لماذا لا تفيد المقارنة بين اتفاق 2015 النووي ومذكرة تفاهم ترامب؟
مجموعة الازمات الدولية
2026-07-12 12:26
كان من المحتَّم أن يُراقَ كثير من الحبر في مقارنة الاتفاق الذي توصل إليه الرئيس دونالد ترامب في منتصف حزيران/يونيو مع الاتفاق الذي خرج منه في عام 2018. لكن المقارنات صعبة، ومن الأفضل فهم الاتفاق الحالي وفقاً لمعاييره الخاصة به.
منذ التوصل إلى مذكرة التفاهم في منتصف حزيران/يونيو بين الولايات المتحدة وإيران، تُقارَن المذكرة على نحو متكرر بخطة العمل الشاملة المشتركة. وهذه المقارنات لا مفر منها؛ فبالنظر إلى أن الاتفاق النووي لعام 2015، الذي تم التوصل إليه بين الجمهورية الإسلامية، والولايات المتحدة، وخمس قوى عالمية أخرى كان آخر اتفاق دبلوماسي رئيسي بين واشنطن وطهران، فإنه يشكل النقطة المرجعية الافتراضية.
وتلعب السياسة أيضاً دوراً حاسماً في هذه العملية؛ فبالنسبة للرئيس دونالد ترامب، الذي أخرج الولايات المتحدة من اتفاق عام 2015 خلال فترته الرئاسية الأولى، فإن ذلك الاتفاق لا يزال أمراً مرفوضاً بالمطلق، ومن ثم فإن تقديم مذكرة التفاهم الحالية على أنها أفضل منه يشكل مصدراً للافتخار السياسي، وتشمل النقاط الرئيسية التي يقدمها البيت الأبيض في أي حديث عن المذكرة فقرة بعنوان “كيف تتفوق هذه المذكرة على خطة العمل الشاملة المشتركة“. أما بالنسبة لمنتقدي الإدارة، فإن المذكرة ببساطة أقل قيمة من اتفاق عام 2015. يقول هؤلاء إن المذكرة تعطي طهران أكثر مما تأخذ منها كمكافأة جوفاء للحرب غير المحسوبة جيداً التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل في شباط/فبراير.
في حين أن ثمة الكثير مما يمكن تقييمه نقدياً بشأن أهداف وتوقيت قرار الولايات المتحدة وإسرائيل وافتراضاته العملياتية لشن الحرب في المقام الأول، لا بد من فصل ذلك الحكم عن المسألة التي نناقشها وهي الكيفية التي ستدير الولايات المتحدة وإيران علاقاتهما في قادم الأيام. لم يُكتَب ذلك الفصل التاريخي بعد، ولن تساعد مقارنة مذكرة التفاهم بالاتفاق النووي لعام 2015 – وهما ترتيبان يفصلهما أكثر من عقد من الزمن، ويتباين محتواهما، ونطاقهما وحتى طبيعتهما من أوجه مهمة – في تمكين أحد من فهم الكيفية التي ستتكشف فيها محتويات هذا الفصل.
ثلاثة اختلافات رئيسية
إطار مقابل منتج نهائي. يتمثل الفرق الأول والأكثر وضوحاً بين خطة العمل الشاملة المشتركة ومذكرة التفاهم الحالية في أن الأول منتج نهائي والثاني مجرد إطار للمحادثات. جاءت خطة العمل الشاملة المشتركة نتيجة سنوات من المفاوضات، التي فُصِّلت في نحو 150 صفحة منها القيود المفروضة على برنامج طهران النووي، وتخفيف العقوبات الذي ستحصل عليه مقابل التزامها بتلك القيود، وجداول زمنية وآليات معقدة لتسوية النزاعات بين الأطراف الموقعة على الاتفاق. لا يمكن تشبيه مذكرة التفاهم بنص مفصّل كذاك لأنها ليست كذلك ولا تدَّعي أنها كذلك؛ إذ تجمع نقاطها الأربع عشرة المقتضبة تعهدات فورية والتزامات متتابعة توصل إلى “اتفاق نهائي“، يُتوقَّع (ربما على نحو طموح) أن يشمل أحكاماً مفصّلة بشأن المسائل النووية ورفع العقوبات يجري التفاوض عليها على مدى 60 يوماً. أما ما إذا كانت محادثات المتابعة هذه ستمضي قدماً، أو ستنهار أو ستصبح وضعاً راهناً جديداً قائماً بذاته، فأمور لا بد من الانتظار لمعرفة أيها سيتحقق.
