تجربة العلاقة بالقائد الغائب

محمد علي جواد تقي

2026-02-04 03:27

حقاً؛ إنها لتجربة فريدة من نوعها في مجالات العمل بالحياة، كأن تكون داخل مؤسسة انتاجية، او مؤسسة عسكرية، و أينما كان للهرم القيادي دوره في ادارة الحياة، حتى داخل الأسرة الصغيرة وأنت تفتقد للقائد ولربّ الأسرة، فالمعروف ضرورة وجود القائد أو المرشد لتحديد المسار وإعطاء التوجيهات اللازمة، لاسيما في ظروف الأزمة والمواجهة مع خطر داخلي او خارجي. 

لنفترض جدلاً –وهو افتراض محال- أن بلداً يواجه بلداً آخر يمتلك قدرات عسكرية واقتصادية فائقة قادرة على قتل ابنائه بالجوع والموت المريع، وهو فاقد للقائد الموجّه الى حيث الخلاص، او توفير الأمن والاستقرار له، فضلاً عن التفكير بالانتصار عليه.

أمرٌ يصعب تصوره في ظل المعايير السياسية في هذا العالم، بيد أنه أمرٌ واقع في ظل المعايير والسُنن الإلهية عندما تكون أمة الإسلام بتعدادها الحالي مليار ونصف المليار نسمة من دون قائد يرشدها الى أفضل الطرق للتعامل مع الاحداث والتحديات الماحقة، ولعل هذا ما يجعل الأمة تجمع على حاجتها الى المنقذ آخر الزمان، مع الاختلاف في العقيدة بين أن يكون الإمام المنقذ حيّاً يرزق، وهو مولود منذ اثني عشر قرناً من الزمان، او أنه سيولد في ساعة الظهور، وهذا ليس مدار بحثنا، بقدر ما يهمنا كمسلمين في كيفية التعامل مع قائد غائب أمام بلدان وأمم منافسة لها قادة يعيشون معهم ويضخون لهم الفكر والعقيدة والعلم والمعرفة بشكل مباشر، فيما نحن نعيش وضعاً لا يمكن وصف سوءه في المجالات كافة.

رجال الهدم والبناء معاً

عندما نشهد نهضة جماهيرية للإطاحة بنظام ديكتاتوري ظالم، وهي محفوفة بشعارات الخلاص، واستذكار المظالم المريعة لمزيد من إذكاء الحماس والعاطفة لتحقيق التغيير المنشود، يغيب عن ذهن الكثير ما يجب فعله في مرحلة ما بعد الانتصار على الديكتاتورية، وهل تسود قيم الحق مثل؛ العدل والحرية والمساواة والأمان التي ضحى من أجلها المجاهدون المؤمون؟ وكيف السبيل الى ذلك؟

مرحلة الهدم لنظام حكم جائر كنظام صدام في العراق –مثلاً- يعد عملاً جباراً بكل المعايير، فقد سبقته تضحيات جمّة وبطولات عظيمة لسنوات طوال، بيد أن مرحلة البناء تعد أكبر وأصعب لأننا أمام نمط جديد من الحياة، وايضاً نمط جديد من الانسان يتحول من الكبت، والسجون، والقتل البشع، وسحق للانسانية باشكال فضيعة، الى رحاب الحرية، والتنمية، والتطور، والتملّك. 

في تجارب الأمم والشعوب، يختلف جيل هدم الديكتاتورية عن جيل بناء الديمقراطية، أو جيل مقاومة الاحتلال، عن جيل البناء السياسي والاقتصادي، فيكون ثمة فصل، او إقامة نوع من التواصل الحذر لتبادل التجارب حتى تكون الانتقالة بحكمة لاستحصال الفائدة الأكبر وتجنب الأخطاء، وأكثرها خطورة؛ استنساخ ديكتاتوريات جديدة من رحم المعارضة والمقاومة!

أما رجال القائد الغائب يختلفون تماماً مع هذه المعادلة باختلاف الظروف الاستثنائية، فهم رجال دولة عالمية يعمّها العدل والأمن والحرية، فلا وقت للتحول من مرحلة الى أخرى، فالذي يفكر بإزالة شيء سيئ ، عليه التفكير في نفس الوقت ببديله الأفضل.

ولعل هذه الجزئية تحديداً تكون فرصة عملية لنا لصنع رجال من هذا النوع يفيدون حاضرهم وتجارب تغييراتهم السياسية والاجتماعية في بلدانهم المأزومة، ومن ثمّ يكونوا على أتمّ الاستعداد ليوم الظهور الموعود، عسى الله أن يرزقهم التزامن ويشهدوا ذلك اليوم العظيم.

