لماذا سمح ترمب بزوال سُبُل الحد من التسلح النووي
بروجيكت سنديكيت
2026-02-15 03:57
بقلم: ستيفن هولمز
برلين ــ كان الأثر الذي خلفه انتهاء العمل بمعاهدة "نيو ستارت" (New START) أبعد كثيرا من مجرد إزالة الحدود القصوى العددية المفروضة على ترسانات الأسلحة النووية في روسيا والولايات المتحدة. فقد أدى زوال المعاهدة إلى تفكيك نظام المعرفة المشتركة ــ عمليات التفتيش، وتبادل البيانات، وأنظمة الإخطار ــ الذي جعل الالتزامات الجديرة بالثقة في حكم الممكن.
تعكس هذا النتيجة أكثر من مجرد فشل سياسي منعزل. فهي تعكس رؤية ترمب للعالم ــ والتي يمكننا أن نسميها "نظرية المعرفة" من منظور صانع الصفقات. من هذا المنظور، لا تشكل المعرفة المؤسسية الدائمة ميزة بل قيد. والمفاوضات ليست عمليات تراكمية تتعلم من خلالها الدول عن بعضها بعضا بمرور الوقت، بل معاملات منعزلة يكون فيها النفوذ أكثر أهمية من الذاكرة.
من هنا تأتي ثقة ترمب في إرسال مبعوثين هواة من أمثال ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر ــ غير مثقلين بعبء معرفة المفاوضات السابقة ــ لحل نزاعات بالغة التعقيد. في هذه النظرة، لا يشكل انعدام الخبرة عائقا؛ بل هو مؤهل.
تقدم مسيرة ترمب في عالَم الأعمال ــ العامرة بمئات النزاعات حول المدفوعات مع مقاولين وموردين ــ صورة مصغرة كاشفة. يصف شركاؤه السابقون ممارسة روتينية: التفاوض بعدوانية، ثم إعادة التفاوض بعد التسليم، على النحو الذي يجبر الأطراف المقابِلة فعليا على قبول الأقل أو اللجوء إلى دعاوى قضائية مكلفة. يصف علماء قانون العقود هذه الطريقة في العمل بأنها "بيع النية الحسنة" ــ استخراج القيمة عن طريق استهلاك رأس المال السمعي بدلا من الحفاظ عليه.
يتجلى المنطق ذاته بوضوح في النهج الذي يتبناه ترمب في التعامل مع التحالفات. الواقع إن ادّعاءه المتكرر بأن الحلفاء الأوروبيين يجب أن "يدفعوا" مقابل الحماية الأميركية ــ مقترنا باقتراحاته بأن روسيا يجب أن تشعر بالحرية في "فعل ما تشاء" تجاه أعضاء حلف شمال الأطلسي (الناتو) غير المنصاعين ــ يشبه شيئا أقرب إلى الابتزاز منه إلى دبلوماسية تقاسم الأعباء التقليدية.
لكن ترمب ليس زعيم مافيا. إنه عاجز عن الوفاء بوعوده. فحتى عندما يُطلب من الحلفاء الأوروبيين زيادة الإنفاق الدفاعي لتأمين الحماية الأميركية، فإنهم يُدفَعون إلى الشك في التزام أميركا بضمان الدفاع المتبادل بموجب مواثيق الناتو. والنتيجة تشبه ابتزاز الحماية حيث تُـحَصَّل الرسوم دون تقديم الحماية.
مثل هذا النوع من اللعب على الحبلين قد يكون مربحا في ظل ظروف محددة للغاية. وهو يعمل على أفضل وجه في التفاعلات التي تحدث مرة واحدة، عندما لا تتوقع الأطراف المعنية تعاملات متكررة ويتعذر تداول المعلومات حول السلوكيات السابقة بسهولة. ومن الواضح أن نموذج الأعمال التجارية المشتت جغرافيا الذي يتبناه ترمب ــ فندق في سوق ما، وكازينو في سوق آخر، واتفاق ترخيص في مكان ثالث ــ يتناسب مع هذه الظروف بدرجة غير عادية.
هذه ليست حال الدبلوماسية الدولية. ذلك أن العلاقات بين الدول متكررة بالضرورة. فهي تراقب بعضها بعضا، وتتبادل المعلومات الاستخباراتية، وتحدّث توقعاتها بشكل جماعي. والسمعة ليست محلية؛ إنها عالمية وتراكمية. والحكومة التي تتخلى عن اتفاق ما لا يُحكم عليها من قِبَل الطرف المقابل المباشر فحسب، بل من قِبَل كل دولة تقيّم الالتزامات المنتظرة في المستقبل.
لهذا السبب تشكل خسارة معاهدة نيو ستارت أهمية أبعد كثيرا من العلاقات بين الولايات المتحدة وروسيا. فقد حافظت المعاهدة على بنية أساسية معرفية مشتركة: عمليات التفتيش الميدانية، وتبادل القياسات عن بعد، وإخطارات الحركة. عملت هذه الآليات على التخفيف من حالة انعدام اليقين. وفي مجال الردع النووي، غالبا ما يكون التخفيف من انعدام اليقين أكثر دعما للاستقرار من خفض أحجام الترسانات. وأنظمة التحقق ليست ملحقات بيروقراطية للحد من التسلح؛ إنها الآليات التي من خلالها تتعهد الدول بالتزامات يمكن التعويل عليها بشأن المستقبل.
