خطوتان مع الإمام الحسين نحو النجاح الأبدي
محمد علي جواد تقي
2026-01-24 05:16
إنَّ الحسينَ مصباحُ هدىً وسفينةُ نجاة" رسول الله، صلى الله عليه وآله
نؤمن باثني عشر إماماً معصوماً من أولياء الله –تعالى- في الأرض بعد جدّهم رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وفي عقيدتنا أنهم الهداة إلى طريق الحق والفلاح في الدنيا والآخرة، وهذه المسيرة ما تزال مستمرة بوجود الإمام الثاني عشر، الحجة المهدي المنتظر (عجل الله فرجه)، على قيد الحياة؛ يعيش معنا، ويرانا ويسمعنا ويتابع أحوالنا من وراء حجاب الغيب. إنما السؤال: لماذا يكون الإمام الحسين دون غيره من الأئمة صاحب هذه الخاصية، وهذه المنزلة الفريدة، بأن يكون هو الوسيلة بين العباد والله –تعالى- في الهداية، ثم النجاة؟
لنقتصد في الوقت وصولاً إلى الحقيقة
قبل الإجابة عن هذا السؤال المحوري المرتبطة الإجابة عليه باكتمال فهمنا للقضية الحسينية بشكل كامل، بل ولفهمنا لشخصية الإمام الحسين (عليه السلام) تحديداً، جديرٌ بنا إلقاء نظرة على مرآة النفس البشرية الطامحة دائماً للتعلم والتعرّف بحثاً عن الحقيقة في هذه الحياة، لإجراء مراجعة سريعة لما جرى في السابق، وما علينا فعله اليوم.
وكما أشرنا في مقالات سابقة، فإن الإمام الحسين ليس مشروع موت، إنما هو مشروع حياة، رغم غمامة الحزن المخيمة على الأذهان وعلى القلوب لهول ما جرى من مصاب جلل عليه (عليه السلام) وعلى أهل بيته في واقعة عاشوراء. فمن حق الإمام الحسين علينا، وعلى أهل العالم أجمع، معرفته كإمام وكإنسان أيضاً، عاش مراحل حياته من الطفولة وحتى الشباب، ومن ثم توليه مهام الإمامة والولاية. وما حظي به من خاصيّة لشخصه الكريم -وهو محور حديثنا- ملازمٌ لسيرة حياته؛ فهو (عليه السلام) لم يتخذ قرار الاستشهاد والتضحية في سبيل الله قبل أيام أو أشهر من استشهاده، إنما القضية تعود إلى ما قبل ولادته حتى، عندما استقر في حجر جدّه المصطفى، ورسم (عليه السلام) على وجه جدّه ابتسامة مشرقة، أعقبها وجومٌ ودموع بعد وصول الخبر من جبرائيل بأن هذا الوليد الجميل الذي تفرح به يا رسول الله، مصيره القتل ذبحاً في كربلاء! فالمهمة مرصودة ومثبتة في السماء، وممضيّة من قبل الإمام الحسين وهو في عالم النور.
ومن خلال قراءتنا لهذه الشخصية العظيمة في ضوء الحديث النبوي الذي توّجنا به المقال، نعرف أننا أمام خطوتين فقط لا غير لإصابة الحقيقة والنجاح والفلاح في هذه الحياة؛ الخطوة الأولى: الاستضاءة بمصباح الإمام وسط ظلام الأفكار والرؤى والتصورات البشرية المتقاطعة والمتناقضة على طول الخط، والثانية: الالتحاق بسفينة النجاة.
صحيح أن الجهد البشري أبلى بلاءً حسناً في البحث الفكري عن تعريف الأشياء، والتعرّف على هوية الإنسان وقدراته ومكنوناته، وأيضاً التعرف على فلسفة الخلق والوجود، بيد أن هذا لا يعني أن يتحول هذا الجهد إلى مصدر وحيد وقهري للمعرفة البشرية؛ فمنذ أول حكمة صدرت من الإنسان في فجر التاريخ وحتى اليوم، لا تتوقف الأبحاث التقويمية للأفكار والنظريات المطروحة منذ قرون من الزمن، بمعنى عدم قدرتها على تقديم الأكمل والأفضل للإنسان، بينما نقرأ في شهادة الرسول الأكرم بحق سبطه الإمام الحسين بأنه "مصباح هدىً"، والهدى هو الطريق الصحيح على طول الخط، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
فكرتان أضاءهما الإمام الحسين من جملة منظومة أفكار شعت من نهضته المباركة؛ الأولى: اجتماعية، وتتعلق بمصير الإنسان في صراعه المرير لتحقيق الحياة الكريمة، فقد كشف القدرات الذاتية للتغيير، ومواجهة التحديات حتى النفس الأخير، وألغى فكرة "الحتمية التاريخية" التي تبقي الإنسان في دوامة صراع لا تنتهي مع أخيه الإنسان على أمل تحقيق التفوق والنجاح ولكن دون جدوى، كما نلاحظ مشاهد الإسقاطات المدوية في عالم اليوم.
