هيهات منا الذلة.. مفهوم الذلة في القرآن الكريم

د. فاضل حسن شريف

2026-08-04 05:20

جاء في معاني القرآن الكريم: ذلل، الذل: ما كان عن قهر، يقال: ذل يذل ذلًا، راجع: الأفعال 3/589، والذل ما كان بعد تصعب وشماس من غير قهر، انظر: البصائر 3/17، يقال: ذل يذل ذلًا. وقوله تعالى: "واخفض لهما جناح الذل من الرحمة" ﴿الإسراء: 24﴾، أي: كن كالمقهور لهما، وقرئ "جناح الذل"، وهي قراءة شاذة، قرأ بها ابن عباس وسعيد بن جبير وعروة بن الزبير، انظر: تفسير القرطبي 10/244، أي: لن وانقد لهما. يقال: الذل والقل، والذلة والقلة، قال تعالى: "ترهقهم ذلة" ﴿المعارج: 44﴾، وقال: "ضربت عليهم الذلة والمسكنة" ﴿البقرة: 61﴾، وقال: "سينالهم غضب من ربهم وذلة" ﴿الأعراف: 152﴾.

وذلت الدابة بعد شماس، يقال: شمست الدابة والفرس تشمس شماسًا وشموسًا، وهي شموس: شردت وجمحت ومنعت ظهرها. اللسان: "شمس"، ذلًا، وهي ذلول، أي: ليست بصعبة. قال تعالى: "لا ذلول تثير الأرض" ﴿البقرة: 71﴾. والذل متى كان من جهة الإنسان نفسه لنفسه فمحمود، نحو قوله تعالى: "أذلة على المؤمنين" ﴿المائدة: 54﴾، وقال: "ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة" ﴿آل عمران: 123﴾، وقال: "فاسلكي سبل ربك ذللًا" ﴿النحل: 69﴾، أي: منقادة غير متصعبة. قال تعالى: "وذللت قطوفها تذليلًا" ﴿الإنسان: 14﴾، أي: سهلت، وقيل: الأمور تجري على أذلالها، انظر: البصائر 3/18، والمجمل 2/354، والأساس ص144، أي: مسالكها وطرقها.

عن تفسير الميسر: قوله تعالى عن الذلة: "لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ ۖ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ ۚ أُولَـٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ" ﴿يونس: 26﴾. ذلة: اسم، ذلّة: أثر هوان ما. للمؤمنين الذين أحسنوا عبادة الله فأطاعوه فيما أمر ونهى، الجنةُ، وزيادة عليها، وهي النظر إلى وجه الله تعالى في الجنة، والمغفرةُ والرضوان، ولا يغشى وجوههم غبار ولا ذلة، كما يلحق أهل النار. هؤلاء المتصفون بهذه الصفات هم أصحاب الجنة ماكثون فيها أبدًا.

قوله عز وجل: "وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ۖ مَّا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ ۖ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِّنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا ۚ أُولَـٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ" ﴿يونس: 27﴾. ذِلَّةٌ: مهانة وصغار. والذين عملوا السيئات في الدنيا فكفروا وعصوا الله، لهم جزاء أعمالهم السيئة التي عملوها بمثلها من عقاب الله في الآخرة، وتغشاهم ذلّة وهوان، وليس لهم من عذاب الله من مانع يمنعهم إذا عاقبهم، كأنما أُلبست وجوههم طائفة من سواد الليل المظلم. هؤلاء هم أهل النار ماكثون فيها أبدًا.

قوله جل جلاله: "خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ۖ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ" ﴿القلم: 43﴾. "تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ": تغشاهم المهانة والكرب. منكسرة أبصارهم لا يرفعونها، تغشاهم ذلة شديدة من عذاب الله، وقد كانوا في الدنيا يُدعون إلى الصلاة لله وعبادته، وهم أصحاء قادرون عليها فلا يسجدون؛ تعظمًا واستكبارًا.