عندما يختفي التحقق، تملأ الشكوك الفراغ. وفي الاستراتيجية النووية، تتعزز الشكوك ذاتيا. يجب على كل طرف أن يفترض الأسوأ بشأن قدرات ونوايا الطرف الآخر. وتصبح الاستجابة العقلانية هي التحوط ــ نشر مزيد من الرؤوس الحربية، ورفع مستويات التأهب، وتسريع برامج التحديث. بهذا المعنى، لا يكون سباق التسلح دائما نتاج نية عدوانية. بل يكون غالبا نتاجا لاضمحلال المعلومات.
عندما يُـبدي المهندس الرئيسي للنظام الأمني بعد عام 1945 عدم اكتراثه بالاستمرارية المؤسسية، تُـقَصِّر الدول الأخرى آفاقها الزمنية بشكل منطقي. ويصبح النظام الدولي أقل توجها نحو المستقبل، ليس لأن الدول أصبحت متهورة على نحو مفاجئ، بل لأن الأسس المعلوماتية التي يقوم عليها ضبط النفس الطويل الأمد تتآكل.
يكمن وراء هذه الخيارات صراع أعمق حول الزمن السياسي. الفارق الجوهري هنا ليس بين القادة الذين يهتمون بالمستقبل وأولئك الذين لا يهتمون به، بل بين مفهومين لكيفية إدارة المستقبل.
الزمن المؤسسي تراكمي. وهو يعتمد على الخبرة، ونظم التحقق، والتحالفات، والذاكرة. وتُبنى الثقة ببطء وتُصان عبر الإدارات المتوالية بل وعبر الأجيال.
أما الزمن العَرَضي فهو زمن معاملاتي. فالمفاوضات عبارة عن لقاءات درامية بين أطراف رئيسية، كل منها مستقل إلى حد كبير عن الماضي ومقيد بروابط ضعيفة بالمستقبل. يُقاس النجاح بنتيجة اللحظة وليس بمدى استمرارية الاتفاق الذي ينتج عنه. عندما يعد ترمب بإنهاء الحروب في يوم واحد، فهذا ليس مجرد غرور؛ إنه إلغاء للمستقبل كشيء يتكشف تباعا، ويتطلب الصبر، والرعاية، والاستثمار.
إن نظرية المعرفة من منظور صانع الصفقات عَرَضية بطبيعتها. قد تبدو المعرفة العميقة بالطرف المقابل عبئا وليس ميزة. وقد يبدو فهم القيود التي شكلت الاتفاقات السابقة ضعفا وليس هدفا واقعيا. وتصبح الذاكرة المؤسسية شكلا من أشكال الركون إلى الماضي وليست موردا للإبحار عبر المستقبل.
لكن الاستقرار النووي ينتمي إلى الزمن المؤسسي. لا يعتمد الردع على القدرات فحسب، بل على التوقعات التي يمكن التنبؤ بها حول كيفية تطور تلك القدرات. وعندما تتآكل أنظمة التحقق، لا تتحرر الدول من القيود فحسب، بل تفقد الطرق المشتركة لتفسير سلوك بعضها بعضا. وتصبح أسوأ الافتراضات مواقف افتراضية عقلانية.
تفترض نظرية المعرفة من منظور صانع الصفقات أن المرء، في حال فشل المفاوضات، يستطيع أن ينسحب ويحاول مرة أخرى مع شخص آخر. في الاستراتيجية النووية، لا توجد سوق أخرى، ولا طرف مقابل جديد، ولا فرصة ثانية لتصحيح خطأ حسابي كارثي.
في سوق العقارات في نيويورك، بلغت نظرية المعرفة من منظور صانع الصفقات حدودها الطبيعية في نهاية المطاف. فقد رفض المقاولون والبنوك والموردون، الذين تضرروا من تلاعب ترمب المتكرر، التعامل معه مرة أخرى. ولحقت السمعة بالممارسة.
لكن هذا لا ينطبق على الناخبين الأميركيين، الذين عهدوا الآن مرتين بالرئاسة إلى رجل كانت مهاراته التجارية المميزة تتمثل في خيانة "مصالح الآخرين التي يمكن التعويل عليها". ويتبقى لنا أن نرى ما إذا كان هذا ليؤدي إلى أضرار جسيمة أو يتحول إلى موقف كارثي لا يمكن إصلاحه. لكن انتهاء العمل بمعاهدة نيو ستارت يجب أن يوضح أمرا واحدا: إن استعداد ترمب لخرق الالتزامات والتعهدات ليس مشكلة داخلية أميركية، ولا حتى مشكلة أطلسية. إنه مشكلة للكوكب بأسره. لأول مرة في أكثر من نصف قرن من الزمن، يوجد ما يقرب من 8000 رأس حربي في ترسانتين، في غياب أي قيود ملزمة، ودون أي سبيل للتحقق. من المروع أن ندرك أن الاستقرار النووي، الذي بُني على مدى عقود من الزمن، قد يتلاشى في غضون أشهر على يد زعيم يعتقد أن "الخاسرين" فقط هم من يقطعون وعودا يتعين عليهم الوفاء بها.