لماذا يقف السعوديون على الحياد في الحرب مع إيران؟
FOREIGN POLICY
2026-04-27 02:51
في مقال نشرته مجلة فورين بوليسي، تناول الكاتب ستيفن أ. كوك، موقف السعودية من الحرب الأميركية-الإسرائيلية مع إيران، موضحًا أن الرياض تجد نفسها في وضع حرج بين رغبتها في تجنب التصعيد حفاظًا على استقرارها الاقتصادي ومشاريع «رؤية 2030»، وبين حاجتها إلى حماية مصالحها وتعزيز نفوذها الإقليمي. ويرى الكاتب أن الاكتفاء بالبيانات والتحذيرات لا يكفي لدولة تسعى إلى تقديم نفسها كقوة إقليمية مؤثرة، معتبرًا أن اتخاذ موقف أوضح وأكثر فاعلية قد يساعد السعودية على تثبيت مكانتها في الشرق الأوسط.
اتباع نهج أكثر فاعلية من شأنه أن يساعد في ترسيخ نفوذ الرياض الإقليمي
كانت الحرب الأميركية-الإسرائيلية مع إيران صعبة على السعودية. فالسعوديون، الذين يواجهون أصلًا ضغوطًا اقتصادية، اضطروا إلى خفض الإنفاق وتمديد الجداول الزمنية لمشاريع كبرى كان يُفترض أن تكون تجسيدًا ماديًا لتحوّل المملكة. وسيركّز صندوق الاستثمارات العامة الآن اهتمامه على الطاقة البديلة، والتصنيع المتقدم، والخدمات اللوجستية، والمياه والطاقة المتجددة، والسياحة، ونيوم، المدينة المستقبلية التي يشيدها السعوديون على الساحل الشمالي الغربي للبلاد. كذلك، وفي أمر لا ينبغي أن يفاجئ أحدًا في ضوء الصراع الحالي، ستواصل الرياض الاستثمار في قاعدتها الصناعية الدفاعية الخاصة وتنويع مشترياتها من الأسلحة. وتخطط السلطات السعودية لإنهاء دوري الغولف الناشئ الذي أطلقه ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، كما باعت بالفعل 70 في المئة من نادي الهلال لكرة القدم، أحد الأصول الرياضية الثمينة في البلاد.
أما فيما يتعلق بالحرب نفسها، فقد تلقت السعودية ضربة دعائية محرجة في أواخر شباط/فبراير، عندما ذكرت صحيفة واشنطن بوست أن محمد بن سلمان -مثل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو- ضغط على الرئيس الأميركي دونالد ترامب لمهاجمة إيران. وقد نفى السعوديون ذلك. وبعد بضعة أسابيع، وبينما كان ترامب يزعم أن الحرب ستنتهي خلال أيام قليلة، ذكرت صحيفة نيويورك تايمز أن ولي العهد كان يضغط مجددًا على الرئيس، هذه المرة من أجل إتمام المهمة ضد طهران. ومرة أخرى، نفى السعوديون ذلك. ومع ذلك، وعلى الرغم من تأكيد الرياض علنًا أنها لا تريد الحرب، وأن لا علاقة لها بعملية «الغضب الملحمي»، وأنها تدعم حلًا دبلوماسيًا للصراع، فقد تعرضت السعودية لنيران متواصلة من إيران ووكلائها في العراق. وردًا على ذلك، أعلنت السعودية أنها «تحتفظ بحقها» في الرد، لكنها حتى الآن اختارت ألا تضغط على الزناد.
هذا لا يعني أن السعودية ينبغي أن تدخل المعركة، لكنه يكشف أن بلدًا قدّم نفسه باعتباره قوة صاعدة وأهم دولة في الشرق الأوسط يجد نفسه في موقف ملتبس ومتردد بينما يشتعل محيطه. من الواضح أن للسعوديين مصالح على المحك، لكن بدلًا من اتخاذ إجراء، يكتفون بإصدار بيانات شديدة اللهجة، في حين يقوم آخرون، بمن فيهم خصومهم، بتشكيل المنطقة. ويبدو أن الرياض ستكون في وضع أفضل لو اتخذت خطوات ملموسة لحماية مصالحها. أليس هناك قول مأثور مفاده أن الأفضل أن تكون على الطاولة بدلًا من أن تكون الوجبة؟
وللإنصاف، فإن حرب إيران معقدة بالنسبة للسعوديين. فبعد أن راهنوا بتريليون دولار على تحولهم الاقتصادي، لا يريد القادة السعوديون شيئًا أكثر من الاستقرار الإقليمي. ومن وجهة نظرهم، لا يبدو أن أحدًا يساعدهم: لا حماس، ولا سوريا، ولا الإمارات العربية المتحدة، ولا إيران، ولا سيما إسرائيل والولايات المتحدة. وإزاء حقيقة أن أقرب شريك للرياض، أي واشنطن، قد زعزع استقرار المنطقة -إلى جانب إسرائيل- يحاول السعوديون معرفة أفضل السبل لحماية أنفسهم في ظل ظروف خارجة عن سيطرتهم، ومن المرجح أن تفضي إلى واحد من ثلاثة مآلات.
