مقاربةٌ سرديَّةٌ في قصة مريم القرآنيَّة

أحمد الشطري

2026-04-23 02:16

يستدعي تحليل السرد القرآني تجاوز القراءة التفسيرية التقليدية إلى مقاربة تستنطق بنيته بوصفها خطاباً لغوياً وجمالياً في آن. فالنص، في هذا الأفق، لا يُقرأ فقط بما يحمله من دلالات عقدية، بل أيضاً بما ينتجه من آليات سردية تُسهم في تشكيل المعنى وكشف البنية الحكائية. ومن ثم، يتيح هذا المسعى التحليلي، في ضوء ما تفتحه المناهج النقدية الحديثة من آفاق متجددة للفهم، مقاربةً أكثر انفتاحاً على الأبعاد الدلالية والجمالية في النص القرآني.

ومن هنا، تأتي هذه القراءة بوصفها مقاربة سردية لمقطع قصة مريم في سورة مريم، لتستأنس ببعض مفاهيم النقد المعاصر، كالتبئير، وتوزيع الأصوات، واقتصاد الوصف، سعياً إلى الكشف عن الكيفية التي يُبنى بها المعنى داخل النص، لا بوصفه معطى جاهزاً، بل بوصفه نتاجاً لحركة السرد ذاتها.

تبدأ القصة برسم ملامح المكان، لا بوصفه إطاراً ثابتاً، بل بوصفه حركةً ذات اتجاهين: خروجٌ من الأهل، وانحيازٌ نحو جهةٍ بعينها، هي الشرق. غير أن هذا الشرق لا يبدو مجرد إحداثية جغرافية، بل يكاد يشفّ عن معنى رمزي؛ إذ يحيل، في الوعي الإنساني، إلى البدء والانبثاق ومطلع النور. وهكذا، فإن حركة مريم ليست انتقالاً مكانياً فحسب، بل هي أيضاً انخراط في أفق بداية جديدة، ستعيد تشكيل علاقتها بذاتها وبالعالم.

ويكتمل هذا التشكيل باتخاذها ساتراً يحجبها عن الأنظار، غير أن السرد يتعمد إغفال ماهية هذا الحجاب، مكتفياً بإثبات فعل الاحتجاب ذاته. وهنا تتبدى مفارقة دقيقة: إذ يُترك ما هو بصريّ محسوس (الحجاب) غامضاً، في حين يُحدَّد ما هو مجرد (الاتجاه) بوضوح. وكأن النص يوجّه انتباهنا لا إلى شكل الحجاب، بل إلى معناه بوصفه دالّاً على الانفصال، والتهيؤ لتجربة لا تُرى بقدر ما تُعاش في العمق.

ومن زاوية التبئير، ينتقل النص من الرؤية الخارجية إلى الداخل مع لحظة: (فأرسلنا إليها روحنا)، وهو انتقال لا يُفقد السرد شموليته، بل يثريه عبر تنويع مستويات الإدراك داخله. ويمكن فهم هذه الحركة بالعودة إلى تقسيمات جيرار جينيت Gérard Genette، الذي ميّز بين أنماط التبئير، مبيّناً أن التبئير الداخلي لا يتعارض بالضرورة مع عليمية الراوي، بل يعيد توزيع المعرفة داخل النص دون أن يلغي مصدرها الكلي. كما لا يلزم أن يشمل التبئير العمل السردي بأكمله، بل قد ينصب على مقطع جزئي، قصيراً كان أو ممتداً، وهو ما ينسجم مع طبيعة هذا التحول في السياق (انظر: خطاب الحكاية، ص 202 وما بعدها). 

أما على مستوى البناء، فيتأسس النص على تعاقب مشاهد حوارية تتخللها وحدات وصفية موجزة تؤدي وظيفة الربط الزمني والدلالي معاً. فالحوار الأول بين مريم والروح يؤسس لما يمكن تسميته بلحظة اختراق، حيث يتقاطع الإنساني مع المفارق. ثم تأتي الجملة: (فحملته فانتبذت به مكاناً قصياً) بوصفها مثالاً على ما يسميه (جينيت) بالحذف، حيث يُضغط الزمن السردي اختزالاً، من غير أن يفقد الحدث كثافته الدلالية. ولا يقتصر هذا الحذف على تسريع وتيرة السرد، بل يؤدي وظيفة دلالية أعمق، إذ ينقل النص من لحظة البشارة إلى طور التحقق مباشرة، متجاوزاً مراحل التحول، وكأن السرد يتعمد إخفاء المسار ليُبرز النتيجة، فيُكثّف الأثر ويُبقي التجربة مفتوحة على التأويل.

