في ذكرى مولده: الإمام الرضا يتحدى السلطة بالسلاح الأقوى

محمد علي جواد تقي

2026-04-28 04:48

"إن لفي صُلبِكَ عالمُ آل محمد و ليتني أدركته فرأيته".

الإمام الصادق يخاطب ابنه موسى الكاظم، عليهما السلام

العلم والمعرفة مرام الإنسان طوال حياته، والتعبير الغريزي عن حب الإطلاع والاكتشاف منذ أول نفس له في هذه الحياة، وبمقدار استيعابه، تكون قوة شخصيته وتأثيره في الحياة، وقد جاءت الرسالات الإلهية لتولي هذا الجانب أهمية بالغة وتحثّ الانسان على طلب العلم والتفكّر ليكون المصباح الهادي الى الحرية الحقيقية، كما تكون الوسيلة التي يحارب بها كل أشكال العبودية لنظيره الانسان، ومن ثمّ؛ يكون الانسان المقتدر والناجح في الحياة. 

وكما هي مهمة الانبياء والمرسلين عبر التاريخ، فان الأئمة المعصومين، عليهم السلام، يمثلون الامتداد الطبيعي لتلك المهمة، وهي تحديداً كانت مصدر مخاوف حكام الجور والطغيان لما يجدون فيها النور الذي يكشف حقيقة شخصيتهم الوضيعة أمام الناس، وتهديداً لوجودهم في قمة السلطة، وهذا ما تجسّد جلياً في حياة الإمام الرضا، عليه السلام، الذي نعيش هذه الايام ذكرى مولده السعيد في الحادي عشر من شهر ذي القعدة الحرام، وكان في الطرف الآخر؛ المأمون العباسي الذي يعده بعض المؤرخين من أذكى الحكام العباسيين لأنه ابتكر للمرة الأولى اسلوب المواجهة بسلاح العلم والمعرفة ضد المسيرة الرسالية لأهل بيت رسول الله، بعد أن كان المعروف في الأمة اسلوب التغرير، والتضليل، والقتل، منذ عهد معاوية، مروراً بالحكام الأمويين، ومن بعدهم العباسيين.

الحدّ الفاصل بين الحب والمعرفة

وهذا كان أحد أهداف الامام الرضا، منذ توليه الولاية من بعد أبيه الامام الكاظم، عليهما السلام، فقد كان المسلمون طيلة السنوات الماضية يكنون الحب الشديد للأئمة المعصومين لطيب أخلاقهم، وحسن معاشرتهم للناس، حيث الكرم، والسخاء، والعفو، والتواضع، وسائر الفضائل التي شحّت على ابناء الأمة آنذاك في ظل نظام اجتماعي وسياسي فاسد، ونضيف سبباً آخر، ربما يكون الأقوى؛ قرابتهم من رسول الله، وتداولهم الاحاديث المروية عنه، صلى الله عليه وآله، بوجوب حبهم والتودد اليهم، والقضية تعود الى عهد الامام الحسين، عليه السلام، فقد كان الناس يجهشون بالبكاء في الكوفة لمجرد أن ينطق الامام السجاد بكلمة، او تتكلم العقيلة زينب، بينما بالأمس شاركوا بأنفسهم في قتل الامام الحسين، عليه السلام، وهكذا الحال استمر مع سائر الأئمة المعصومين، فقد كانت أزمة العلم والمعرفة تفتك بعلاقة افراد الأمة بأئمتها وقادتها من بعد رسول الله.

حتى في عهد الامام الصادق، عليه السلام، حيث نقرأ في التاريخ ازدحام ثلاثين ألف راوٍ وفقيه على المجلس العلمي للإمام، وهم يقولون: "حدثني جعفر بن محمد"، بيد أن التلاميذ الحقيقيين والأصحاب الخُلص المقربين لم يكونوا سوى على عدد أصابع اليد، مثل هشام بن الحكم، ومحمد بن مسلم، و زرارة بن أعين، ممن كانوا يعرفون حقيقة الامام الصادق حق معرفته، ولم يكونوا مثل أولئك الآلاف المؤلفة التي حاول أحدهم التغرير بهم عنده، عليه السلام، على أنهم سيوف مشرعة بين يديه اذا ما خرج عن صمته وأفتى بالجهاد ضد السلطة، وبينا هو يكثر في الثناء على اصحابه، جاء أحد اصحاب الامام، فطلب الامام منه الدخول في تنور قريب منهم مسجور بالنار، فلم يتردد لحظة واحدة، كما لو انه طلب منه الجلوس على السجادة، فدخل وسط دهشة ذلك الرجل "الثائر" القادم من خراسان. 

