الحق في العيش الكريم

د. علاء إبراهيم محمود الحسيني

2026-06-07 06:19

يعد الحق في العيش الكريم واحداً من الحقوق الأساسية التي لا غنى عنها وهو حق ثابت للجميع سواءً ورد النص عليه في القوانين أم لا، لارتباطه المباشر بالكرامة الإنسانية التي يقول عنها جل علاه "وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا".

 ويعني العيش الكريم فيما يعنيه توفير الحاجيات الأساسية (المادية والمعنوية) للفرد بما يصون كرامته وأسرته ويمكنه من التمتع بالحقوق الأخرى، وهذا الحق حده الأدنى الكفاية بتوفير السلع والخدمات الأساسية للفرد أو جعلها في متناول قدراته الذاتية الجسدية أو المالية، وليس ما تقدم إبقاءه على قيد الحياة بل الإبقاء عليه حياً كريماً، بتحسين ظروف معيشته متحرراً من الخوف والجوع والمرض وهتك الحرمة في الذات أو المقدسات أو العقائد.

 بعبارة أخرى ضرورة احترام الذات البشرية بما هي، وفي الوقت الذي تتحقق فيه الوفرة في موارد الدولة وتشهد زخماً قس مواردها لا سيما المالية لا يلحظ الفقراء بالعادة تغييراً ملموساً في نمط حياتهم، أو تعامل المؤسسات الرسمية معهم، بل الغالب ان المسؤول لا يهتدي إلى طريق مساكنهم إلا حين يقترب الاستحقاق الانتخابي ليحصل على دعمهم ومساندتهم قبال وعود كاذبة وادعاءات زائفة تجعلهم يعيشون أمالاً عريضة، فهم يعيشون في مساكن بسيطة يعانون الإهمال وضعف الخدمات الأساسية الصحية والتعليمية والبلدية والحكومات المحلية والمركزية المتعاقبة ليس لديها الاستعداد الكافي والنية الصادقة للنهوض بواقع هؤلاء، بل ينظر إلى هؤلاء في الوقت الحاضر كسبب لزيادة غلة المحافظة أو الوزارة من الموازنة العامة للتأسيس مشاريع بنى تحتية وتقليص فجوة بين الأفراد ممن هم دون خط الفقر وغيرهم، وفي الحقيقة ان هذه الأموال حين تخصص يتم تحويلها إلى مشاريع انتقائية غير قائمة على دراسات حقيقية ولا يتم انتخابها وفقاً للحاجة الفعلية بل يتم توظيفها انتخابيا أو فئوياً.

 هذا ومن الملاحظ أن التشريعات الوطنية والعالمية دأبت على النص صراحة على الحق في العيش الكريم فقد ورد في المادة (25) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان للعام 1948 التي جرى نصها على أن ((لكل شخص الحق في مستوى معيشة يكفى لضمان الصحة والرفاهة له ولأسرته، وخاصة في المأكل والملبس والمسكن والعناية الطبية وصعيد الخدمات الاجتماعية الضرورية، وله الحق الكامل في أن يأمن الغوائل في حالات البطالة أو المرض أو العجز أو الترمل أو الشيخوخة أو غير ذلك من الظروف الخارجة عن إرادته والتي تفقده أسباب عيشه)).

