العراق يشكل حكومة جديدة وسط اضطرابات إقليمية
مجموعة الازمات الدولية
2026-06-02 03:08
بقلم: لهيب هيجل
يرث رئيس الوزراء العراقي الجديد، علي الزيدي، منصباً يواجه فيه أزمات عدة، بما فيها تداعيات الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران. وستحدد قدرته على تجاوز القيود التي يفرضها النظام السياسي العراقي أو خضوعه لتلك القيود المسار الذي تتخذه البلاد على المدى القريب
في 14 أيار/مايو، وبعد ستة أشهر من الانتخابات العامة التي أجريت في تشرين الثاني/نوفمبر 2025، وافق البرلمان العراقي على حكومة لا تزال غير مكتملة يقودها رئيس الوزراء المعيَّن حديثاً، على الزيدي. ظهر الزيدي، وهو رجل أعمال وملياردير شاب لا يمتلك أي خبرة سياسية أو حكومية، بصفته مرشحاً تسووياً غير تقليدي بعد شهور من الاستعصاء داخل الائتلاف الشيعي العراقي الحاكم، الإطار التنسيقي.
يرث الزيدي منصباً يواجه أزمات عدة؛ فقد حولت الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، التي بدأت في 28 شباط/فبراير العراق إلى ميدان معركة، حيث لا تستطيع الحكومة حماية سيادتها ولا فرض احتكار الدولة لاستعمال القوة. وقد ضربت جميع الأطراف الثلاثة المتحاربة الرئيسية أهدافاً في العراق، وتحدَّت المجموعات المسلحة المتحالفة مع إيران سياسة بغداد الرسمية في الحياد بشن هجمات من الأراضي العراقية. وقد تدهورت العلاقات مع واشنطن وعواصم الخليج العربية نتيجة لذلك. في هذه الأثناء، يعاني الاقتصاد العراقي من ضغوط حادة بعد تَسبُّب إغلاق إيران لمضيق هرمز بوقف معظم صادراته النفطية، الأمر الذي يحرم الدولة من مصدر إيراداتها الرئيسي.
لكن تعيين الزيدي لا يشكل رداً إستراتيجياً على هذه المعضلة المتنامية بقدر ما يشكل تشظياً متسارعاً للنظام السياسي العراقي الذي نشأ بعد عام 2003. وستحدد قدرته على تجاوز القيود التي يفرضها ذلك النظام أو تَحوُّلُه إلى رهينة للقوى التي رفعته إلى ذلك المنصب المسار الذي سيتخذه العراق في الأشهر القادمة.
اختيار رئيس وزراء من خلال الإقصاء
قد يبدو اختيار شخصية من خارج النظام السياسي لقيادة العراق في لحظة طوارئ وطنية منافياً للمنطق، لكن ترشيح الزيدي جاء أساساً للخروج من مأزق تَشكَّل داخل النخبة العراقية. فالمتنافسان الأكثر قوة، وهما رئيس حكومة تصريف الأعمال حينذاك محمد شياع السوداني ورئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، حيَّدا بعضهما بعضاً سياسياً. واجه ترشيح المالكي معارضة قوية من واشنطن حتى قبل اندلاع الحرب في الشرق الأوسط، بينما أضعف السوداني عدم قدرته على إبقاء العراق خارج الصراع. وكان كل منهما مصمماً على إعاقة عودة الأخر إلى الحكم. بعد تعزيز المالكي قوته خلال فترته الثانية (2010-2014)، بات حرمان شاغل المنصب من تجديد ولايته هو العُرف السائد في أوساط النخب السياسية في البلاد. ومنذ ذلك الحين، نحا النظام السياسي بشكل متزايد إلى الدفع بشخصيات تسووية أضعف كلما خرجت الشخصيات المهيمنة من السلطة. لكن هذه المرة، حتى عندما اقترح المالكي والسوداني نفسيهما مرشحين تسوويين للمنصب، لم يتمكن هذين المرشحين من الحصول على الدعم الكافي داخل الإطار (الذي جعل حصول المرشح على دعم ثمانية من أعضائه الاثني عشر شرطاً لقبوله).
