في فقه الاستماع والتحصين الإعلامي

على ضوء آيات الذكر الحكيم

محمد محفوظ

2026-05-18 02:29

مقدمة: 

في كل المنظومات الأيدلوجية والفكرية، ثمة أنظمة معرفية ذات طابع معياري، ولا يمكن إدراك جوهر هذه المنظومات الأيدلوجية وآفاقها الإنسانية بدون فهم الأنظمة المعرفية، التي تصيغ نظام الإرسال والاستقبال، وتحدد معايير التقويم وآليات اتخاذ المواقف من القناعات والأفكار والنظريات على ضوئها من الأشخاص.. وفي الدائرة الإسلامية ثمة أنظمة معرفية تؤكد عليها آيات الذكر الحكيم والسنة المعصومة، وتشكل هذه الأنظمة المعرفية المرتكز الأساسي لفهم مدارك القيم ومقاصدها العليا..

ومن هذه الأنظمة المعرفية القرآنية نظام الاستماع، بوصفه أحد سبل المعرفة والرابط بين نظام القول ونظام الفعل.. 

وسنحاول في هذه الدراسة تظهير عناصر هذا النظام المعرفي بوصفه أحد الأجهزة القيمية والأخلاقية والمعيارية، التي تحول دون التأثر السلبي من أقوال الآخرين ومؤسساتهم الإعلامية، بوصفها الشكل المؤسسي لنظام القول الديني والسياسي والثقافي والاجتماعي والأخلاقي..

الحاجة إلى نظام الاستماع: 

وتتأكد حاجتنا إلى تظهير مفردات وعناصر نظام الاستماع مع ثورة المعلومات وانتشار سلع التقنية الحديثة، التي قربت بين الأمكنة والأزمنة، وألغت المسافات، وأضحى الإنسان في أي بقعة من بقاع الأرض، قادر في لحظات بسيطة أن يتواصل مع الإنسان الآخر في أي بقعة من بقاع الأرض.. 

ولا ريب أن أحد متواليات هذه الثورة المعرفية والمعلوماتية، هو توفر كل أقوال الأمم والمجتمعات عبر وسائل إعلامهم المتعددة.. ونظام الاستماع لا يلغي إمكانية التواصل مع أقوال الأمم والمجتمعات والحضارات، وإنما يوفر نظاما معرفيا لتحديد الصائب من الأقوال والسقيم.. 

فالنظام المعرفي الذي يرسي أسسه ومرتكزاته القرآن الحكيم، لا يعرف الحظر وصم الآذان، وإنما يفسح المجال للاستماع واستيعاب مختلف الأقوال، وعلى ضوء المعايير القيمية مطالب بإتباع أحسن الأقوال.. إذ يقول تبارك وتعالى (الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه) (سورة الزمر 18).

إطلالة على المصطلحات: 

ثمة مقولات ومصطلحات متداولة في آيات الذكر الحكيم، لا يمكننا تظهير نظام الاستماع بدون تحديد معاني هذه المصطلحات.. 

وقبل تحديد معنى هذه المصطلحات، سنستعرض بعض الآيات القرآنية، التي تضمنت هذه المقولات والمصطلحات.. 

1- قال تعالى (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون)(الأعراف 204) 

2- (وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم إن الشيطان كان للإنسان عدوا مبينا) (الإسراء، 53).. 

3- (وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلا أساطير الأولين) (الأنفال 31)..

4- (وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ماء أتيناكم بقوة واسمعوا قالوا سمعنا وعصينا وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم قل بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين) (البقرة 93).. 

5- (قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله أفلا تتقون) (يونس 31).. 

6- (ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم اكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها حتى إذا جاءوك يجادلونك يقول الذين كفروا إن هذا إلا أساطير الأولين) (الإنعام 25).. 

وغيرها من الآيات التي تضمنت هذه المفردات والمصطلحات.. 

أما المصطلحات التي تحتاج إلى تحديد دقيق لمعناها فهي الآتي: 

1- السمع: كما جاء في لسان العرب(1) من مصدر تسمعا وسماعا وسمعه الصوت أي استمع له وتسمع إليه.. ويقصد به استقبال الأذن ذبذبات صوتية من دون إعارتها اهتماما.. فهو (أي السمع) عملية فسيولوجية تعتمد على الأذن وقدرتها على التقاط الذبذبات.. وبالتالي فإنها عملية غير إرادية تتم دون بذل جهدا أو مشقة.. وهي مفردة تكررت في القرآن الكريم (27) مرة.. منها قوله تعالى (وهو الذي أنشأ لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون) (المؤمنون 78)، (ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا)(الإسراء 36).