قوله سبحانه: "خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ۚ ذَٰلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ" ﴿المعارج: 44﴾. "تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ": تغشاهم مهانة شديدة. فاتركهم يخوضوا في باطلهم ويلعبوا في دنياهم حتى يلاقوا يوم القيامة الذي يوعدون فيه بالعذاب، يوم يخرجون من القبور مسرعين، كما كانوا في الدنيا يذهبون إلى آلهتهم التي اختلقوها للعبادة من دون الله، يهرولون ويسرعون، ذليلة أبصارهم منكسرة إلى الأرض، تغشاهم الحقارة والمهانة. ذلك هو اليوم الذي وعدوا به في الدنيا، وكانوا به يهزؤون ويكذبون.

قوله عز من قائل: "إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ" ﴿الأعراف: 152﴾. "وَذِلَّةٌ": وَحرف عطف، ذِلَّةٌ اسم. إن الذين اتخذوا العجل إلهًا سينالهم غضب شديد من ربهم وهوان في الحياة الدنيا؛ بسبب كفرهم بربهم، وكما فعلنا بهؤلاء نفعل بالمفترين المبتدعين في دين الله، فكل صاحب بدعة ذليل.

وعن تفسير الميزان للسيد الطباطبائي: قوله تعالى عن الذلة: "لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ ۖ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ ۚ أُولَـٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ" ﴿يونس: 26﴾. الحسنى مؤنث أحسن، والمراد المثوبة الحسنى، والمراد بالزيادة الزيادة على الاستحقاق، بناءً على أن الله جعل من فضله للعمل مثلًا من الجزاء والثواب، ثم جعله حقًا للعامل في مثل قوله: "لهم أجرهم عند ربهم" ﴿آل عمران: 199﴾، ثم ضاعفه وجعل المضاعف منه أيضًا حقًا للعامل كما في قوله: "من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها" ﴿الأنعام: 160﴾.

وعند ذلك كان مفاد قوله: "للذين أحسنوا الحسنى" استحقاقهم للجزاء والمثوبة الحسنى، وتكون الزيادة هي الزيادة على مقدار الاستحقاق من المثل أو العشرة الأمثال، نظير ما يفيده قوله: "فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله" ﴿النساء: 173﴾. ولو كان المراد بالحسنى في قوله: "للذين أحسنوا الحسنى" العاقبة الحسنى، وليس فيما يعقل فوق الحسنى شيء، كان معنى قوله: "وزيادة" الزيادة على ما يعقله الإنسان من الفضل الإلهي، كما يشير إليه قوله: "فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين" ﴿السجدة: 17﴾، وما في قوله: "لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد" ﴿ق: 35﴾، فإن من المعلوم أن كل أمر حسن يشاؤه الإنسان، فالمزيد على ما يشاؤه أمر فوق ما يدركه، فافهم ذلك.

والرهق بفتحتين: اللحوق والغشيان، يقال: رهقه الدين، أي: لحق به وغشيه. والقتر: الدخان الأسود أو الغبار الأسود. وفي توصيفهم بقوله: "ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة" محاذاة لما في الآية التالية من وصف أهل النار بسواد وجوههم بالقتر، وهو سواد صوري، والذلة، وهي سواد معنوي. والمعنى: للذين أحسنوا في الدنيا المثوبة الحسنى وزيادة من فضل الله، أو العاقبة الحسنى وزيادة لا تخطر ببالهم، ولا يغشى وجوههم سواد من قتر ولا ذلة، وأولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون.

قال الحسين (عليه السلام): "ألا وإن الدعي بن الدعي قد ركز بين اثنتين: السلة أو الذلة، وهيهات منا الذلة". فالذلة الحقيقية هي طاعة يزيد وترك طاعة الله. وهكذا كان حال الإمام زين العابدين والسيدة زينب (عليهما السلام) أمام الطاغية يزيد. فالإنسان الذي يضع حب المادة والأولاد مقدمًا على حب الله تعالى، فإنه سيصبح ذليلًا في الآخرة، ذلك لاهتمام الإنسان بجسده وترك نفسه، ولا يعرف أن الجسد هو الفاني، والتي تحاسب هي النفس. وهناك فرق بين الطمع والطموح.