كسَر المأزق تدخُّل رئيس مجلس القضاء الأعلى، فائق زيدان. رغم أن زيدان هو رئيس الجهاز القضائي في العراق، فإنه كان منذ وقت طويل شخصية سياسية ذات نفوذ تنامى في السنوات الأخيرة. وقد كان دعمه للزيدي حاسماً في التوصل إلى توافق داخل الإطار وتأمين قبول الولايات المتحدة لترشيحه. كان قد ساعد سابقاً في التوصل إلى تسويات مماثلة بشأن رئاسة مجلس النواب والرئاسة، المنصبان المخصصان لكتلتي العرب السنة والأكراد، على التوالي، بموجب نظام التعيينات الإثني-الطائفي في البلاد. لكن على عكس ما حدث في هذه الحالة، فإن الشخصيتين التسوويتين اللتين اختيرتا للمنصبين كانتا من داخل النظام السياسي. على سبيل المثال، عندما أعاقت الأحزاب المتنافسة ترشيح رئيس سابق لمجلس النواب، هو محمد الحلبوسي، قدم زيدان مرشحاً تسووياً من الدوائر المحيطة بالحلبوسي حاز في النهاية قبول الكتل الأخرى في البرلمان.
بالنظر إلى الضغوط التي يتعرض لها قادة الإطار لتشكيل حكومة، وأيضاً بالنظر إلى عدم قدرتهم على الاتفاق على مرشح من بينهم، فإنهم اختاروا الزيدي مرشحاً من غير المحتمل أن يتحدى مصالحهم، وفي الوقت نفسه يكون مقبولاً لواشنطن وطهران – اللتان رحبتا بتعيينه. يحقق الزيدي مواصفات كان عدد من قادة الإطار قد عبَّر عن تفضيله لها صراحة قبل الانتخابات، وتتمثل في أن يكون “مديراً عاماً” وليس مركزاً مستقلاً للسلطة. ويمثل اختياره مزيداً من إضعاف السلطة التنفيذية، بالنظر إلى أنه من المتوقع أن يعمل وفقاً لرغبات الإطار، في حين أن راعيه الرئيسي، فائق زيدان، خارج الإطار.
تُعزز خلفية الزيدي هذا التفسير؛ فرغم أنه غير معروف للناس، فإنه ليس غريباً عن الطبقة السياسية في العراق، إذ تتقاطع امبراطورية أعماله بعمق مع الدولة. قبل نحو عشر سنوات، مُنحت شركة الزيدي القابضة عقداً مربحاً مع وزارة التجارة لتوزيع بطاقات التقنين والسلال الغذائية بموجب نظام التوزيع العام في العراق (وهو جزء من إرث حقبة العقوبات في تسعينيات القرن العشرين). وكان يرأس مصرفاً حُظر من إجراء تعاملات بالدولار في عام 2024 بعد أن عبَّرت وزارة الخزانة الأميركية عن مخاوف بشأن غسل الأموال (سلَّم الزيدي رئاسة المصرف لشقيقه في عام 2019، رغم أنه ما يزال مالكاً جزئياً للمصرف). كما أسس مؤخراً جامعة خاصة رُخصت من وزارة التعليم العالي، ادارتها لاحقاً كتلة الصادقون، وهو حزب عراقي متحالف مع إيران.
إن احتمال أن يمثل أي من هذه الاعتبارات الاقتصادية تضارباً في المصالح أمر غير ذي صلة للنخبة الأوليغاركية في العراق. فبدلاً من أن تجعله هذه التشابكات غير مؤهل للمنصب، فإنها عززت من قوة ترشيحه، بالنظر إلى منح قادة الإطار الأولوية للمحافظة على شبكات الرعاية والمحسوبية وتوزيع المغانم. فوجود رئيس وزراء يفهم تلك الشبكات ويعتمد عليها يُعدُّ ميزة. لكن إذا كان اختيار الزيدي يعكس بشكل رئيسي تسوية بين النخب، فإن تركيبة حكومته توضح هشاشة هذه الصفقة.
