقية ليست في الاندفاع نحو الحرب العمياء، بل في امتلاك البصيرة. وفي حوار له مع من عتب عليه من أصحابه لاعتزاله الحرب، قال: "إني خشيت أن يُجتث المسلمون عن وجه الأرض، فأردت أن يكون للدين ناعق"(3). هذا الوعي بالمآلات يمثل في الفكر السياسي الحديث ما يُسمى "أخلاق المسؤولية" أو (Ethics of Responsibility)، حيث تُقاس الأفعال بنتائجها وآثارها على حياة البشر ومستقبلهم. وقد عمل الإمام الحسن بالإبقاء على حياة المسلمين لمعرفته بمآل الحرب والمواجهة التي ستؤدي إلى الفتك بالمسلمين، وفل عضدهم، وتشتت أهوائهم، فنظر بعين المتبصِّر في منظار المستقبل الذي سيخلو من المفهوم الأساس للإسلام، فالحفاظ على المسلمين يؤدي إلى استمرارية الدين الذي أراده رسول الله (صلى الله عليه وآله).

ثالثًا: القواعد الأخلاقية والاجتماعية للاعنف في حِكمه (عليه السلام)

لم يقتصر فكر اللاعنف عند الإمام الحسن على الجانب السياسي والصلح الشهير، بل تعداه ليكون منهجًا سلوكيًا وتربويًا لبناء مجتمع متسامح، ويمكن رصد ذلك عبر ما جاء في سيرته العطرة، وذلك نجده في:

1- الحكمة المأثورة عن الإمام الحسن (عليه السلام) في البُعد الأخلاقي والاجتماعي لنبذ العنف، إذ قال: "الحِلْمُ كَبْتُ الغَيْظِ، ومِلْكُ النَّفْسِ"(4). فالسيطرة على الانفعالات الأولية المسببة للعنف الفردي والمجتمعي من ملك النفس عند الغيظ تؤدي إلى التحلُّم والحفاظ على التماسك المجتمعي، وهذا هو الحلم في مفهوم كريم أهل البيت (عليهم السلام).

2- التكافل الاجتماعي: يتميَّز الإمام الحسن بحثِّه على التعاون والتكافل والانسجام المجتمعي، وفي ذلك قال: "السَّمَاحُ هُوَ الْبَذْلُ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ"(5)، أراد بذلك تعزيز روح التكافل لنزع فتيل العنف الاقتصادي والطبقي.

3- التسامح وإشاعة روح المحبَّة: دعا الإمام الحسن (عليه السلام) إلى بث روح التسامح في المجتمع، وقد أشرنا إلى ذلك في مقال سابق بعنوان "الأسلوب الحكيم عند الإمام الحسن (عليه السلام)" وفصَّلنا القول فيه. ومن أقواله المأثورة في التسامح قوله: "لا تُعاجِلِ الذَّنْبَ بِالعُقُوبَةِ، واجْعَلْ بَيْنَهُما لِلإعْتِذارِ طَرِيقًا"(6)، ففتح باب الحوار والتسامح وإعطاء الفرصة للآخر للتراجع دون اللجوء إلى القوة، وهذا من أبرز مظاهر نبذ العنف والمواجهة المهلكة.

رابعًا: الأبعاد المقاصدية لصلح الإمام الحسن (عليه السلام)

إنّ قراءة فكر الإمام الحسن (عليه السلام) بعيون المعاصرة تكشف عن تأصيله لثلاثة مقاصد كبرى في نظرية السلم واللاعنف، منها حفظ النفس الإنسانية: وهو المقصد الشرعي الأعلى الذي قدمه الإمام على الحقوق السياسية الشرعية الخالصة له.

والاستقرار الاجتماعي: وهو إيقاف سلسلة الحروب الأهلية، الجمل وصفين والنهروان، التي أنهكت الجسد الإسلامي، وإعطاء فرصة لالتقاط الأنفاس وبناء المجتمع داخليًا.

والتأسيس الفقهي لمعاهدات السلام: أصبح صلح الإمام الحسن أصلًا فقهيًا وقانونيًا تستند إليه الأمة في جواز مهادنة الخصوم وحقن الدماء إذا كانت المصلحة العليا تقتضي ذلك(7).