2- الاستماع: وهو يعني فهم الكلام والانتباه إلى الشيء المسموع، وهو عملية إنسانية مقصورة، تهدف إلى الفهم والتحليل والتفسير ثم البناء الذهني.. 

3- الإنصات: ويقصد به السكون والاستماع للحديث مع تركيز الانتباه والإصغاء التام.. وأصغى إليه رأسه وسمعه أي أماله، والميل حسي ومعنوي، كأن تميل إلى محدثك، وتقترب منه بسمعك ورأسك وجسدك وقد يكون داخليا بأن تميل إليه بقلبك.. قال تعالى (إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير) (التحريم 4).. 

4-القول الحسن: الكلام في حد ذاته حروف مركبة تدل على معنى في ذاته، وحسن المعنى وقبحه ينعكس على تلك الألفاظ التي تحكي تلك المعاني، فيتحول اللفظ إلى حسن أو أحسن أو قبيح على حسب الدلالة التي تدل على المعنى.. 

لذلك يقول تبارك وتعالى (ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء) (إبراهيم 24) وجاء في تفسير الآية الكريمة (وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن) (الإسراء 53) (كيف تكون الكلمة التي يطلقها الإنسان في الحوار أو التخاطب الاجتماعي.. هل هي الكلمة التي يوحي بها المزاج، في لحظة انفعال، أو نزوة هوى، أو هي الكلمة التي يخطط لها العقل، ويحركها الإيمان.. إن للكلمة مدلولها في حسابات الفعل ورد الفعل، وأثرها السلبي أو الإيجابي في حركة العلاقات الخاصة والعامة، وفي إثارة المشاكل أو في حلها.. وهذا ما يريد القرآن أن يوجه الإنسان إليه في دراسة الفكرة التي يريد أن يحركها في المجتمع، ليختار الفكرة الأفضل التي تفتح القلوب على المحبة، والمشاعر على الرحمة والعقول على الخير والحقيقة.. ثم يدرس الكلمة الأحسن التي لا تختزن الحساسيات المعقدة، ليقول الكلمة الأحسن في اللفظ والمدلول.. ولا بد له – في ذلك – من دراسة المسألة من جميع جوانبها بطريقة مقارنة ليرفض السيئ والأسوأ ويختار الحسن والأحسن)(2).. 

ويبدو من منطوق (عبادي) إن هذا الخطاب الذي يستهدف قول الأحسن في كل المواقع والظروف، موجها إلى عموم الإنسان.. فالمطلوب من الإنسان فردا وجماعة وفي أي بيئة اجتماعية أو دينية أو قومية أن يقول التي هي أحسن.. لأن هذه القيمة تساهم في تعزيز قيم المحبة والسلام بين الناس، وفي الدائرة الإيمانية تتعمق وتتعزز الصلة الروحية والأخلاقية بين المؤمنين، لالتزامهم بقول التي هي أحسن في كل المواقع، ومهما كانت المناخات والظروف.. 

التشريعات والقيم الاحترازية تجاه القول السيئ أو المسيء: 

إذا تأكد الإنسان عبر وسائل موضوعية أو ذاتية إن ما يقوله الطرف الآخر، يعد إساءة تجاه المقدسات أو الأخلاق العامة، تتوفر في الرؤية القرآنية جملة من القيم التي تشكل بمجموعها ما نسميه تشريعات احترازية تحول دون القبول بالإساءات أو تأثيرها على الفضاء الاجتماعي.. 

وهذه القيم الاحترازية هي كالتالي: 

1- الإعراض: الإنسان على كل حال، ليس مجبورا على الإنصات إلى ما يسيء إليه وإلى مقدساته.. فحينما يتمادى صناع القول الإعلامي في ارتكاب الإساءات، فإنني أمتلك القدرة على الإعراض.. وهي قدرة تفقد القول المسيء أو المسيء إمكانية التأثير أو التفاعل.. 

إذ يقول تبارك وتعالى (وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين) (الإنعام 68)، (فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا)(النجم 29).. 

 فالإساءات تموت بمعنى يتلاشى تأثيرها، حينما يقرر الإنسان أن يعرض عنها، ولا يتفاعل معها ويقول لصانعيها (سلاما).. إذ قال تعالى (وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما)(الفرقان 63).. 

وجاء في الأحاديث الشريفة عن الإمام الصادق (ع) (لا ينبغي للمؤمن أن يجلس مجلسا يعصى الله فيه ولا يقدر على تغييره) وعنه عليه السلام (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس مجلسا ينتقص في إمام أو يعاب فيه مؤمن) (3).. 