تشكيل الحكومة: انقسامات وضغوط خارجية
في 14 أيار/مايو، وافق مجلس النواب على أكثر من نصف أعضاء حكومة الزيدي، وهو الحد الأدنى المطلوب دستورياً لتفعيل الحكومة. ويُتوقع أن يجري التصويت على المناصب المتبقية بعد عطلة عيد الأضحى في نهاية أيار/مايو. وستسترشد عملية الاختيار بالأعراف الإثنية–الطائفية المعتادة. جدير بالملاحظة أن أكبر ائتلاف في البرلمان، الذي يقوده رئيس الوزراء السابق، السوداني، بدأ بالتشظي بعد إعلان حلفاء رئيسيين، بمن فيهم فالح الفياض وأحمد الساعدي الانسحاب. في هذه الأثناء، كان السوداني قد ضمن الحصول على وزارات مهمة، مثل النفط والكهرباء، لنفسه لكنه لم يحصل على أي وزارة لشركائه. في المعسكر الشيعي المنافس، رُفض مرشح المالكي لوزارة الداخلية. وتشمل الوزارات المهمة التي ما تزال شاغرة وزارة الدفاع، التي يُحتفظ بها عادة لحزب عربي سني. يتمثل عنصر الاستمرارية الوحيد بين ما يسمى بالوزارات السيادية في وزارة الخارجية، مع إعادة تعيين فؤاد حسين، الذي ينتمي إلى الحزب الديمقراطي الكردستاني برئاسة مسعود بارزاني. يعكس الاحتفاظ بفؤاد حسين وزيراً للخارجية إقراراً من النخبة بتدهور علاقات العراق مع جيرانه. يأمل كثيرون بأن يتمكن حسين، الذي أثبت أنه شريك موثوق بالنسبة لنظرائه الإقليميين، من إصلاح هذه العلاقات.
في حين أن الموافقات الجزئية على أعضاء الحكومة ليست أمراً غير معتاد، فإن هذه الحالة تشكل علامة مبكرة على انقسام أكثر جدية داخل الائتلاف الشيعي الحاكم. وبالفعل، فإن إخفاق القادة الشيعة في التوصل إلى توافق على مرشح لرئاسة الحكومة من داخل صفوف أحزاب الإطار يُعد هو نفسه دليلاً على عمق انعدام الثقة بين هذه الأحزاب. علاوة على ذلك، فقد عززت عملية تشكيل الحكومة الانطباع بتراجع نفوذ الكتل السياسية التي نشأت في العراق بعد عام 2003، بما في ذلك حزب دولة القانون برئاسة المالكي والحزب الديمقراطي الكردستاني برئاسة بارزاني. في افتراق حاد عن الماضي، اخفق كلا الحزبين في الحصول على الدعم لبعض مرشحيهما للحكومة. إضافة إلى ذلك، خسر حزب دولة القانون السباق للوصول إلى رئاسة الوزراء؛ وفي افتراق عن العُرف، ليس للحزب الديمقراطي الكردستاني رأي فيمن يصبح رئيساً. رغم أن هذا المنصب يُعطى عادة للاتحاد الوطني الكردستاني، فإن المرشح يخرج عادة نتيجة مفاوضات بين الحزبين الكرديين بشأن مناصب أخرى. لم يحدث ذلك هذه المرة. بدلاً من ذلك، مضى حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، وبدعم من أحزاب غير كردية، لتأمين تصويت مجلس النواب لنزار آميدي، الذي قاطعه الحزب الديمقراطي الكردستاني.
لقد أثبت الجيل التالي من القادة السياسيين من جميع أجزاء الطيف الإثني-الطائفي براغماتية في تعاملاته. ويشمل هؤلاء بافل طالباني من حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، والحلبوسي، الرئيس السابق لمجلس النواب، وقيس الخزعلي من كتلة الصادقون، التي يُعدُّ جناحها العسكري، عصائب أهل الحق بين المجموعات الأكبر في الحشد الشعبي، وهو القوة الجامعة التي تشكلت خلال الحرب لهزيمة تنظيم الدولة الإسلامية، والتي اندمجت رسمياً لاحقاً في الجهاز الأمني العراقي. وقد تنازل حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، على سبيل المثال، عما كانت تُعدُّ مطالب كردية رئيسية، مثل وجود قطاع نفطي مستقل في كردستان – لصالح وجود علاقات أفضل مع الأحزاب الموجودة في بغداد، بما في ذلك تلك المتحالفة مع إيران. وقد أثبت الخزعلي والحلبوسي أيضاً استعدادهما للاعتماد على تحالفات سياسية عابرة للطوائف من أجل التغلب على الحرس القديم داخل مجموعاتهما.