خامسًا: التطبيقات العملية لسياسة اللاعنف في إدارة الأزمات

لم تقف نظرية اللاعنف عند الإمام الحسن (عليه السلام) عند حدود التنظير الشفهي، بل تُرجمت إلى "آليات عمل واستراتيجيات ميدانية" نجحت في تفكيك بنية العنف والتطرف في واحدة من أعقد المراحل التاريخية، وذلك نجده في:

1- استراتيجية "نزع السلاح النفسي" للخصوم: من أبرز تطبيقات اللاعنف عند الإمام الحسن قدرته على تحويل العداء الشخصي أو السياسي إلى مساحة من السلام عبر الحوار والرفق؛ لذا يُروى أن رجلًا من أهل الشام، ممن تعبأوا بروح العداء والشحن السياسي ضد أهل البيت، لقي الإمام الحسن راكبًا، فجعل يلعنه والإمام لا يرد. فلما فرغ، أقبل الإمام إليه ضاحكًا وقال: "أيها الشيخ، أظنك غريبًا، ولعلك شُبِّهت... لو استعتبتنا أعتبناك، ولو سألتنا أعطيناك..."(8). هذا السلوك يمثل تطبيقًا لآلية "امتصاص الغضب ومقابلة العنف اللفظي بالاحتواء الأخلاقي". والنتيجة كانت تحولًا جذريًا في موقف الرجل الذي قال: "الله أعلم حيث يجعل رسالته". إن اللاعنف هنا أداة تفكيك لمنظومة الكراهية من جذورها.

2- التنازل عن البنية العسكرية لحظر "الحرب الأهلية": في الفكر السياسي المعاصر، يعد دمج الجيوش أو تسريحها من أصعب خطوات الانتقال نحو السلم. عندما وجد الإمام الحسن (عليه السلام) أن استمرار الحرب يعني إبادة ما تبقى من خيرة صحابة النبي (صلى الله عليه وآله) والتابعين، وعزل المجتمع في دوامة ثأر لا تنتهي، اتخذ قرارًا بحل الجيش ودمجه حقنًا للدماء.

3- الخطاب الداعم: قال (عليه السلام) يبرر هذا الإجراء الحاسم: "إني رأيت هوى عظم الناس في الصلح، وكرهوا الحرب، فلم أحب أن أحملهم على ما يكرهون، فصالحتُ بقيًا على شيعتنا خاصة من القتل، ورأيت دفع هذه الحروب إلى يوم ما"(9). في هذا الموقف يُشير الإمام الحسن (عليه السلام) إلى المسؤولية الجماعية، وأنّ الحاكم لا بدّ له من النظر في شؤون العامّة قبل اتخاذ أيّ قرار سياسي؛ لما له من تأثير على مستوى المصلحة العامَّة.

سادسًا: آليات السلم الاجتماعي في حِكم الإمام (عليه السلام)

يقدم الإمام الحسن (عليه السلام) في حِكمه وتوجيهاته شبكة من "القواعد السلوكية" التي تحمي المجتمع من التفتت والنزاعات الداخلية، العنف الهيكلي والمجتمعي:

1- صناعة "ثقافة الاعتذار والمقبولية": العنف غالبًا ما يقتات على الكبرياء الزائف وعدم قبول الآخر. يعالج الإمام الحسن هذا الخلل بقوله: "لو شتمني رجل في أذني هذه، واعتذر لي في الأخرى، لقبلت عذره"(10). وهذا تأسيس لثقافة "المسامحة الاجتماعية" التي تقطع الطريق على الثارات الفردية والقبلية، وهو ما يسمى اليوم في مراكز فض النزاعات بـ(Restorative Justice) أو "العدالة التصالحية".

2- محاربة "العنف اللفظي" والتسقيط الأخلاقي: يُعد اللسان أداة العنف الأولى التي تسبق حركة السلاح، وقد وضع الإمام حدًا قاطعًا للغيبة والنميمة والتحريش بين الناس، معتبراً إياها وقود الفتن، قال (عليه السلام) لرجل اغتاب عنده رجلًا: "إياك والغيبة، فإنها إدام كلاب النار"(11). وهذا الردع يكشف عن نشر اللاعنف في الأوساط المجتمعية، وبالتالي يؤدي إلى زيادة اللحمة وقوة الانسجام، وتقويض المآرب التي غرسها من يتربص بالمجتمع الدوائر، ويروم تفكيكه.