جاء في الموسوعة الإلكترونية لمدرسة أهل البيت (عليهم السلام) عن "هَيهَاتَ مِنَّا الذِّلَّة": هي جملة معروفة قالها الإمام الحسين (عليه السلام) يوم عاشوراء. بحسب المصادر التاريخية، قد أمر عبيد الله بن زياد جيشه بمحاربة الإمام الحسين في واقعة الطف في حالة عدم استسلامه. فألقى الإمام يوم عاشوراء خطبة أمام معسكر ابن زياد، وقال فيها: "إنّ الدَعيّ ابن الدعيّ قد ركزني بين اثنتين، بين السلّة والذلّة"، أي يريد مني الاستسلام له أو أسل سيفي وأحاربه، و"هيهات منّا الذلّة"، يأبى الله ذلك لنا ورسولُه، والمؤمنون، وحجور طابت وطهرت. نؤثر مصارع الكرام على طاعة اللئام. ذكرت بعض المصادر كلمة "الدَّنِيئَةُ" بدلًا من "الذِّلَّة"، أي: "وَهَيهَاتَ مِنَّا الدَّنِيئَةُ". أما اليوم، فيستخدم هذا الشعار في المسيرات الحسينية والمراسيم التي تقام في شهري محرم وصفر.

جاء في صفحة مقالات، وكالة أنباء براثا، عن ومضات من تاريخ السيد محمد باقر الحكيم، للكاتب مجاهد منعثر منشد: نجد أن السيد محمد باقر الحكيم كان ذا وفاء منقطع النظير، وفاء للإسلام والعمل الجهادي والإيمان بالقضية، ووفاء لأصدقائه فلم ينساهم خلال سنوات الفراق، ووفاء لمصلحة الناس. في 10/5/2003 عاد سماحته للعراق، واستقر في مدينة جده الإمام علي (عليه السلام)، النجف الأشرف، وأقام صلاة الجمعة في صحن جده أمير المؤمنين. وكان كثير القول ويردد دائمًا كلمة الإمام الحسين (عليه السلام): "هيهات منا الذلة". وكان الحكيم من الداعين إلى الإسراع بقيام حكم عراقي مستقل، فقد قال في خطاب بعد عودته إن العراقيين يرغبون في حكومة مستقلة، وإنهم لن يقبلوا بأي حكومة تفرض عليهم من الخارج.

عن تفسير الميسر: قوله تعالى عن الذلة: "وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا ۖ قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ ۚ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ ۗ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ۗ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ۗ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ" ﴿البقرة: 61﴾. "الذِّلَّةُ": ال أداة تعريف، ذِّلَّةُ اسم. الذلّة: الذلّ والصغار والهوان. واذكروا حين أنزلنا عليكم الطعام الحلو والطير الشهي، فبطِرتم النعمة كعادتكم، وأصابكم الضيق والملل، فقلتم: يا موسى لن نصبر على طعام ثابت لا يتغير مع الأيام، فادع لنا ربك يخرج لنا من نبات الأرض طعامًا من البقول والخُضَر والقثاء والحبوب التي تؤكل والعدس والبصل. قال موسى مستنكرًا عليهم: أتطلبون هذه الأطعمة التي هي أقل قدرًا، وتتركون هذا الرزق النافع الذي اختاره الله لكم؟ اهبطوا من هذه البادية إلى أي مدينة، تجدوا ما اشتهيتم كثيرًا في الحقول والأسواق. ولما هبطوا تبيَّن لهم أنهم يُقدِّمون اختيارهم، في كل موطن، على اختيار الله، ويؤثرون شهواتهم على ما اختاره الله لهم، لذلك لزمتهم صفة الذل وفقر النفوس، وانصرفوا ورجعوا بغضب من الله، لإعراضهم عن دين الله، ولأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين ظلمًا وعدوانًا، وذلك بسبب عصيانهم وتجاوزهم حدود ربهم.

قوله جل كرمه: "ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِّنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ" ﴿آل عمران: 112﴾. الذلة: الذلّ والصغار والهوان. جعل الله الهوان والصغار أمرًا لازمًا لا يفارق اليهود، فهم أذلاء محتقرون أينما وُجدوا، إلا بعهد من الله وعهد من الناس يأمنون به على أنفسهم وأموالهم، وذلك هو عقد الذمة لهم وإلزامهم أحكام الإسلام. ورجعوا بغضب من الله مستحقين له، وضُربت عليهم الذلَّة والمسكنة، فلا ترى اليهوديَّ إلا وعليه الخوف والرعب من أهل الإيمان. ذلك الذي جعله الله عليهم بسبب كفرهم بالله، وتجاوزهم حدوده، وقَتْلهم الأنبياء ظلمًا واعتداء، وما جرَّأهم على هذا إلا ارتكابهم للمعاصي، وتجاوزهم حدود الله.