لم يتبين بعد تموضع الزيدي في علاقته مع القوى السياسية التي ستصوغ حقبة وجوده في المنصب. قد لا يكترث لانقسام الإطار التنسيقي الشيعي، الأمر الذي من شأنه أن يعزز قدرته على صنع القرار. لكن يمكن للانقسامات أن تتحول إلى عبء إذا لم يتمكن من حشد الدعم اللازم لسياساته. أما فيما يتعلق بالتحول الحاصل بين الأجيال داخل المؤسسة السياسية، فقد يكون رجل الأعمال الشاب الذي أصبح رئيساً للوزراء في موقع يمكِّنه من التعامل مع المشهد السياسي القائم على نحو متزايد على التعاملات الإجرائية.
لكن التحدي الأكثر مباشرة وإلحاحاً الذي يواجهه تشكيل ما تبقى من الحكومة يتمثل في الضغوط الأميركية الرامية إلى تقليص النفوذ الإيراني. وقد يكون الملمح الأكثر وضوحاً في حكومته حتى الآن ما يبدو من أخذها بعين الاعتبار المطالب الأميركية باستبعاد المرشحين من أحزاب مرتبطة بمجموعات صنفتها واشنطن تنظيمات إرهابية أجنبية. ما يدل على ذلك هو أن حزب الصادقون برئاسة الخزعلي – وهو الجناح السياسي لعصائب أهل الحق المصنفة تنظيماً إرهابياً – لم يحصل على وزارة رغم أنه ثالث أكبر حزب شيعي في البرلمان. إذا رغب الخزعلي بالحصول على وزارة في الجولة التالية، قد يترتب عليه تسمية مرشح يُعدُّ مستقلاً بدلاً من ترشيح عضو من حزبه. مرشح آخر استُبعد من المداولات بشأن تشكيل الحكومة كان وكيل وزارة النفظ علي معارج، مرشح المالكي لوزارة النفط. قبل أسبوع من التصويت صنفته الولايات المتحدة ضمن نظام عقوباتها على إيران استناداً إلى ادعاءات بأنه كان قد سمح بخلط النفط الإيراني بصادرات العراق النفطية.
لكن من غير المرجح أن يكون للمحاولات الأميركية للتأثير في تشكيل الحكومة أثر عميق مع انتقال عملية توزيع الحصص السياسية إلى المستويات الأدنى في الإدارة، التي من المؤكد أن تحصل فيها الأحزاب المتحالفة مع إيران على حصتها. ستكون الكيفية التي يملأ فيها الزيدي المناصب المتبقية في الحكومة وفي مؤسسات الدولة الأخرى مؤشراً على كيفية تلبيته المطالب الأميركية دون إثارة رد فعل عنيف من الأحزاب المتحالفة مع إيران. وفي هذه الأثناء، ينتظر أولئك الذين استثمروا في العملية السياسية، مثل الخزعلي، الوقت المناسب. ابتعاد الخزعلي جزئياً عما يسمى فصائل المقاومة الأخرى لم يُقنع واشنطن بعد، لكن ذلك قد يساعده في المحافظة على بقائه السياسي على المدى البعيد إذا تمكن من إقناع المسؤولين الأميركيين بصدقه. على المدى القصير، يمنح ذلك الزيدي بعض الوقت للعمل مع واشنطن لمعالجة الهواجس المتعلقة بأنشطة الفصائل المدعومة من إيران العاملة في العراق، والتي يمكن أن تؤدي إلى مزيد من العقوبات الأميركية.
التحديات الأمنية والمالية
ستطغى التحديات الأمنية والمالية على أجندة الزيدي في الأشهر القادمة. تتزايد الضغوط الأميركية لنزع سلاح المجموعات المتحالفة مع إيران أو الحد من نفوذها. ومن المرجح أن تكون الولايات المتحدة قد رحبت بتعيين الزيدي استناداً إلى تطمين زيدان بأن رئيس الوزراء الجديد سيأخذ المطالب الأميركية على محمل الجد. لكن مساحة المناورة المتاحة له ضيقة. لم تتمكن حكومة تصريف الأعمال برئاسة السوداني من منع تحوُّل الأراضي العراقية إلى منصة انطلاق لهجمات على أهداف أميركية أو إقليمية (أو إلى منصة للضربات الإسرائيلية على إيران)؛ وسيواجه الزيدي مشكلات مماثلة في كبح جماح المجموعات المسلحة المتحالفة مع إيران، ولا سيما مع استمرار التوترات الإقليمية. الجهود الأكثر قابلية للتحقق، رغم أنها ما تزال حافلة بالعقبات، هي تلك التي تُبذل لاحتواء أو دمج المجموعات المسلحة في هيكليات قيادة أكثر رسمية.