2- غض النظر: وتتأكد قيمة هذا التشريع الاحترازي (الوقائي) مع تحول الإعلام إلى إعلام الصورة.. وكلنا يعلم أن الفضاء الإعلامي المفتوح في أغلب مؤسساته، يمارس عمله الإعلامي والإعلاني بعيدا عن مقتضيات قيم الدين وتشريعاته ومتطلبات الأخلاق العامة.. لهذا فإن إعلام الصورة يثير الكثير من الغرائز ويعرض الأجساد العارية والبرامج المثيرة لنزعات الإنسان الحيوانية.. ولكوننا لا نمتلك القدرة على منع هؤلاء من العمل والبث الفضائي، ومن جهة أخرى لكي نحافظ على قيمنا الدينية وأخلاقنا الإسلامية والاجتماعية والأسرية، تبرز الحاجة إلى قيمة غض النظر.. فإذا كان الإعلام الغرائزي، يريد أن يهدم قيمنا وأخلاقنا، ولا قدرة لدينا لمنع هؤلاء من البحث، فلا خيار أمامنا إلا غض النظر، لتحصين واقعنا الاجتماعي، وللحؤول دون بروز ظواهر اجتماعية وأسرية لا تنسجم ومقتضيات الدين والأخلاق.. 

وغض النظر كتشريع احترازي، يتجاوز الموقف الفردي، ويصل إلى بناء أنظمة إعلامية وثقافية تؤدي ذات الغرض وتحقق ذات الهدف من قبيل أنظمة التشفير الفضائي وصناعة أو استئجار الأقمار الخاصة.. ويقول الباري عز وجل في بيان تشريع غض النظر(النور 30 -31)، و(لقمان 19).. 

3- القول الحسن: لا تكتفي التشريعات والقيم الاحترازية، بتحصين الإنسان المسلم فردا وجماعة، من أقوال السوء والباطل، وإنما هناك دعوة إلى صناعة القول الحسن، الذي يجذب الناس ويستقطبهم ويحول دون تأثرهم بالأقوال الأخرى.. 

والقول الحسن مفهوم واسع ويتسع إلى كل الإبداعات والمبادرات الإعلامية والثقافية والاجتماعية التي تكون مصداقا وتجليا للقول الحسن.. 

فالقول الحسن مطالب أن يقوم به الفرد والمؤسسة وكل الأطر والمؤسسات التي تساهم في صناعة القول والوعي والثقافة في المجتمع.. 

يقول تعالى (وقولوا للناس حسنا)(سورة البقرة، الآية 83).. 

فالمطلوب كتشريع احترازي، ليس فقط لعن ظلام الإعلام المأجور والفاسد، وإنما العمل على بناء الإعلام القادر على استقطاب الناس والتأثير فيهم، ويكون مصداقا كاملا لمفهوم القول الحسن.. 

فالقول الحسن في تجلياته المعاصرة، يعني العمل على بناء بدائل إعلامية وثقافية، قادرة على استقطاب وتوجيه الناس بكل شرائحهم وفئاتهم، والحد من تأثير الأقوال والمؤسسات المثيرة للغرائز والشهوات.. 

فالقيم الوقائية والاحترازية، لا تنحصر في الدور الدفاعي الذي يحصن الوضع الداخلي فحسب، وإنما تتعدى هذا الدور للعمل في صياغة البدائل ووفق شروط مهنية وإعلامية متقدمة..وهذا هو مقتضى القول الحسن.. فجميع الأمم والشعوب لها أقوالها وخطابها ومنظومتها الفكرية والثقافية والإعلامية، وقيمنا الاحترازية تدعونا إلى عدم غلق آذاننا وعقولنا عن هذه الأقوال، ولكن في مقام الأتباع والعمل، ينبغي أن نتبع أحسن الأقوال.. وهذا بطبيعة الحال يتطلب منا أن نحقق مفهوم (أحسن الأقوال) في كل أنشطتنا ومقولاتنا الإعلامية والثقافية.. 

4- تركيز التعاليم القرآنية في كل قضايا الحياة بدءا من مسائل الاعتقاد إلى قضايا الحياة المختلفة، على التدبر والتعقل، وعابت أولئك النفر الذين يمارسون الإتباع سواء لآباءهم أو أهواءهم بدون تدبر وتعقل وتفكر.. ففي القرآن الكريم (49) آية قرآنية تدعو الإنسان إلى التعقل، و(18) آية تدعوه إلى التفكر، إضافة إلى التشجيع الدائم على التعليم والتعلم..