وعن تفسير مجمع البيان للشيخ الطبرسي: قوله تعالى عن الذلة: "لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ ۖ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ ۚ أُولَـٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ" ﴿يونس: 26﴾. بين سبحانه أهل دار السلام فقال: "لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى"، ومعناه للذين أحسنوا العمل وأطاعوا الله تعالى في الدنيا، جزاء لهم على ذلك، الحالة الحسنى والمنزلة الحسنى، وهي الحالة الجامعة للذات والنعيم على أكمل ما يكون وأفضل ما يمكن، وهو تأنيث الأحسن. "وزيادة" ذكر في ذلك وجوه: أحدها أن الحسنى الثواب المستحق، والزيادة التفضل على قدر المستحق على طاعاتهم من الثواب، وهي المضاعفة المذكورة في قوله: "فله عشر أمثالها"، عن ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة. وثانيها أن الزيادة هي إن ما أعطاهم الله تعالى من النعم في الدنيا لا يحاسبهم به في الآخرة، عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام). وثالثها أن الزيادة غرفة من لؤلؤة واحدة لها أربعة أبواب، عن علي (عليه السلام)، وقيل الزيادة ما يأتيهم في كل وقت من فضل الله مجددًا. ورابعها أن الزيادة هي النظر إلى وجه الله تعالى، وروي ذلك عن أبي بكر وأبي موسى الأشعري وغيرهما، وقد بين الله سبحانه الزيادة في موضع آخر بقوله: "ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله". "وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ"، أي: لا يلحق وجوههم سواد، عن ابن عباس وقتادة، وقيل غبار، ولا ذلة، أي: هوان، وقيل كآبة وكسوف، عن قتادة. وروى الفضيل بن يسار عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام)، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ما من عين ترقرقت بمائها إلا حرم الله ذلك الجسد على النار، فإن فاضت من خشية الله لم يرهق ذلك الوجه قتر ولا ذلة. "أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ"، مر معناه.

جاء في موقع العرفان عن "هيهات منا الذلة": لماذا أخذ عيالهُ معه؟ وجوابهُ: إننا في حدود تصورنا الممكن لنا، يمكننا أن نحدد ونعدد عدة مصالح حقيقية ومهمة لذلك، نوجزها فيما يلي:

أولًا: إنه أخذهم امتثالًا لأمر الله سبحانه؛ لأنه هو الذي أمره بذلك. وهذا صحيح أكيدًا، ومن شواهد تلك العبارة الواردة: "شاء الله أن يراهنّ سبايا"، ولكننا إذا أردنا الغرض من الحكمة الإلهية في ذلك، وإن الله سبحانه لماذا أمره بذلك، لم نجد في هذا السبب وجهًا كافيًا، فنعود إلى الوجوه الأخرى التالية.

ثانيًا: إنه أخذهم معه ليشاركوه في نيل الثواب العظيم المذخور لشهداء كربلاء، كل منهم بمقدار استحقاقه، فلماذا يكون الثواب حكرًا على الرجال دون النساء؟ ولماذا يكون له منه حصة الأسد ويُحرم الباقون؟ بل الثواب ينبغي أن يوزع على أوسع نطاق ممكن، وهكذا كان.

ثالثًا: إنهم جاءوا معه بطلب منهم، وقد استجاب لطلبهم فأخذهم معه. وقد جاء هذا الطلب حبًا له وشوقًا إليه واستيحاشًا من فراقه، وليس كل ذلك أمرًا دنيويًا فحسب، بل هو كذلك بصفته إمامهم وقائدهم وولي الله بينهم، مضافًا إلى توقعهم نيل الثواب معه، كما أشرنا في الوجه السابق.