بشكل عام، يواجه الزيدي مأزقاً بنيوياً قديماً؛ إذ يخاطر التحرك بعدوانية ضد الفصائل المتحالفة مع إيران بإثارة صراع شيعي داخلي وزعزعة استقرار حكومته. أما التحرك بحذر أكثر مما ينبغي فيخاطر بالتعرض لمزيد من العقوبات الأميركية أو حتى تجدد العمل العسكري. يبدو أن إستراتيجيته تتركز على أن يقدم لواشنطن خارطة طريق على مراحل لدمج الميليشيات ونزع سلاحها، رغم إخفاق محاولات مماثلة سابقة قام بها رئيس الوزراء السابق، السوداني، على مدى السنتين الماضيتين. بدت جهود السوداني فاترة أحياناً، لكن حتى اندفاعة أكثر قوة ستواجه تحديات كبيرة. بعض الفصائل، مثل حركة النجباء، التي تحالفت علناً مع إيران خلال الحرب من غير المرجح أن تلتزم. أما فصائل أخرى، بما فيها تلك التي تسعى للمحافظة على بقائها السياسي على المدى الطويل، فقد تكون أكثر مرونة.
ما يضيف إلى التحدي هو مأسسة هذه المجموعات داخل الحشد الشعبي. في حين تنظر واشنطن في كثير من الأحيان إلى الحشد على أنه امتداد للنفوذ الإيراني، فإنه يبقى راسخاً بعمق في المشهد السياسي والاجتماعي العراقي، ويوظف عشرات الآلاف، ويحظى بالشرعية في أوساط شرائح واسعة من السكان الشيعة. ولذلك فإن تفكيكه كلياً غير واقعي. وقد يكون اتّباع مقاربة حذرة ومتوازنة - إقناع واشنطن والجهات الفاعلة الداخلية بأن النزع التدريجي للسلاح والاندماج، بداية بالمجموعات الأكثر قبولاً لذلك، أفضل من المواجهة - المسار الوحيد المتاح للزيدي.
حتى إذا تمكن من معالجة هذه المعضلات الأمنية والضغوط الخارجية بشكل ما، فإن عدم الاستقرار المالي سيشكل تهديداً لا يقل جسامة؛ فقد أوقف إغلاق إيران لمضيق هرمز رداً على الحرب الأميركية–الإسرائيلية معظم الانتاج النفطي في حقول البصرة، التي تنتج نحو 3.3 مليون برميل يومياً، والذي يشكل الجزء الأكبر من صادرات العراق. وبالنظر إلى أن الإيرادات النفطية تشكل نحو 90 بالمئة من دخل الحكومة، فإن الانقطاع الطويل سيقوّض بعمق قدرة العراق على دفع رواتب موظفي القطاع العام.
بالنظر إلى أن النظام السياسي العراقي قائم على توزيع الريع، فإن حدوث أزمة مالية سيؤدي ليس فقط إلى توليد مصاعب اقتصادية، بل من شأنه أن يهدد تماسك النخب ويخاطر بحدوث اضطرابات اجتماعية. لقد لجأت الحكومة، حتى الآن، إلى الاقتراض الداخلي، الذي تشير التنبؤات إلى أنه يمكن أن يوفر السيولة لثلاثة أشهر أخرى. لكن هذا حل مؤقت فحسب. حتى لو فُتح مضيق هرمز بضغوط دولية، أو كجزء من تسوية بين الولايات المتحدة وإيران، فإن هذا الحادث يؤكد على هشاشة نموذج الاقتصاد العراقي الريعي والحاجة الملحّة إلى تنويع مسارات التصدير والاقتصاد بشكل عام.
قد يتبين أن وصول الزيدي إلى رئاسة الحكومة ليس مهماً من حيث السياسات التي يتبعها بقدر ما يكشفه عن تطورات مؤسسات الدولة العراقية وشد الحبل بين الولايات المتحدة وإيران في صراعهما على النفوذ في الشرق الأوسط. هل سيكون مجرد شخصية انتقالية أم سيتمكن من تعزيز سلطة لم يكن من المتوقع أن يحصل عليها؟ ستعتمد الإجابة على قدرته على المناورة وسط الانقسامات التي أدت إلى صعوده، أو ربما استغلال تلك الانقسامات.