سابعًا: القيمة الحضارية لمعاهدة الصلح كأعلى تطبيق للاعنف

لم تكن معاهدة الصلح مجرد وثيقة استسلام، كما حاول بعض المؤرخين تصويرها، بل كانت "وثيقة حقوقية لحقن الدماء" فرض فيها الإمام الحسن (عليه السلام) شروطًا تضمن أمن المجتمع ونزع فتيل الملاحقات الأمنية والسياسية، منها ما جاء في بند الأمان: حيث اشترط الإمام الحسن أن "يُعطى الأمان للمواطنين كافة، أحمرهم وأسودهم، وأن لا يُلاحق أحد بتبعات ماضية"(12). فالبعد الاستراتيجي للاعنف هنا أن قبول شروط الصلح حوّل "اللاعنف" من موقف أخلاقي ذاتي إلى "اتفاقية دولية ملزمة" شهد عليها المجتمع آنذاك، مما كشف لاحقًا للرأي العام أي الطرفين كان يبتغي الصلاح، وأيهما كان يبتغي السلطة كغاية بحد ذاتها، تحت إطار "الغاية تُبرر الوسيلة". وبذلك حقق اللاعنف نصرًا فكريًا وتاريخيًا طويل الأمد وممتدًا عبر العصور، ثبت بجهود السبط المنتجب، والدليل العالم، والوصي المبلغ، الإمام الحسن (عليه السلام).

الاستنتاجات

مما تقدَّم نستنتج الآتي:

1- إن نظرية اللاعنف في سيرة الإمام الحسن بن علي (عليه السلام) لم تكن خيارًا اضطراريًا عابرًا، بل كانت رؤية استراتيجية واعية ومنهجًا أخلاقيًا متكاملًا.

2- لقد أثبت الإمام الحسن أن "صناعة السلام" تتطلب شجاعة أدبية وفكرية قد تفوق أحيانًا شجاعة خوض المعارك، وأن الحفاظ على الإنسان هو الغاية الأسمى لكل النظم والتشريعات.

3- أشار الإمام إلى أنَّ منهج العنف يؤدي إلى: وسيلة التغيير بالسلاح، والتحريش، وإذكاء الفتن، والتعبئة العاطفية العمياء. أمَّا اللاعنف فيؤدي إلى: الحوار، والصلح المشروط، والعفو، وبناء الوعي الفكري والروحي.

4- العنف يؤدي إلى النظرة للخصم بالإبادة والإقصاء التام والتشفي. أمّا اللاعنف فيؤدي إلى استيعاب الآخر، وفتح منافذ التراجع، والتركيز على المصلحة العامة.

5- العنف يحصل على مكاسب آنية سريعة في المدى الزمني القريب للحكم، تنتهي غالبًا بانهيار مجتمعي. أمَّا اللاعنف فينظر إلى استراتيجية بعيدة المدى حفظت هوية الأمة ودماءها للأجيال القادمة، وهذا ما دأبت عليه سيرة الإمام كريم أهل البيت (عليهم السلام)، فصار سراجًا في دياجي غابات العنف، وانسجامًا في زمن التيه والغفلة والتشتت، فالسلام عليه يوم وُلد، ويوم استُشهد، ويوم يُبعث حيًّا.

* مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث/2002–Ⓒ2026

http://shrsc.com

...........................................

[1) ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، دار الكتاب العربي، بيروت، ج16، ص12.

[2) الشيخ المفيد، الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد، مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، قم، ج2، ص14.

[3) ابن الأثير، الكامل في التاريخ، دار صادر، بيروت، ج3، ص406.

[4) الحراني، ابن شعبة، تحف العقول عن آل الرسول، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، ص225.

[5) المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ج75، ص102.

[6) ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق، دار الفكر، بيروت، ج13، ص251.

[7) القرطبي، أبو عبد الله، الجامع لأحكام القرآن، تفسير القرطبي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، في تفسير قوله تعالى: "وإن جنحوا للسلم فاجنح لها".

[8) المبرد، محمد بن يزيد، الكامل في اللغة والأدب، دار الفكر، بيروت، ج1، ص245. قصة الرجل الشامي مع الإمام الحسن.

[9) الدينوري، ابن قتيبة، الإمامة والسياسة، المعروف بتاريخ الخلفاء، دار الأضواء، بيروت، ج1، ص163.

[10) ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق، دار الفكر، بيروت، ج13، ص260.

[11) الإربلي، علي بن عيسى، كشف الغمة في معرفة الأئمة، دار الأضواء، بيروت، ج2، ص196.

[12) ابن حجر العسقلاني، الإصابة في تمييز الصحابة، دار الكتب العلمية، بيروت، ج2، ص64.

ذات صلة

كيف نصنع حضارتنا؟السيدة رقية (ع) والضمير الإنساني: هل أصبحنا أكثر قدرة على حماية الأطفال أم مشاهدة مآسيهم؟الفساد الأخطرالقصةُ وما فيها من أبعادٍ تربويةمن وحدة المحور إلى تعدد المصالح