 وتأكد ما تقدم في المادة الحادية عشر من العهد الدولي للحقوق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية للعام 1966 بأن ((تقر الدول الأطراف في هذا العهد بحق كل شخص في مستوى معيشي كاف له ولأسرته، يوفر ما يفي بحاجتهم من الغذاء والكساء والمأوى، وبحقه في تحسين متواصل لظروفه المعيشية. وتتعهد الدول الأطراف باتخاذ التدابير اللازمة لإنفاذ هذا الحق، معترفة في هذا الصدد بالأهمية الأساسية للتعاون الدولي القائم على الارتضاء الحر، واعترافا بما لكل إنسان من حق أساسي في التحرر من الجوع، تقوم الدول الأطراف في هذا العهد، بمجهودها الفردي وعن طريق التعاون الدولي، باتخاذ التدابير المشتملة على برامج محددة ملموسة واللازمة في تحسين طرق إنتاج وحفظ وتوزيع المواد الغذائية، عن طريق الاستفادة الكلية من المعارف التقنية والعلمية، ونشر المعرفة بمبادئ المعيشية)) وتضمنت المادة السابعة والعشرون من اتفاقية حقوق الطفل للعام 1989 ((تعترف الدول الأطراف بحق كل طفل في مستوى معيشي ملائم لنموه البدني والعقلي والروحي والمعنوي والاجتماعي، يتحمل الوالدان أو أحدهما أو الأشخاص الآخرون المسؤولون عن الطفل، المسؤولية الأساسية عن القيام، في حدود إمكانياتهم المالية وقدراتهم، بتأمين ظروف المعيشة اللازمة لنمو الطفل، تتخذ الدول الأطراف، وفقا لظروفها الوطنية وفى حدود إمكانياتها، التدابير الملائمة من أجل مساعدة الوالدين وغيرهما من الأشخاص المسؤولين عن الطفل، على إعمال هذا الحق وتقدم عند الضرورة المساعدة المادية وبرامج الدعم، ولا سيما فيما يتعلق بالتغذية والكساء والإسكان)).

 فالحياة الكريمة تعني قدرة الفرد على تلبية الاحتياجات الأساسية وبلوغ الحد الأدنى من الرفاهية في حياته الفردية والأسرية، وهو بالحقيقة مفهوم نسبي يتباين من فرد إلى أخر باختلاف المجتمعات والشعوب والثقافات، فالفرد قد يتمتع بثروات طائلة لكنه يعيش في كنف نظام حكم دكتاتوري أو استبدادي، فلا يمكن القول انه يعيش حياة كريمة طالما رأيه السياسي أو الديني وحقوقه غير الاقتصادية مهضومة.

 يضاف إلى ما تقدم ان الحياة الكريمة في المفهوم الإسلامي ترتبط بالجوانب المادية والمعنوية التي تصل إلى طيب النفس ونقاء السريرة حيث يقول الحق سبحانه "مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ" فالآية المباركة تشير إلى الرضا بالحياة الطيبة التي لا يبخس فيها الإنسان من حقه شيئاً، لذا يمكن ان نتطرق إلى بعض من متطلبات الحياة الكريمة وفق الآتي: 

أولاً: حق الفرد بالغذاء: لا نعني الغذاء مطلقاً بل الغذاء الكافي أولاً، الملائم ثانياً، والآمن ثالثاً، حيث يكفي للفرد أي يسد كامل احتياجاته اليومية فينبغي ان يكون منوعاً ومتناسباً مع متطلبات الفرد الذي يمر في حياته بأدوار يحتاج خلالها إلى نمط محدد من الغذاء، فما يحتاجه الشاب يختلف عما يتطلبه جسم الشيخ الكبير وما ينبغي للمرأة الحامل يتباين عما يتعين لغيرها، لذا يجب ان يكون متناسب مع كل حالة أو فرد، وآمن أي ان لا يشكل خطراً حالاً أو مستقبلياً على الفرد، ولو رجعنا إلى العراق فان الطبقة الفقيرة من الأفراد بالغالب يعتاشون على ما يوزع عليهم من خلال وزارة التجارة مما بات يعرف بالسلة الغذائية، بيد ان المقلق أن ملف الفساد طالها منذ عقود وكثر الكلام عن نوع وصنف ما يوزع فيها وحالته، فقد سمعنا مراراً عن تلف وتقادم هذه المواد أو تعرضها إلى سوء الخزن أو ما شاكل من إشكاليات عميقة.

