القرآن وتفكيك المجتمع التقليدي: من قداسة الموروث إلى سيادة القيم

محمد عبد الجبار الشبوط

2026-02-18 04:43

لا يتعامل القرآن مع المجتمع التقليدي بوصفه حالة اجتماعية بريئة أو قدراً تاريخياً معصوماً، بل يتعامل معه بوصفه بنيةً قابلة للنقد والتقويم وإعادة التأسيس، وهو في ذلك لا يدخل في خصومة مع “التراث” لكونه تراثاً، ولا مع “الانتماء” لكونه انتماءً، وإنما يدخل في مواجهة حاسمة مع تحويل الموروث إلى مرجعية مطلقة تعلو على الحق، وتمنع العقل من المراجعة، وتُعطّل القيمة باسم العادة.

أول ما يفككه القرآن في المجتمع التقليدي هو شرعية “الآباء” حين تتحول من احترام مشروع إلى حصانة فكرية تمنع السؤال، فالعبارة المتكررة على ألسنة الرافضين لدعوات الأنبياء: (إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ) لا تُذكر في القرآن على سبيل الإقرار بل على سبيل النقد، لأن الاتباع هنا ليس اتباعاً لحق ثبت بالدليل، بل هو خضوع لسلطة الزمن، أي لكون الشيء قديماً فحسب، ولهذا يواجه القرآن هذا المنطق بسؤال قاطع: (أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ)، فينقل مركز الشرعية من “ما كان” إلى “ما هو حق”، ومن التوارث إلى البرهان، ومن العصبية للذاكرة إلى المسؤولية أمام الحقيقة.

ثم ينتقل القرآن إلى تفكيك العصبية بوصفها العمود الفقري للمجتمع التقليدي حين يتضخم الانتماء الضيق ليصبح معياراً للحقيقة والكرامة، فيعلن مبدأً يقلب السلم الاجتماعي الجاهلي رأساً على عقب: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)، فالمعيار لم يعد نسباً ولا قبيلةً ولا طبقةً ولا ثروةً، بل قيمة أخلاقية مفتوحة أمام الجميع، وبهذا يضرب القرآن فكرة الامتياز الموروث التي تُنتج هرماً اجتماعياً مغلقاً، ويؤسس لفكرة المساواة الأخلاقية التي تُعيد توزيع الكرامة على أساس العمل والتقوى لا على أساس الدم والانتماء.

وفي نقده للبداوة، لا يتناول القرآن نمط العيش الصحراوي كهوية جغرافية، بل يتناول نمطاً ثقافياً حين يقترن بالجفاء وضعف الالتزام بالقانون الإلهي والمعرفة، فجاء قوله: (الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ)، وهو توصيف يرتبط بضعف الاندماج في منظومة “الحدود”، أي في منظومة القانون والقيم المنظِّمة للجماعة، ومع ذلك لا يعمّم القرآن حكماً قاطعاً على كل فرد، بل يوازن في مواضع أخرى، مما يدل على أن نقده موجّه إلى البنية الذهنية لا إلى الأصل القبلي ذاته، أي إلى الثقافة حين تصبح مانعاً من التمدن القيمي.

ويواجه القرآن كذلك “حمية الجاهلية” بوصفها الحالة النفسية التي تحرس المجتمع التقليدي من المراجعة، إذ تتحول الكرامة إلى عناد، والانتماء إلى استعلاء، ويصبح التراجع عن الخطأ هزيمة لا فضيلة، فيقول: (إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ)، فالجاهلية هنا ليست زمناً تاريخياً منتهياً، بل منطقاً اجتماعياً يتكرر كلما قُدِّم التعصب على العدل، وكلما استُبدل العقل الجمعي الواعي بردّ الفعل الغاضب.

وفي البنية الأخلاقية للمجتمع التقليدي الجاهلي، كان مفهوم “الشرف” يقود إلى ممارسات بالغة القسوة مثل وأد البنات، فجاء القرآن ليقوّض هذه المنظومة من أساسها: (وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ)، ويعيد تعريف الكرامة الإنسانية تعريفاً كلياً: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ)، فلا فضل لجنس على جنس ولا لذكر على أنثى في أصل الكرامة، وبذلك يُسقط القرآن إحدى ركائز المجتمع التقليدي القائم على التمييز البنيوي.

وفي المجال الاقتصادي، ينتقد القرآن أعراف السوق التي تسمح بالغش والتطفيف وأكل أموال الناس بالباطل، وهي ممارسات كانت تجد تبريرها في ميزان القوة أو في شيوعها الاجتماعي، فيضع مبدأ العدل معياراً فوق العرف: (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ) و(أَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ)، فالقيمة هنا لا تُستمد من شيوع الفعل بل من مطابقته للحق، أي أن الكثرة لا تمنح الشرعية، والعادة لا تصنع العدالة.

بل إن القرآن يتجاوز نقد السلوك إلى نقد “طاعة السادة والكبراء” حين تتحول إلى تبعية عمياء، فيعرض صورة يوم القيامة حيث يقول الأتباع: (إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا)، فيحمّل الفرد مسؤولية اختياره، ويسقط ذريعة الاحتماء بالجماعة، ويؤسس لفردٍ أخلاقي مسؤول لا يذوب في الكتلة ولا يتوارى خلفها.

ومن الناحية المعرفية، يضع القرآن ضوابط تمنع إعادة إنتاج الخرافة الجماعية، فيقول: (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) و(فَتَبَيَّنُوا)، وهو بذلك يفتح الباب لعقل نقدي داخل البنية الدينية نفسها، ويحوّل الإيمان من تسليم اجتماعي موروث إلى قناعة واعية قائمة على إدراك ومسؤولية.

الخلاصة أن القرآن لا يكتفي بإصلاح بعض مظاهر المجتمع التقليدي، بل يعيد بناء مركزه القيمي بالكامل، فينقل الشرعية من الماضي إلى الحق، ومن العصبية إلى التقوى، ومن الامتياز الموروث إلى المسؤولية الفردية، ومن شيوع العادة إلى معيار العدل، ومن الانتماء الضيق إلى الانتماء الإنساني الأوسع، وبهذا يكون القرآن قد وضع الأساس لتحول حضاري عميق لا يقوم على هدم المجتمع بل على إعادة تأسيسه وفق منظومة قيم عليا تحرّر الإنسان من عبودية التقليد دون أن تقطعه عن جذوره، وتُخرج الجماعة من أسر العصبية إلى أفق العدالة والمساءلة والوعي.

ذات صلة

البوصلة الثقافية في رمضان: التمرين على التقوىالصيام.. من ظاهر التكليف إلى عمق التزكيةمنظومة استخبارية إلكترونية هجينة لمواجهة تهديدات الطائرات المسيّرة.. حالة العراقتطور الذكاء الاصطناعي الفائق يُهمِّش الإنسان‏اقتصاد الرهان الواحد