كما أن مرور الوقت يجعل من المقارنة تحدياً، فمع شروع الفِرَق التقنية بمناقشة التفاصيل، ستجد أنها تتعامل مع برنامج نووي إيراني يختلف كثيراً عن البرنامج الذي كان موجوداً قبل التوصل إلى خطة العمل الشاملة المشتركة. أوقف اتفاق مؤقت جرى التوصل إليه في عام 2013 نمو تخصيب اليورانيوم الإيراني عند أعلى نقطة وصل إليها حينذاك، وهي 20 بالمئة، ما مهد السبيل أمام فرض مزيد من القيود على معدل التخصيب وتخزين اليورانيوم بموجب اتفاق عام 2015. وكانت هذه القيود مرفقة بعمليات تفتيش صارمة للمواقع النووية الإيرانية من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
على النقيض من ذلك، فإن عمليات التخصيب التي تقوم بها إيران متوقفة منذ عام نتيجة الضربات الأميركية والإسرائيلية في حزيران/يونيو 2025. بعبارة أخرى، فإن المفاوضات ستبدأ من خط أساس مختلف تماماً عما كان موجوداً قبل التوصل إلى خطة العمل الشاملة المشتركة؛ حيث سعت الولايات المتحدة قبل أحد عشر عاماً إلى وقف برنامج كان ينمو بشكل ثابت على مدى أكثر من عشر سنوات، وإعادته إلى الوراء، بينما تسعى حالياً، كما تلمح مذكرة التفاهم، إلى تمديد الوضع الراهن والمحافظة على درجة صفر تخصيب إلى أطول وقت ممكن. أما إيران فتريد لفترة التوقف هذه أن تكون أقصر ما يمكن.
وسيكون جزء لا يتجزأ من المشروع الأميركي استعادة الرقابة الدولية التي كانت غائبة كلياً تقريباً على مدى العام الماضي، الأمر الذي يفسر نقاط الغموض بشأن المواد المنشطرة الموجودة في إيران – ولا سيما الموقع الذي يوجد فيه نحو نصف طن من اليورانيوم خصَّبته إيران إلى درجة قريبة من المستوى اللازم لصنع سلاح نووي – ووضع معايير تفتيش للمستقبل. إذا كان بوسع واشنطن، من خلال المفاوضات، أن تعزز وتثبّت وقفاً ممدداً أو غير محدود لتخصيب اليورانيوم الإيراني، مدعوماً بإجراءات شفافية صارمة، فإنها تستطيع عندها أن تدفع على نحو ذي مصداقية بأنها أنجزت اتفاقاً لمنع الانتشار النووي أقوى، في بعض أوجهه، من خطة العمل الشاملة المشتركة.
لكن تلك “إذا” كبيرة؛ وحتى هنا فإن المقارنات شائكة، بالنظر إلى أنها لا بد أن تتجاوز عنوان التخصيب المعلَّق. لم تكن قدرات إيران النووية خامدة في الفترة التي تلت انسحاب الولايات المتحدة من خطة العمل الشاملة المشتركة. من جهة، اكتسبت طهران معارف لا يمكن عكسها من خلال توسيع برنامجها النووي بعد انسحاب الولايات المتحدة في عام 2018. إضافة إلى ذلك، فإن أجزاء من برنامجها، مثل تطوير أجهزة الطرد المركزي، تمضي قدماً دون مراقبة خارجية تذكر منذ سنوات.
ومن جهة أخرى، فإن الضربات الأميركية والإسرائيلية في عامي 2025 و2026 أحدثت أضراراً مادية واضحة (رغم أنها ليست مفهومة على نحو كامل بعد) على منشآتها النووية وأودت بحياة علماء رئيسيين وطواقم رئيسية أخرى. سيتطلب تقييم الكيفية التي سيبدو عليها اتفاق جديد بالمقارنة مع خطة العمل الشاملة المشتركة تقييم الأجوبة على الأسئلة الرئيسية المرتبطة بجميع هذه التطورات – على سبيل المثال، الوقت الذي ستستغرقه الجمهورية الإسلامية في مراكمة مواد انشطارية كافية لصنع قنبلة نووية مقارنة بسنة واحدة تقريباً بموجب الاتفاق السابق؛ والوقت الإضافي الذي ستحتاجه طهران لإكمال عملية التحول إلى إنتاج سلاح نووي؛ ومدى اتساع وصرامة عمليات التفتيش المتفق عليها.
اختلاف التركيز
يتمثل اختلاف حاسم ثانٍ بين الاتفاق النووي لعام 2015 ومذكرة التفاهم الحالية في المجالات التي يركزان عليها. عدَّ نظراء إيران في مفاوضات خطة العمل الشاملة المشتركة الهواجس المرتبطة بمنع الانتشار حادة إلى درجة أنهم وضعوها في ملف منفصل عن الاعتبارات الأخرى، بما في ذلك دعم إيران لحلفائها من غير الدول في جميع أنحاء الشرق الأوسط. بالمقابل، فإن الأعمال العدائية التي سبقت مذكرة التفاهم كانت ذات أهداف أوسع بكثير، ومن ثم جعلت رسم خط فاصل بين الملفات النووية وغير النووية أمراً مستحيلاً. لننظر، على سبيل المثال، في نطاق المادة الأولى من مذكرة التفاهم، التي تتجاوز كثيراً مسألة عدم الانتشار، إذ تدعو إلى عدم الاعتداء بين الولايات المتحدة وإيران، وتوسِّع ذلك الالتزام ليشمل “حلفاء كل منهما في الحرب الجارية حالياً” وتطبِّق أيضاً وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران على إسرائيل وحزب الله في لبنان.