وفي طريقه الى خراسان، كان الناس يستقبلون الامام الرضا بدموع الفرح، وصرخات الهتاف بحياته، وفي بعض المصادر أنهم كان يُغشى عليهم من شدة البكاء فرحاً وسروراً للقائهم بالامام الرضا! بينما الإمام وسط هذه المشاعر الجياشة أطلق حديثه الشهير المعروف بحديث سلسلة الذهب استجابة لطلب عدّة من العلماء و رواة الحديث خلال وجوده في مدينة نيسابور، بأن "يا ابن رسول الله! ترحل عنّا ولا تحدثنا بحديث نستفيده منك؟ وكان في داخل المحمل أو الهودج على دابة، فأطلع رأسه منها وقال: "سَمِعْتُ أَبِي مُوسَى بْنَ جَعْفَرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبِي جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبِي مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبِي عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبِي الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبِي أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ عليه السلام يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه و آله يَقُولُ: سَمِعْتُ جَبْرَئِيلَ يَقُولُ: سَمِعْتُ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ حِصْنِي فَمَنْ دَخَلَ حِصْنِي أَمِنَ مِنْ عَذَابِي فَلَمَّا مَرَّتِ الرَّاحِلَةُ نَادَانَا بِشُرُوطِهَا وَ أَنَا مِنْ‏ شُرُوطِهَا".

وحسب المؤرخين فان الامام الرضا، عليه السلام، كرر هذا الحديث مرات عدّة في طريقه من المدينة الى خراسان لينشر أهم فقرة في العقيدة، وهي؛ التوحيد لمواجهة أكبر تحدٍ فكري واجه الأمة في عهده، وهو؛ الجحود، والتشكيك بوجود الخالق، و ظهور تيارات الجدل والزندقة برجالاتها، وفي ظل صمت سلطوي مقصود. 

ولعل حادثة المحاورة التاريخية بين الامام الرضا، عليه السلام، و رؤساء الأديان وأصحاب الكلام (الفلسفة) بدعوة خاصة من المأمون العباسي، واحدة من أبرز جولات الإمام الرضا الفكرية لنشر علوم ومعارف الإسلام الحقيقية كما وصلت من الوحي الى جدّه المصطفى، وكان المأمون يتصور –كما تصور من قبله الحكام، وعامة الناس- أن الامام الرضا، عالمٌ كأي عالم آخر، يمكن محاججته ومجادلته والإطاحة به باسلوب الجدل والمغالطة، وكان من المدعوين؛ عمران الصابئي، الذي كان يخشاه الناس لشدّة جدله ومراوغته في الكلام، ولكنه انحنى أمام الامام الرضا في نهاية المطاف، كما انحنى "الجاثليق"، وهو ممثل النصرانية آنذاك، و"رأس الجالوت"، ممثل اليهودية عندما حاججهم بكتبهم المقدسة فلم يكن لهم خياراً سوى الاستسلام لأدلة وبراهين الإمام الرضا.

علماً أن الامام الرضا سبق وأن خاض حواراً مع الزيدية والمعتزلة في البصرة خلال مسيره الى خراسان، وحسب الرواية التاريخية فان الإمام طلب من مضيفه؛ الحسن بن محمد بأن "احضر جميع القوم الذين حضروا عند محمد بن الفضل وغيرهم من موالينا، واحضر جاثليق النصارى، ورأس الجالوت، و مر القوم يسألون عما بدا لهم".