 أما بقية الشرائح من المجتمع العراقي فهم ليسوا بمنأى من المخاطر فالتضخم يسجل في الآونة الأخيرة أرقاماً كبيرة جداً تكاد تأتي على مداخيل حتى الأفراد الميسورين، وتحد من قدرتهم على انتقاء الغذاء المناسب فهم بحاجة إلى الأمن الاقتصادي الذي يراقب جشع التجار ويمنع تلاعبهم واستعمال بعضهم للغش في تغيير تاريخ الصلاحية أو جهة المنشأ وغير ما تقدم، وإيجاد أجهزة رسمية حقيقية لحماية المستهلك تلزم المنتج والبائع ببيان الخصائص الذاتية لكل منتج ومكوناته ومدى اشتماله على مواد معدلة وراثياً أو مصنعة كلياً أو جزئياً، وهذا ما يدعى بالأمن الغذائي الفردي الذي يتجاوز استدامة توفير الغذاء إلى حتمية إطلاع المستهلك على جميع الظروف والمعايير التي رافقت المنتج خلال عمليات التصنيع أو التخزين.

ثانياً: حق الفرد في السكن الملائم: لا يراد بالسكن المحل الذي يقيم فيه الفرد أو الأسرة فحسب بل هو العالم الخاص بهم الذي يصون حياتهم وخصوصياتهم بما يحفظ كرامتهم المتأصلة، ولا دخل لما تقدم بمستوى دخل الفرد أو معدل موارده الذاتية الشهرية أو السنوية بل يجب ان يستجيب السكن الملائم لمعايير الكرامة الإنسانية التي تتمثل في (الخصوصية، المساحة الكافية، الأمان، الراحة التي تتطلب الإنارة والتهوية والصرف الصحي) ويمكن ترجمة ما تقدم إلى مؤشرات مهمة يقف في مقدمتها أمن الحيازة فلا يشترط ان يكون المسكن مملوكاً للفرد بل يشترط ان يحقق له أمن حيازة هذا المكان فلا يكون مهدداً بالإخلاء المفاجئ أو القسري أو المضايقات اليومية.

 وهو ما يذكرنا بثلة من العراقيين الطيبين ممن اضطرتهم الظروف إلى السكن العشوائي أو في أملاك عائدة للدولة فيما بات يعرف بـ(التجاوز) وعلى الرغم أننا لا نشجع هذه الظاهرة ولا ندافع عمن يقوم بذلك لكننا نذكر ان هذه المساكن لا توفر لهم العيش الكريم، ويقع واجباً على الدولة حل مشكلتهم جذرياً، امتثالاً للنص الدستوري حيث تلزم المادة الثلاثون من دستور جمهورية العراق للعام 2005 بأن ((تكفل الدولة الضمان الاجتماعي و الصحي للعراقيين في حال الشيخوخة أو المرض أو العجز عن العمل أو التشرد أو اليتم أو البطالة، وتعمل على وقايتهم من الجهل والخوف والفاقة، وتوفر لهم السكن والمناهج الخاصة لتأهيلهم والعناية بهم، وينظم ذلك بقانون)).

 والأمر الأخر ليكون السكن كريماً هو توافر الخدمات والبنى التحتية من مياه الشرب والصرف الصحي إلى خدمات البلدية وتوافر الكهرباء وغاز الطبخ إلى غير ذلك من الأمور التي لا غنى عنها يومياً، وبالمناسبة نحن لا نطالب بتوفيرها فحسب بل نؤكد ضرورة ان تكون بمتناول الجميع لا سيما الفقراء والمعدمين وذوي الهمم وغيرهم، والملفت أن العراق يعاني من أزمة مستفحلة في السكن فلجأت السلطات لا سيما المحلية إلى الاستثمار بصيغة المجمعات السكنية فكانت في كل محافظة جزء من المشكلة لا الحل لأنها متاحة للميسورين فحسب وبعيدة المنال عن الفقراء والمعدمين، بل ان دور إيواء المسنين والأيتام هي الأخرى لا تتوافر فيها أدنى مقومات السكن الكريم بسبب الاكتظاظ وقلة الخدمات وتقادم الأبنية والمنشأة.