رابعًا: إنهم جاءوا معه، أو إنه أخذهم معه، بحسب الحكمة الإلهية ليكملوا ثورة الحسين بعد مقتله، كما حصل ذلك على أفضل وجه، وذلك بأن يكونوا ناطقين أمام المجتمع بأهداف الحسين وأهمية مقتله والإزراء بأعدائه، ويمارسوا الإعلام الواسع حينما لا يكون الرجال قادرين على ذلك بعد موتهم واستئصالهم. وهذا الإعلام كان ضروريًا للمجتمع تمامًا، وإلا لذهبت حركة الحسين (عليه السلام) في طي النسيان والكتمان، ولما أثرت أثرها البليغ في مستقبل الدهر. فكان من الضروري في الحكمة الإلهية وجود النساء معه لكي يعبّرن عن الحسين ويدافعن عنه بعد مقتله. ومن هنا "شاء الله أن يراهنّ سبايا"؛ لأن هذا السبي دليل عملي قاطع على فظاظة أعدائهم وما يتصفون به من القسوة واللؤم وعدم العناية بالدين، وهذا وحده يكفي للإعلام إلى مصلحة الحسين (عليه السلام)، فضلًا عن غيره.

وهذا التعريف المتأخر عن ثورة الحسين (عليه السلام) ليس لأجل مصلحة الحسين نفسه، ولا لمصلحة أصحابه المستشهدين معه؛ لأنهم نالوا بالشهادة ما رزقهم الله جل جلاله من المقامات العالية في الدار الآخرة، وإنما هذا الإعلام أراده الله سبحانه لأجل الناس وهداية المجتمع. فما يقال من أنه إكمال لثورة الحسين (عليه السلام)، يراد به الجانب الظاهري في الدنيا، لا الجانب الباطني في الآخرة. وهذا التعريف كما يصلح أن يكون تبكيتًا، تبكيتًا: مثل بكّته، قرّعه وعنّفه، وفضحًا لأعداء الحسين (عليه السلام) في كل جيل، وردعًا عن التفكير في مثل هذه الجريمة النكراء لكل حاكم ظالم على مدى التاريخ، كذلك يصلح لهداية الناس نحو الحسين (عليه السلام)، وبالتالي نحو دين الله عز وجل، ونحو أهداف الحسين الإلهية، وبالتالي نحو طاعة الله عز وجل والتربية الصالحة في إطاعة الدين وعصيان الشهوات والتمرد على كل ظلم وفساد، سواء كان في المجتمع أو في النفس الأمّارة بالسوء.

جاء في بحار الأنوار للعلامة المجلسي: قال السبط الشهيد المفدى سيد الشهداء الحسين بن علي، صلوات الله وسلامه عليهما، في خطبته يوم عاشوراء، إذ عُرض عليه وأصحابه الأمان، فأنف من الذل: "ألا وإن الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين، بين الذلة والسلة، هيهات منا الذلة، يأبى الله ذلك لنا ورسوله والمؤمنون، وحجور طابت وطهرت، وأنوف حمية، ونفوس أبيّة من أن تؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام، ألا وإني زاحف بهذه الأسرة، ومقلل من هذه الكثرة، مع قلة العدد وخذلة الناصر". ولنعم ما قال الحميري:

طعمت أن تسومه الضيم قوم

وأبى الله والحسام الصنيع

كيف يلوي على الدنية جيدًا

لسوى الله ما لواه الخضوع

فأبى أن يعيش إلا عزيزًا

أو تجلى الكفاح وهو صريع

فتلقى الجموع فردًا ولكن

كل عضو في الروع منه جموع

زوج السيف بالنفوس ولكن

مهرها الموت والخضاب النجيع

وقال (صلى الله عليه وآله): من أصبح من أمتي وهمته غير الله فليس من الله، ومن لم يهتم بأمور المؤمنين فليس منهم، ومن أقر بالذل طائعًا فليس منا أهل البيت.

وكتب (صلى الله عليه وآله) إلى معاذ يعزيه بابنه: "من محمد رسول الله إلى معاذ بن جبل، سلام عليك، فإني أحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو. أما بعد، فقد بلغني جزعك على ولدك الذي قضى الله عليه، وإنما كان ابنك من مواهب الله الهنيئة وعواريه المستودعة عندك، فمتعك الله به إلى أجل وقبضه لوقت معلوم، فإنا لله وإنا إليه راجعون. لا يحبطن جزعك أجرك، ولو قدمت على ثواب مصيبتك لعلمت أن المصيبة قد قصرت لعظيم ما أعد الله عليها من الثواب لأهل التسليم والصبر. واعلم أن الجزع لا يرد ميتًا ولا يدفع قدرًا، فأحسن العزاء، وتنجز الموعود، فلا يذهبن أسفك على ما لازم لك ولجميع الخلق نازل بقدره، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته".