بالنسبة لكلا الطرفين، فإن ضرورات اقتصادية، وليس أي شيء له علاقة بالانتشار النووي، حددت أيضاً المخرجات المباشرة لمذكرة التفاهم الحالية. تراجع الطرفان عن التنافس على إغلاق مضيق هرمز من أجل استعادة ما يشبه الوضع الطبيعي للملاحة في المضيق، بينما أصدرت وزارة الخزانة الأميركية رفعاً مدته 60 يوماً للقيود المفروضة على الصادرات الإيرانية من النفط والمواد البتروكيماوية. وسعت مذكرة التفاهم إلى تثبيت وقف إطلاق نار هش كان قد شهد تبادلات مستمرة بين الولايات المتحدة، وإيران وحلفاء كل منهما وذلك بإلزام الموقِّعين بـ “وقف فوري ودائم للعمليات العسكرية على جميع الجبهات“. بينما عزلت خطة العمل الشاملة المشتركة الملف النووي، فإن مذكرة التفاهم تتركه في وضع معلَّق –على الأقل في الوقت الراهن– لصالح هواجس ضاغطة أخرى.
ليس من الواضح بعد ما إذا كانت هذه المقاربة ستبدو سليمة عندما ينظر إليها في المستقبل. ينطوي ربط المسائل النووية والإقليمية على مخاطر وأيضاً على فرص واعدة؛ إذ يمكن أن تؤدي إلى تحولات إذا نجحت: يمكن أن تخفف حدة الهواجس المتعلقة بمنع الانتشار وتساعد في الوقت نفسه في تخفيف حدة العنف الذي اجتاح الشرق الأوسط منذ هجوم حماس على إسرائيل في تشرين الأول/أكتوبر 2023. لكن يمكن للمحاولة برمتها أن تنهار إذا قوضت انتكاسة على إحدى الجبهات، مثل خلافات بشأن وضع مضيق هرمز، أو تبادلات عسكرية أميركية–إيرانية إضافية، أو توقعات متباينة بشأن لبنان، التقدم على الجبهات الأخرى.
طبيعة ثنائية مقابل طبيعة تعددية
أخيراً، فإن الطبيعة الثنائية لمذكرة التفاهم تميزها عن خطة العمل الشاملة المشتركة. رغم أن المذكرة تم التوصل إليها بوساطة باكستانية وقطرية، إضافة إلى أطراف أخرى دعمت المحادثات من خلف الكواليس، فإن الاتفاق الذي تم التوصل إليه في إسلام أباد يُعد وظيفياً تفاهماً بين الولايات المتحدة وإيران. وعلى عكس خطة العمل الشاملة المشتركة، التي شارك فيها سبعة أطراف بشكل مباشر (إضافة إلى الاتحاد الأوروبي، الذي يسَّر الإجراءات)، فإن أي مساومات ستجري حالياً ستشمل الطرفين الرئيسيين فحسب.
لكن واشنطن وطهران استمرتا في التواصل مع قوى رئيسية وأيضاً مع أطراف شرق أوسطية طوال النقاشات الدبلوماسية بشأن المذكرة. وهذا غير مفاجئ، بالنظر إلى أن الأعمال القتالية وضعت دول الخليج العربية مباشرة على خط النيران الإيرانية. علاوة على ذلك، سيصادق مجلس الأمن الدولي على “الاتفاق النهائي” – كما فعل بشأن خطة العمل الشاملة المشتركة.
المهم الآن
من المفهوم أن يكون هناك رغبة بمقارنة مذكرة تفاهم ترامب بخطة العمل الشاملة المشتركة التي توصل إليها أوباما – سواء بالنسبة للداعمين الساعين إلى تبرير قرار الولايات المتحدة بشن الحرب، أو المنتقدين الراغبين بالمجادلة بعبثيتها، أو الأسوأ من ذلك، القول بأنها أحدثت أثراً عكسياً. لكن الوثيقتين مختلفتان إلى درجة أن مقارنتهما غير مفيدة؛ كما أنها في كل الأحوال تصرف الأنظار عن المهمة التي ينبغي إنجازها.
الأمر الأكثر أهمية الآن هو التركيز على ما تستطيع الأطراف فعله الآن لتعزيز وتثبيت الهدنة والبناء عليها، وهي هدنة باتت نقاط هشاشتها واضحة، وتواجه تحديات كثيرة في المستقبل. لا يتمثل الاختبار الحقيقي بالنسبة للمفاوضين الآن في التوصل إلى اتفاق أفضل أو أسوأ من اتفاق لم يعد موجوداً أصلاً، بل التعامل مع القضايا كما هي حالياً.