لهذا فإن العقل الإسلامي هو عقل برهاني، بمعنى لا يؤمن بشيء إلا بدليل وبرهان (قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين) (سورة البقرة، الآية 111) ولا ريب أن هذه العقلية التي تنميها تعاليم القرآن الكريم وأحاديث السنة المعصومة، تشكل قيمة احترازية أساسية لعدم الانزلاق نحو قناعات وأفكار خاطئة أو منحرفة سوقتها وسائل الإعلام المثيرة للغرائز، والباحثة عن إنسان لا هم له إلا شهواته الحسية.. فألاعيب الإعلام المضلل لا تنطلي إلا على صاحب العقل المستقيل، أما صاحب العقل اليقظ والوعي المسنود بتدبر وبراهين وحجج، فإنه قادر على كشف زيف الإعلام المضلل وفضحه ومنع تأثيره السلبي على محيطه الاجتماعي.. 

وحين التأمل في قضايا الدين المختلفة، نجد أن جميع هذه القضايا ينبغي أن يؤمن بها الإنسان إيمانا واعيا وبإرادة حرة وبعيدا عن كل أشكال الضغط والإكراه، وعلى رأس هذه القضايا، قضية الإيمان بالخالق سبحانه وتعالى، نجد أن جميع التوجيهات والتعاليم القرآنية تؤكد على حقيقتين أساسيتين وهما: 

1- الإيمان بكل لحظاته ومراحله رحلة واعية وبإرادة حرة ووفق أدلة وبراهين تفضي إلى المعرفة الحقيقية والجوهرية بمضمون هذا الإيمان.. إذ يقول تبارك وتعالى (وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا أنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون) (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم) (البقرة 13 – 256)، (وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا) (الكهف 29).. 

2- ضرورة أن يكون طريق الإيمان هو المعرفة بكل مضمونها وآفاقها.. (والدليل البين على هذه الفكرة هو أن الإيمان في القرآن عملية إرادية، والإرادة غير متيسرة من دون المعرفة.. على أن المعرفة لا تعد شرطا كافيا للإيمان) (4).. 

ويقول تبارك وتعالى في بيان هذه الحقيقة بكل تجلياتها (وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون) (الروم 56)، (ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون) (ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين) (البقرة 42 – 89)، (وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضى بينهم وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب) (الشورى 14)، (وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين) (النمل 14).. 

وهناك روايات مستفيضة تؤكد هذه الحقيقة.. فعن رسول الله (ص) أنه قال (الإيمان معرفة بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالأركان)(5).. 

وعليه فإن التشريعات والتوجيهات الإسلامية، لا تلوم الإنسان المسلم على استخدام حريته بكل مستوياتها، وإنما تلومه للغفلة وتعطيل العقل.. لهذا نجد هناك العديد من الآيات القرآنية التي توضح بشكل لا لبس فيه حرمة إكراه أي شخص على تبني دين من الأديان.. فالإسلام دين الحق وهذا لا ريب فيه، ولكن لا يجوز لأي أحد مهما علا شأنه أن يكره أحد على اعتناقه.. يقول تبارك وتعالى (ولو شاء ربك لأمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين) (يونس 99)، (قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني رحمة من عنده فعميت عليكم أنلزمكموها وأنتم كارهون) (هود 28)، (إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها وله كل شيء وأمرت أن أكون من المسلمين * وأن أتلوا القرآن فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فقل إنما أنا من المنذرين * وقل الحمد لله سيريكم آياته فتعرفونها وما ربك بغافل عما تعملون) (النمل 91 – 93) وغيرها من الآيات القرآنية التي توضح أن مهمة الأنبياء والرسل هي الدعوة والتبليغ، وإن إكراه الناس والأقوام على الإيمان برسالات السماء، ليس من مهمات الأنبياء والرسل.. وحينما تكون اختيارات الناس العقدية سيئة أو لا تنسجم ومقتضيات الدعوة الربانية كما تقررها الآيات القرآنية فإن الجزاء موكول إلى الآخرة.. أي أن العقاب المترتب على بطلان اختيار الإنسان لدينه وعقيدته، هو من اختصاص الباري عز وجل في الآخرة.. إذ يقول تعالى (وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا) (الكهف 29).. 