وفي لحظة المخاض، ينغلق السرد على صوت مريم في مونولوج داخلي: (قَالَتۡ يَٰلَيۡتَنِي مِتُّ قَبۡلَ هَٰذَا وَكُنتُ نَسۡيٗا مَّنسِيّٗا)، حيث يتحول الخطاب من وصف الخارج إلى تمثيل الداخل. هنا تبلغ التجربة ذروتها، ويتحول التمني من رغبة في الموت إلى توقٍ إلى المحو الكامل، بما يكشف عن عمق التوتر الوجودي الكامن في المشهد. ولا تقف هذه اللحظة عند حدود البوح النفسي، بل تؤدي وظيفة بنيوية داخل السرد، إذ تمثل أقصى درجات الانغلاق قبل أن يعمد النص إلى تفكيكها، ممهداً لانتقال الصوت من الذات إلى الآخر، ومن الصمت الداخلي إلى الخطاب المعلن.

وعند هذه الذروة، يعمد السرد إلى تفكيكها عبر انتقال مفاجئ في مركز الصوت، حين ينفتح المشهد على حوار بين الأم ووليدها: (فَنَادَىٰهَا مِن تَحۡتِهَآ أَلَّا تَحۡزَنِي). ويمكن فهم هذا التحول بوصفه إزاحةً صوتية، ينتقل فيها مركز التلفظ من ذات مأزومة إلى كيان يتجاوز الأفق البشري. 

وفي هذا السياق، تتجلى ملامح تعدد الأصوات، بالمعنى الذي صاغه ميخائيل باختين Mikhail Bakhtin، حيث لا يعود النص أحادي الصوت، بل يغدو فضاءً لتجاور خطابات متعددة تتفاعل داخل بنية واحدة، بما يوسّع أفق المعنى ويحرّر الخطاب من انحصاره في تجربة فردية.

ولا يقتصر أثر هذا التعدد على تنويع الأصوات داخل المشهد، بل يمتد إلى إعادة توزيع سلطة القول نفسها، إذ لم يعد الصوت السردي محصوراً في مركز واحد، بل صار المعنى يتشكل عبر انتقال مستمر بين الذوات. وبهذا، يتحول النص من خطاب تُهيمن عليه جهة واحدة، إلى بنية مفتوحة تتوزع فيها السلطة بين المتكلم والمخاطَب، وبين الصمت والنطق، بحيث يغدو التلقي نفسه جزءاً من إنتاج المعنى لا مجرد استقبال له.

وعند مواجهة الجماعة، تبلغ هذه الإزاحة أقصاها؛ إذ تنسحب مريم من مركز القول، مكتفية بالإشارة: (فأشارت إليه)، وبهذا يكتسب الصمت قيمة سيميائية عالية، ويتحول إلى استراتيجية دلالية تعيد توزيع الأدوار داخل السرد. حيث لا تتحدد الذات بما تقوله فقط، بل أيضاً بما تختار أن تصمت عنه.

وفي هذه اللحظة، يتقدم عيسى بوصفه ذاتاً ناطقة، فيتحول من موضوع للقول إلى منتج له، وتبلغ البنية السردية ذروتها في هذا التحول المركب: تحول في الصوت، وفي مركز المعنى، وفي طبيعة الخطاب ذاته. فالسرد، في عمقه، لا يكتفي بنقل الحدث، بل يعيد تشكيل شروط الحكاية نفسها، فيسائل موقع المتكلم، وحدود القول، وإمكانات المعنى.

يتبين مما سبق أن البنية السردية في هذا المقطع لا تقوم على مجرد نقل الحدث، بل على تنظيم شروط ظهوره داخل النص. فالمكان لا يُستدعى بوصفه خلفية، بل بوصفه عنصراً دلاليّاً فاعلاً، والصمت لا يُفهم بوصفه غياباً، بل بوصفه فعلاً منتجاً للمعنى، كما أن الصوت السردي لا يظل ثابتاً، بل يتحول ويتنقل، مُعيداً توزيع مركز الخطاب داخل البنية السردية.

وبذلك، يتبدى السرد القرآني فضاءً ديناميّاً تتقاطع فيه مستويات متعددة: حسية ورمزية، فردية وجماعية، بشرية ومفارقة.

ومن ثم فإن مثل هذه المقاربات ستفتح لنا أفقاً لقراءات يمكن أن تستثمر أدوات النقد الحديث في مقاربة النصوص التراثية والقرآنية على وجه الخصوص، بما يكشف عن ثرائها البنيوي، دون أن يفصلها عن سياقاتها الدلالية الأوسع أو عن بعدها القدسي المتجذر.

ذات صلة

حاجة الإنسان القصوى لليقيننعيش في بحرٍ من المشاكل.. فما الحل المؤثر؟رئاسة الوزراء في العراق.. بين القيود الدستورية وتوازنات الواقع السياسيرؤيا مستقبلية لتعظيم الربحية من إنتاج النفط العراقيلقد بلغت حقبة الرجل القوي ذروتها