جاء في كتاب دعاء الإمام الحسين في يوم عاشوراء بين النظرية العلمية والأثر الغيبي للسيد نبيل الحسني: وضع (عليه السلام) النقاط على الحروف في كشف ما انطوت عليه عزيمة عبيد الله بن زياد ومن سيقوم بتنفيذ هذا الأمر. وجاء ذلك في قوله (عليه السلام): "ألا وإن الدعي ابن الدعي قد تركني بين السلة والذلة، وهيهات له ذلك مني، هيهات منا الذلة".

إظهار موقفه الشرعي من هذه الحرب، وجاء ذلك في قوله (عليه السلام): "هيهات منا الذلة، أبى الله ذلك لنا ورسوله والمؤمنون، وحجور طهرت وجدود طابت، أن نؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام، ألا وإني زاحف بهذه الأسرة على قلة العدد، وكثرة العدو، وخذلة الناصر".

جاء في الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قوله تعالى عن الذلة: "لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ ۖ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ ۚ أُولَـٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ" ﴿يونس: 26﴾. بيض الوجوه وسود الوجوه: مرّت الإشارة في الآيات السابقة إلى عالم الآخرة ويوم القيامة، ولهذه المناسبة فإن هذه الآيات تبيّن مصير الصالحين وعاقبة المذنبين. فتقول في البداية: "للذين أحسنوا الحسنى وزيادة". ومع أن هناك بحثًا بين المفسرين في المقصود من الزيادة في هذه الجملة، إلا أننا إذا علمنا أن القرآن يفسر بعضه بعضًا، رأينا أن المراد هو الإشارة إلى الثواب المضاعف الكثير، الذي يتضاعف أحيانًا عشر مرات، وأخرى آلاف المرات، حسب نسبة الإخلاص والطهارة والتقوى وقيمة العمل. فنقرأ في الآية 160 من سورة الأنعام: "من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها". وفي الآية 173 من سورة النساء: "فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ". وفي الآيات المرتبطة بالإنفاق في سورة البقرة، آية 261، يدور الحديث أيضًا عن مكافأة الصالحين ومضاعفة عملهم إلى سبعمائة ضعف، أو مضاعفته أضعافًا كثيرة من قبل الله سبحانه.

والنقطة الأخرى التي ينبغي الالتفات إليها هنا، هي أن من الممكن أن تستمر هذه الزيادة والإضافة حتى في عالم الآخرة، أي إن الله سبحانه في كل يوم سيمنحهم موهبة ولطفًا جديدًا، وهذا يبيّن أن حياة العالم الآخر ليست على وتيرة واحدة، بل تستمر في حركتها نحو التكامل إلى ما لا نهاية. والروايات التي وردت عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في تفسير هذه الآية، والتي تبيّن أن المراد من "الزيادة" هو التوجه إلى نور الذات الإلهية المقدسة والاستفادة من هذه الموهبة المعنوية الكبيرة، قد تكون إشارة إلى هذه النكتة. وفي بعض الروايات المنقولة عن أهل البيت (عليهم السلام)، فُسّرت "الزيادة" بزيادة النعم الدنيوية التي يتفضل بها الله على الصالحين علاوة على ثواب الآخرة، ولكن لا مانع من أن تكون الزيادة في الآية أعلاه إشارة إلى كل هذه المواهب.

ثم تضيف الآية: "وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ". "يرهق" مأخوذة من مادة "رهق"، وهي بمعنى التغطية القهرية والجبرية، والقتر بمعنى الغبار والدخان. وفي النهاية تقول: "أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ". التعبير بالأصحاب إشارة إلى التناسب الموجود بين روحية هذه المجموعة ومحيط الجنة.