فهو لم يصنّف الأمة في حياته سلفاً إلى قسمين: من هم على هداية وفي جانبه، ومن هم في ضلال وغواية وإلى النار، إنما استمرت مسيرته الإصلاحية حتى اللحظات الأخيرة في أرض كربلاء وقبل "أن يقع بيننا وبينكم السيف"، كما جاء التعبير البليغ لمسلم بن عوسجة، وأعظم ثمرة كانت "الحر الرياحي".
أما الفكرة الثانية: فهي سياسية إلى حدٍ ما، وإن كانت تنصرف إلى شؤون عدّة في الحياة، وتتعلق بآلية التعامل مع قضايا شتّى؛ ففي الوقت الذي كان إلى جانبه شخصٌ مثل عبد الله بن الزبير، يمارس البراغماتية والذرائعية مدعياً محاربة السلطة الأموية، وقد دعاه للانضمام إلى هذا المشروع وفق هذه الرؤية المادية الضيقة، كان الإمام غافلاً عن البعد الأوسع للقضية التي جسّدها للتاريخ والأجيال بعبارة واحدة: "مثلي لا يبايع مثله".
الإمام الحسين طاقة هائلة
ربما نُبصر الطريق القويم والصحيح، وهي الخطوة الأولى، بيد أننا نحتاج بعدها إلى الخطوة الثانية التي تحملنا للسير الآمن في هذا الطريق (السفينة)، فكيف نجدها؟
في إحدى محاضراته الخاصة بالنهضة الحسينية، يشير سماحة آية الله السيد محمد رضا الشيرازي (طاب ثراه) إلى وجود "مصدر عظيم من الطاقة في قضية سيد الشهداء الإمام الحسين"، وبهذه الطاقة تمكننا من الالتحاق بسفينة الإمام الحسين؛ فهي تمكّن التاجر –مثلاً- من التخلي عن ثروة هائلة في لحظة معرفة بعدم مشروعية أرباحه، وهي التي تمكّن شاباً تحيط به الأموال والعنوان الاجتماعي المرموق من لجم نفسه عن الانزلاق في متاهات الغريزة الجنسية، أو الموظف الصغير والكبير في الدولة عندما يلجم نفسه عن الاقتراب من المال الحرام، أو انتهاك حقوق الآخرين، وأمثلة أخرى لا تُعد في هذا المجال.
ليس في حياتنا اليومية فحسب، وإنما على صعيد التغيير الاجتماعي والسياسي الأوسع عندما يكون "للإنسان الحسيني" قدرة هائلة على تغيير واقعه، كفرد وكجماعة وسط الأمة، وهو ما لمسه أحد المفكرين الغربيين، ينقل عنه سماحة الفقيه الشيرازي بأن "ذكرى كربلاء التي استُشهد فيها سبط محمد (صلى الله عليه وآله) كافيةٌ لكي تُحدث في قلب أكثر الناس تهاوناً في الأمور حماسةً وحزناً وهيجاناً شديداً، وأن تتعالى بالروح إلى مدارج الكمال، بحيث تستهين بالألم والموت".
هنا نكون أمام إجابة جاهزة لسؤال يدور في الأذهان عن مصدر هذه الطاقة الجاذبة والباعثة على الحيوية والحماس؟ إنها بكل بساطة ووضوح: التضحية في سبيل الله –تعالى-.
ونحن في أيام سعيدة نحتفل بذكرى مولد هذا الإمام العظيم، نعرف أنه أصبح "مصباح هدى وسفينة نجاة" لأنه "أعطى ما ملكت يداه إلهَهُ، حتى الجنين فداه كلّ جنين" -كما يقول الشاعر الحسيني المصقع الشيخ محسن أبو الحب في قصيدته الشهيرة- بمعنى أنه وظف كل طاقاته وقدراته وما يملك لأمر واحد لا يعود إليه بمنفعة ولو بعد لحظات، وليس بعد فترة من الزمن كما يعقد البعض الآمال على تضحياته وجهوده، بل لإعلاء كلمة الدين والحق بين الناس، ولم يخشَ في الله لومة لائم.