صدمة المأمون والاستعانة بالاجنبي 

منذ البداية يمكننا التأكيد بفشل المأمون العباسي في مواجهة تيار الرسالة السماوية عندما استعان بالفكر الاجنبي المستورد، ولم يستخدم علمه أو ذكائه الذي تحدث عنه البعض في كتب التاريخ، فراح يبحث عن الافكار والنظريات في الكتب القديمة التي خلفها الفلاسفة في اليونان القديمة، وفي بلاد فارس التي كانت تدعو الى عبادة الحاكم على أنه مثل الشمس في السماء، وما على العباد سوى الطاعة دون نقاش، بمعنى محاربة العلم والمعرفة بشكل غير مباشر، وفي محاضرة له عن حياة الامام الرضا، عليه السلام، يتحدث سماحة السيد محمد رضا الشيرازي –طاب ثراه- عن سياسة التجهيل في الأمم السابقة والتي استعان بها المأمون بأن إيران القديمة أُبتليت بمشكلةٍ إقتصادية كبيرة، فبادر أحد الأفراد من أثرياء الطبقة المحكومة، لتقديم حلّ إلى الدولة وقال: أنا أتكفّل بحل هذه المشكلة ولكن بشرط، وهو السماح لابني بالتعلّم، فرفضت تلك الحكومة وذلك الحاكم هذا الشرط".

وتصور المأمون أنه باستيراد الكتب الفلسفية وترجمتها الى العربية، ثم نشرها في البلاد الاسلامية يغري الناس بالتعكّز على العقل وعدّه الوسيلة الوحيدة للوصول الى الحقائق، بيد أن هذا المنحى من التفكير خلق له أزمة فكرية جديدة في العقيدة، تحولت الى لوثة وداء وبيل ما زالت الأمة تعاني منها، عندما جعل طريقة الإيمان بالله –تعالى- من خلال العقل وحده، بينما القرآن الكريم يصرّح بوضوح بأولوية "الغيب"، وأنه من الشروط الأساس للإيمان بالله –تعالى- واليوم الآخر، وبقيمه وأحكامه، وكانت البذرة الأولى لهذا التيار؛ دعمه لفكرة "الاعتزال" الداعية للتقوقع حول العقل وحسب، فكل ما يتوافق مع العقل مقبول، وإلا فلا، بمعنى أن دخول ذلك الرجل المؤمن الى التنور المسجور بالنار بأمر من الامام الصادق، عليه السلام، كان نوعاً من الانتحار المخالف للعقل وربما الشرع بالنسبة للمعتزلة الذين قويت شوكتهم في ظل حكم المأمون عندما اتخذ هذا النمط من التفكير مذهباً رسمياً للدولة العباسية في عهده. 

هذه "الثقافة المضادة"، وفق تعبير الفقيه الشيرازي، هي التي شقت الطريق أمام علماء دين مسلمين في فترات زمنية لاحقة لأن يتحولوا الى فلاسفة على شاكلة الفلاسفة اليونان، يتخلّون عن المباني الدينية في التفكير ويتعكزون على العقل والتصورات الذهنية بظنهم يصلون بها الى مرافئ الحقيقة، ولكن النتيجة كانت أن يدّعي أحدهم بأن "الله لا يعلم ذاته"! وآخر يقول: "وقيل لا يعلم معلولاته"، أي ربما يعلم بذاته ولكنه لا يعلم بوجودنا نحن البشر! وآخر يدّعي أن الله –عزّ وجلّ- كان مُجبراً على خلق البشر ليتعرفوا عليه"! 

كل هذا والمأمون كان يستمع ويرى ويتفرج على تلكم الفعاليات من مجادلين وزنادقة وجاحدين في أوساط الأمة دون أن يحرك ساكناً، في ظنه أن يواجه الامام الرضا بهذا الاسلوب، ويحجم من مكانته العلمية والاجتماعية، بينما غفل عن غِنى الامام الرضا، وسائر الأئمة المعصومين عن أي مكانة او مرتبة ظاهرية بين الناس، فمكانتهم ومرتبتهم عند الله –تعالى-، كما صرح رسول الله، في حق الحسنين: "الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا"، فطبيعة الوضع الاجتماعي والسياسي لن يؤثر على مكانة الأئمة ودورهم الريادي والحضاري، فهم كالشمس الساطعة لا يخفيها شيء، يبقى على الناس استثمار الفرص لأخذ ما يستوعبونه من العلوم والمعارف لما يفيدهم لدنياهم وآخرتهم.

ذات صلة

مركز آدم ناقش.. دور الشباب في تصحيح مسار الديمقراطية التمثيلية في العراقالاطار التنسيقي بين الانقسام وأزمة الحسم!!تخزين النفط العراقي بالخارج: فرص ضائعة ومليارات مفقودةكيف تعرف ما تريده حقاً؟العراق والمنعطف الحرج للإصلاح