الأول هو الجمود: أن يملّ ترامب من الصراع ويعلن انتصارًا أميركيًا من دون تحويل المكاسب التكتيكية إلى نصر استراتيجي، بينما تبقى القوات الأميركية في المنطقة وتظل العقوبات على إيران قائمة. ولن يكون هذا أسوأ مآل بالنسبة للسعوديين، رغم أنهم سيبقون على الأرجح تحت تهديد الطائرات المسيّرة والصواريخ الإيرانية.
الثاني هو انتصار أميركي حقيقي، وهو ما قد يتدرج على طيف واسع، من أن تصبح إيران غير قادرة على تهديد جيرانها، وصولًا إلى تغيير النظام بالكامل. وهذا هو أفضل مآل ممكن للسعودية، ولآخرين في المنطقة.
أما المآل الثالث المحتمل فهو الأسوأ أيضًا: انتصار إيراني يُعرّف برفع العقوبات، ومنح طهران دورًا في إدارة مضيق هرمز، وبقاء النظام، وانسحاب الولايات المتحدة من المنطقة.
كل واحد من هذه السيناريوهات ممكن، لكن من خلال الطريقة التي تعامل بها السعوديون مع الصراع حتى الآن، يبدو أنهم يقللون من احتمال تحقيق الولايات المتحدة نصرًا، ويميلون بدلًا من ذلك إلى ترجيح الجمود أو الانتصار الإيراني. ولهذا يسيرون على أدق الخطوط الفاصلة، فينفون أنهم كانوا مؤيدين للحرب منذ البداية، ويهربون من التقارير التي تفيد بأنهم لا يريدون من ترامب إنهاء الأعمال العدائية قبل الأوان، ويهددون الإيرانيين دوريًا بالرد، لكنهم لا ينفذون هذه التهديدات فعليًا.
كان من المفترض أن يكون هذا الأسلوب القائم على الاحتماء والاختباء في التعامل مع المنطقة شيئًا من الماضي بالنسبة للقادة السعوديين. وبقدر ما يبدو مغريًا القول إن الأمر يتعلق بعادات قديمة يصعب التخلص منها، فإن الأدق هو إبراز الموقف المحرج إلى حد ما الذي يجد السعوديون أنفسهم فيه. فالسعودية ليست قوية ومؤثرة بالقدر الذي يوحي به خطابها، الأمر الذي يتركها معتمدة على الولايات المتحدة، التي انضمت إلى إسرائيل في محاولة تغيير الشرق الأوسط. وقد يكون محمد بن سلمان موافقًا على الهدف، لكنه لا يوافق على الطريقة التي اتبعتها الولايات المتحدة وإسرائيل لتحقيقه. وفي ظل هذه الظروف، تحاول الرياض أن تكون كل شيء لكل الاحتمالات الممكنة.
وبالنظر إلى حجم الرهانات -فـ«رؤية 2030» وكل ما يرتبط بها معرضة للخطر- سيكون السعوديون في وضع أفضل لو خرجوا من حالة الارتباك التي وضعوا أنفسهم فيها واتخذوا موقفًا فعليًا من الحرب. وسيكون ذلك على نحو من قبيل: إن إيران تهديد للأمن السعودي؛ وقد سعت السعودية إلى التقارب، لكن الإيرانيين لم يلتزموا بنصيبهم من الاتفاق؛ وكانت الرياض تفضّل تبني رؤية بعيدة المدى وتأمل أن يخلّص الشعب الإيراني الشقيق نفسه من النظام؛ ولم تدعُ القيادة السعودية إلى هذا الصراع، لكن الإيرانيين هاجموا المملكة وهددوا رفاهها الاقتصادي؛ وستشارك السعودية في جهد بحري لفتح مضيق هرمز، وسترد على إيران بسبب الهجمات على المملكة. ومن المرجح أن يعترض بعض السعوديين على هذا أو يصوروه على أنه دعوة للحرب. لكنهم يريدون أيضًا أن يُنظر إليهم باعتبارهم أقوياء ومؤثرين وقادرين على تشكيل المنطقة. فإذا كان الأمر كذلك، فكيف تفعل الرياض ذلك؟
لا شك أن السعودية غاضبة مما فعلته الولايات المتحدة وإسرائيل. فحتى 28 شباط/فبراير، لم تكن المنطقة مستقرة تمامًا، لكنها كانت قابلة للإدارة. أما الآن، فقد أطلقت الولايات المتحدة وإسرائيل العنان لقوى لا تستطيعان السيطرة عليها. وسيضيف السعوديون عملية «الغضب الملحمي» إلى قائمتهم الطويلة من الأمور المتهورة التي قامت بها واشنطن وأدت إلى تمكين إيران، بما في ذلك غزو العراق عام 2003، والاتفاق النووي الإيراني عام 2015، وعدم الرد على الهجوم الإيراني على منشآت النفط السعودية عام 2019، وغيرها. وستصبح حرب إيران قريبًا جزءًا من الخطاب السعودي المعتاد في توبيخ الأميركيين، ولا ينبغي لأحد أن يلومهم على ذلك. فقد كان قرار الذهاب إلى الحرب متهورًا.
ومع ذلك، فإن أفضل طريقة للحد من تداعيات مغامرة ترامب غير المدروسة هي اتخاذ موقف واضح من القضية، وتحمل قدر من المخاطرة، وتحمل المسؤولية عنه. ويبدو أن السعوديين غير قادرين على فعل ذلك. وبدلًا من ذلك، فإنهم يثبتون أنهم ليسوا في مستوى الإسرائيليين أو الإيرانيين.