 كما ونشير إلى ان السكن الكريم ليحمل هذه الصفة ينبغي ان يراعي الكرامة الثقافية بأن يؤخذ بنظر الاعتبار في التصاميم الأساسية للمدن توافر محال العبادة والتعبير عن الجوانب الثقافية أو الدينية أو الاعتيادية فيكون محلاً للسكن المعنوي وليس المادي فحسب.

ثالثاً: حق الفرد في الماء: لم يعد الحق في الماء كما كان بل بات الأخير مطلباً ملحاً ومعياراً جوهرياً للعيش الكريم أعني ضرورة توفير مياه شرب مؤمنة من حيث الاستمرارية ومناسبة للاستهلاك البشري فالعيش الكريم مرتبط بالحق في بلوغ أعلى مستوى للصحة البدنية والنفسية ولا يمكن ان يتحقق ذلك بلا ماء صالح للاستعمالات اليومية وفي العراق تعاني المحافظات لاسيما الجنوبية منها من أزمات متتالية سببها شح المياه المخصصة للاستعمالات المنزلية والنظافة الشخصية.

رابعاً: الحق في التعليم والصحة: مما لا شك فيه ان الحياة الحرة الكريمة ترتبط أشد الارتباط بحق الفرد في التعليم وتلقي الخدمات الصحية المناسبة سواء منها المنقذة للحياة أو التي من شأنها تحسين نمط الحياة ولذا أمد الدستور العراقي على مجانية التعليم في المادة (34) وأهمية البحث العلمي لتغيير الحياة إلى الأفضل وضرورة توفير الضمان الصحي للفئات الأشد ضعفاً في المجتمع، وورد في المادة الثلاثون من دستور جمهورية العراق للعام 2005 أنه ((اولاً: تكفل الدولة للفرد وللأسرة -وبخاصة الطفل والمرأة- الضمان الاجتماعي والصحي، والمقومات الأساسية للعيش في حياةٍ حرة كريمةٍ، تؤمن لهم الدخل المناسب، والسكن الملائم)).

خامساً: الحق في العمل: وهو حق أساس للحياة الحرة الكريمة حيث ورد في الدستور العراقي للعام 2005 بالمادة (22) أن ((العمل حق لكل العراقيين بما يضمن لهم حياة كريمة)) فالعمل يؤمن للفرد متطلبات الحياة ويجعله في غنى عن الآخرين ويكاد لا يمر يوم إلا ونسمع في نشرات الأخبار عن تظاهرات لطالبي العمل أو التعيين في دوائر الدولة، لاسيما من خريجي الكليات الصحية أو الطبية وما تقدم دليل دامغ على فشل الحكومة في التخطيط لاستيعاب الهبة الطبيعية للعراق بوجود فئة شابة تمثل أغلب السكان ممن هم في سن العمل.

.........................................

مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات/2009-Ⓒ2026

هو أحد منظمات المجتمع المدني المستقلة غير الربحية مهمته الدفاع عن الحقوق والحريات في مختلف دول العالم، تحت شعار (ولقد كرمنا بني آدم) بغض النظر عن اللون أو الجنس أو الدين أو المذهب. ويسعى من أجل تحقيق هدفه الى نشر الوعي والثقافة الحقوقية في المجتمع وتقديم المشورة والدعم القانوني، والتشجيع على استعمال الحقوق والحريات بواسطة الطرق السلمية، كما يقوم برصد الانتهاكات والخروقات التي يتعرض لها الأشخاص والجماعات، ويدعو الحكومات ذات العلاقة إلى تطبيق معايير حقوق الإنسان في مختلف الاتجاهات...

http://ademrights.org

ademrights@gmail.com

https://twitter.com/ademrights

ذات صلة

رأس المال الحقيقي وقواعد استثمارهالجيل الذي يضحك على كل شيءثلاثية بناء الدولة: التعليم، العمل، والثقافةالتعصّب لا الوعي!علي كما وصف علاقته بالرسول