إن ما نعيشه اليوم من فجوة مؤسفة بين النظرية والتطبيق، وبين القيم السماوية التي ضحى من أجلها النبي الأكرم، وأهل بيته والأولياء الصالحين، والواقع الاجتماعي والثقافي الراهن، هو وليد هذا التعارض، فنحن نرفع شعارات الانتظار لليوم الموعود، و الرجاء بأن نكون من رجال الإمام المهدي المنتظر، وأن نكون جنوداً أوفياء مخلصين و... وغيرها من الأماني الجميلة، بيد أن الجميل ايضاً عند الإمام، عجل الله فرجه- رؤية استعداد كامل من الناحية النفسية والفكرية للتغيير الشامل في العالم، وأن نعين الإمام على أن يملأ الأرض قسطاً وعدلا كما مُلئت ظلماً وجورا، فهي مهمته، سلام الله عليه، مع ثلثمائة وثلاثة عشر قائد، بينهم خمسون امرأة، ويذكر سماحة الفقيه السيد محمد رضا الشيرازي –طاب ثراه- في إحدى بحوثه عن يوم الظهور، راوية من كتاب "كمال الدين وتمام النعمة"، بأن هذا اليوم "متوقف على ثلاثمائة وثلاثة عشر من أهل الإخلاص الذي لا شائبة فيهم، ولكن المرحلة الثانية، وهي مرحلة القيام تتوقف على عشرة آلاف رجل". 

صفات مميزة

من الجيد معرفة الصفات الخاصة التي تميز رجال الإنقاذ العالمي وفق معيار الإمام الحجة المنتظر والمنقذ الأكبر لهذا العالم. 

في كتابه "لماذا الغيبة"، لسماحة الفقيه الشيرازي –طاب ثراه- نجد ثلاث صفات لها دلالات في سمو الشخصية الانسانية، ودور مباشر في نجاح الانسان الطامح لأن يكون ذو شأن في أي عملية تغيير حقيقي لواقعه السيئ والفاسد:

الشرط الأول: التسليم المحض

إنه الشرط الأساس لكل أولياء الله الصالحين ممن نجحوا في وضع بصماتهم في وجدان وواقع الأمة منذ عهد النبي الأكرم، وحتى اليوم، وعلى أساس هذا الشرط تقوم مناقب وصفات أخلاقية و روحية، كما جاء في الزيارة التي دونها الإمام الصادق، عليه السلام، لعمّه العباس: "أشهد لك بالتسليم والوفاء والنصيحة لخلف النبي المرسل"، فالشهادة الأولى بتحقق التسليم عند أبي الفضل العباس، بأن يكون فداءً لإمامه الحسين، عليه السلام، وهذا التسليم بحد ذاته، هو الذي أعطاه هذه المرتبة الإلهية العظيمة، وإلا فان صفات مثل الإخلاص، والوفاء، والتقوى، والتواضع، وغيرها من الخصال الطيبة والعظيمة ربما تكون على رمال تحركها الظروف النفسية والاجتماعية في كل لحظة. 

وسماحة الفقيه الشيرازي وعلماء كثيرون يسردون قصصاً لمقربين من الإمام الحجة، وقد حظوا بالمشاهدة والمحادثة، بما يعني بلوغهم مراتب الإيمان واليقين والشفافية، بيد أنهم في لحظة اختبار حرج، يسقطون فجأة ويخسرون الى الأبد مرتبة "واجعلنا من أنصاره وأعوانه والمستشهدين بين يديه"، لأن تسليمهم كان جزئياً، جزءٌ منه للإمام الحجة المنتظر، وقسمٌ آخر لاهتمامات وانتماءات ومصالح اخرى في هذه الحياة.

الشرط الثاني: الطموح الأسمى

بأن يؤدي كل شيء، من الفرائض العبادية، الى الأعمال الخيرية، والإسهامات الثقافية بأفضل وأكمل وجه ممكن، وأن يقدم أفضل ما لديه في سبيل الله، وأول من فعل هذا؛ هابيل ابن أبينا آدم، عليهما السلام، في حادثة التنافس على تقديم القربان الى الله –تعالى- فحصل أن تقبّل الله قربان هابيل ورفض قربان قابيل في قصة معروفة لسنا بوارد الخوض فيها، وهذه النفسية الطيبة كلفت هابيل حياته. 