جاء في التفسير الوسيط للدكتور محمد سيد طنطاوي: قوله تعالى عن هيهات: "هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ" ﴿المؤمنون: 36﴾. ولفظ "هيهات" اسم فعل ماض، معناه: بعد بعدًا شديدًا، والغالب في استعمال هذا اللفظ مكررًا، ويكون اللفظ الثاني مؤكدًا تأكيدًا لفظيًا للأول. أي: قال الملأ من قوم هذا النبي لغيرهم، على سبيل التحذير من اتباعه: بعد بعدًا كبيرًا ما يعدكم به هذا الرجل من أن هناك بعثًا وحسابًا وجزاءً بعد الموت، وأن هناك جنة ونارًا يوم القيامة. قال الآلوسي: وقوله سبحانه: "هَيْهاتَ" اسم بمعنى بعد. وهو في الأصل اسم صوت، وفاعله مستتر فيه يرجع للتصديق أو للصحة أو للوقوع أو نحو ذلك مما يفهم من السياق. والغالب في هذه الكلمة مجيئها مكررة. وقوله: "لِما تُوعَدُونَ" بيان لمرجع ذلك الضمير، فاللام متعلقة بمقدر، كما في قولهم: سقيا له. أي: التصديق أو الوقوع المتصف بالبعد كائن لما توعدون.

جاء في شبكة المعارف الثقافية الإسلامية عن "هيهات منّا الذلّة": شعار الحسين يوم عاشوراء، وشعار جميع الأحرار الذين لا يرضخون للظلم، ولا يستسلمون لسلطة الجبابرة. وهذه الجملة صرّح بها الإمام الحسين في إحدى خطبه يوم عاشوراء، وجاء في مطلعها: "تبًا لكم أيها الجماعة وترحًا". وهو حين رأى إصرارهم على إرغامه على الاستسلام والبيعة في ذلك اليوم، أعلن رفضه قائلًا: "ألا وإنّ الدعي ابن الدعي قد تركني بين السلة والذلة، وهيهات له ذلك منّي، هيهات منا الذلة، أبى الله ذلك لنا ولرسوله والمؤمنون، وحجور طهرت، وجدود طابت، وأنوف حميّة، ونفوس أبيّة أن يؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام"، نفس المهموم: 131، مقتل الخوارزمي 7:2، بحار الأنوار 83:45 مع اختلاف يسير في الألفاظ.

وهذا النوع من النظرة إلى الحياة يعلّم الإنسان درسًا، ويجعله على مفترق طريقي الحياة ذليلًا أو الشهادة، واختيار عزة الشهادة، واعتبار الحياة الذليلة موتًا. في حرب صفين، لما رأى علي (عليه السلام) استيلاء جيش معاوية على الماء، وأن أصحابه قد نضب ما لديهم من ماء وهم على وشك الاستسلام الذليل، خطب فيهم وحرّضهم على إرواء سيوفهم من دم العدو حتى يتاح لهن الارتواء بالماء، قائلًا: "فالموت في حياتكم مقهورين، والحياة في موتكم قاهرين"، نهج البلاغة لصبحي الصالح، الخطبة 51. وهذا فهم متبلور في النهج الحماسي الحسيني والعلوي، وهو جوهر الحياة الكريمة. ردّ الحسين على بعض أفراد جيش الكوفة الذين طلبوا الانصياع لحكم يزيد لكي ينعم بالسلامة، قائلًا: "لا والله لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل ولا إقرار العبيد"، مقتل الحسين للمقرّم: 280، تاريخ الطبري 323:4، فهو يرى في مثل هذا الاستسلام ذلة العبودية، وهو يأنف ذلك. أنشد أبو نصر بن نباتة في رأي الإمام الحسين هذا:

والحسين الذي رأى الموت في العز

حياةً، والعيش في الذل قتلًا


ذات صلة

زيارة الأربعين والتكافل الحسيني في المنهج الحضاري للإمام الشيرازيالعيش في المنطقة الرمادية.. حين يتحول الحياد إلى خذلان للحق السعادة في زيارة الأربعين.. وخصوصية ارتباطها بالإمام الحسين عليه السلام(4)الأربعين كقوة ناعمة: كيف تعيد القيم الحسينية تقديم الإسلام للعالم؟زيارة الأربعين.. قراءة جديدة في حديث العلامات الخمس الهوية المؤمنة في مدرسة الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)زيارة الأربعين.. بوصفها مشروعاً لبناء الإنسان والمجتمع والدولة