طبعاً؛ ان نحظى بصفات من هذا النوع يعد مهمة صعبة للغاية، وقد سلط الفقيه الشيرازي الضوء على هذه النقطة الجوهرية بأن "هذا لا يعني أن نصل الى اليأس، فحين تضع أمامك نموذجاً رفيعاً –دقّق في هذه النقطة- فأن هذا النموذج يحرك كل طاقاتك، لذلك جعل –تعالى- لهذه الصفات مراتب، وليس ثمة سقفاً معيناً". ويبدأ سماحته بمثال أداء الصلاة في أوقاتها طيلة أيام السنة، وأن تكون برجاء القبول، لا برجاء الأداء، والصلاة المقبولة تختلف جذرياً عن الصلاة لإسقاط فرض، حيث الانقطاع الى الله –تعالى- عن كلما يشغل بال الانسان مهما كان. 

وهكذا نكون في طريق ثابت على مراقي التكامل في مجالات عديدة من أعمال في سبيل الله –تعالى- بكامل المواصفات وأكثرها جودةً، كلها تكون خالصة لوجه الله، أما المنافع الأخرى من خلالها فهي أمور ثانوية غير ذي أهيمة في وجودها من عدمه.

الشرط الثالث: الراحة أمر ثانوي 

من الصعب في الوقت الحاضر استيعاب فكرة أن يغادر الانسان مبدأ الراحة والانبساط، لاسيما في عالم صاخب ومرهق بكل معنى الكلمة، بيد أن المشكلة تحصل عندما تكون الراحة في شكل البيت الكامل المواصفات العصرية، والسيارة الفارهة بموديلها الجديد وامكاناتها الجميلة، وغيرها من وسائل الراحة في الحياة، وحتى أثاث المنزل والعمل وأمور كثيرة تتدخل في نمط حياتنا، تكون كلها الهدف والغاية، من أجلها نعمل ونبذل الجهود، حتى وإن كانت تحت شعار "العمل في سبيل الله"، فقد جرّب هذا النوع من التعامل كثيرون على مر التاريخ، منهم من عاصروا الأئمة المعصومين، عليهم السلام. 

كان المؤمنون طيلة فترة وجود الأئمة المعصومين، عليهم السلام، يمنون النفس بأن يكونوا من رجال الظهور العظيم، ومن أصحاب الإمام القائم المنتظر، وفي عهد الامام الصادق، عليه السلام، دخل عليه أحد المؤمنين وقال له: "جعلت فداك، إني والله أحبك، وأحب من يحبك يا سيدي، ما أكثر شيعتكم! فقال له الإمام: اذكرهم كم عددهم؟! فقال كثيرون، فسأله الإمام: هل تستطيع أن تحصيهم كم فرداً؟ فقال: لا، فقال له الإمام: أما لو كمُلت العدة الموصوفة ثلاثمائة وبضعة عشر كان الذي تريدون، ولكن شيعتنا من لايعدو صوته سمعه، ولا شحناؤه بدنه، ولا يمدح بنا غالياً، ولا يخاصم لنا واليا، ولا يجالس لنا عائبا، ولا يحدث لنا ثالبا، ولايحب لنا مبغضا، ولا يبغض لننا محبا". 

وفي تكملة الرواية المنقولة عن بحار الانوار، "إنما شيعتنا من لا يهرّ هرير الكلب، ولا يطمع طمع الغراب، ولا يسأل الناس بكفه وأن مات جوعاً"، فقال السائل: فأين أطلب هؤلاء الموصوفين بهذه الصفة: قال، عليه السلام: "اطلبهم في أطراف الارض أولئك الخشن عيشهم، المنتقلة دارهم، الذي إن شهدوا لم يعرفوا، وإن ماتوا لم يشهدوا، أولئك الذين في أموالهم يتواسون، وفي قبورهم يتزاورون، ولايختلف أهواؤهم وإن اختلفت بهم البلدان".

لمن يتمعّن في طبيعة الصفات المذكورة على لسان الامام الصادق، يجد أنها ليست بصعوبة وتعقيد الوضع الذي نعيشه اليوم من فتن وتناقضات وتناحرات تجعلنا على مسافة مع ادعاءات نصرة الإمام المهدي، بين الأرض والسماء، مع كل الأسف، مما يدعونا لإعادة شاملة للحسابات في علاقاتنا، وفي قناعاتنا، بل وحتى في نمط حياتنا لتكون قريبة قدر الإمكان الى معايير الظهور والإنقاذ العالمي.

وما توفيقنا إلا بالله العلي العظيم

ذات صلة

التأسيس لدولة العدل بظهور الإمام المهدي(ع)دولة الأخلاق المهدوية: ميثاق النجاة في عصر الانهيار القيميالبيع العشوائي: ترحيل مؤقت يتبعه عودة حتميةمعالجة التاريخ بين غسان كنفاني ووليام فوكنر‏واشنطن وطهران وحسابات اللحظات الأخيرة قبل الصدام