حماية المجتمع من أباطيل الإعلام: 

في ظل اتساع دائرة الإعلام بكل مستوياته، وقدراته الهائلة للوصول إلى الجميع، ثمة حاجة ماسة في إثارة السؤال التالي: كيف نحمي مجتمعنا من أباطيل الإعلام وأجنداته المتعددة، التي تستهدف تجويف المجتمع من الداخل وإلهاء شبابه بقضايا أقل ما يقال عنها، أنها ليست جادة وحيوية في مسيرتهم الخاصة والعامة.. وسنجيب على هذا السؤال المركزي من خلال المحاور التالية: 

1- ضرورة تأسيس ثقافة السؤال في المجتمع، وتفكيك كل حوامل التقليد الأعمى والتبعية البلهاء للآخرين.. وذلك من خلال عنوان ثقافة السؤال وعنوان كيف نخرج من الدوامة.. 

2- ولكي تكون عملية حماية المجتمع من أباطيل الإعلام وأغواءاته عميقة وحقيقية، نحن بحاجة إلى إعادة الاعتبار لقيمة الحرية وضرورة بناء الإنسان الحر.. لأن غياب الحرية بكل تجلياتها، هو الذي يسمح لأباطيل الإعلام بالتسرب إلى الواقع الاجتماعي.. 

3- وفي هذا السياق، تأتي أهمية العمل على تجويد وإتقان العمل الفضائي الإسلامي، لأنه لا يمكننا الاعتماد فقط على لعن الظلام، وإنما نحن بحاجة إلى إشعال شموع الإعلام الملتزم وتطويره، حتى يتسنى له امتلاك ناصية الريادة في سماء الإعلام.. 

وهذا يستدعي الاقتراب من واقع الإعلام الفضائي الديني وسبل تطويره.. 

ثقافة السؤال: 

الواقع الذي نعيشه ونتأثر بقضاياه وهمومه، لا يتطلب فقط أجوبة وحلولاً ومعالجات صحيحة وعميقة. وإنما أيضاً هو بحاجة إلى أسئلة صحيحة ودقيقة. وذلك من أجل المعرفة الدقيقة بالواقع بدون أوهام والتباسات. 

وهذه العمليات (معرفة الواقع) على ضوء اختبار الأسئلة الصحيحة، والبحث عن إجابات عنها عميقة، ليست مسألة بسيطة، وسهلة المنال، بل هي عملية شاقة وطويلة ومتواصلة، وتتطلب يقظة فكرية مستديمة، وتواصلاً مستمراً مع حركة الواقع في كل أبعاده ومجالاته. 

ولعل القاعدة المعرفية التي تمكننا من إنجاز هذه العملية، هي شيوع ثقافة السؤال والنقد في الثقافة بكل وسائطها وآلياتها والمجتمع بكل مؤسساته وشرائحه. 

والقرآن الكريم فيه العديد من الآيات، التي تأكد على قيمة السؤال بوصفه وسيلة استدعاء المعرفة أو ما يؤدي إليها.. قال تعالى (ويسئلونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا) (الإسراء 85)، (ويسئلونك عن ذي القرنين قل سأتلوا عليكم منه ذكرا) (الكهف 83)، (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون) (البقرة 186)، (يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن وءاتوهم ما أنفقوا ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا ءاتيتموهن أجورهن ولا تمسكوا بعصم الكوافر وسئلوا ما أنفقتم وليسئلوا ما أنفقوا ذلكم حكم الله يحكم بينكم والله عليم حكيم) (الممتحنة 10).. 

لذلك فإن الشرط الأساس لمعرفة الواقع بكل ديناميته ومتغيراته المتلاحقة، بشكل دقيق وعميق، هو وجود ثقافة السؤال والنقد في الفضاء الاجتماعي. لأن هذه الثقافة بكل متوالياتها وتأثيراتها العقلية والمجتمعية، لا تكتفي بالظاهر من الأمور، بل تبحث في القاع الاجتماعي والثقافي، وتسائل السائد الثقافي والمعرفي، وتزحزح على قاعدة الوعي والمعرفة الكثير من البديهيات والمسلمات المستوطنة في المحيط الاجتماعي. من هنا فإن المجتمعات التي استطاعت التحرر من قيود التخلف وأغلال الانحطاط، هي تلك المجتمعات التي توفرت في بيئتها ومحيطها ثقافة النقد والمساءلة، ليس من أجل تفكيك كل شيء قائم. بل من أجل بناء الواقع الاجتماعي والثقافي على أسس صحيحة ومتينة، وقادرة على مواكبة التطورات والاستجابة إلى التحديات الكبرى التي تعيشها. 

أما المجتمعات التي حاربت النقد، وابتعدت عن ثقافة السؤال، وقبلت بالجمود والسكون وغياب الدينامية الذاتية، فقد تعمق فيها فعل التخلف وتحكمت بها مقتضيات الانحطاط والجمود في مختلف أبعاد الحياة..

ذلك فإننا نستطيع القول: إن الفضاء الاجتماعي، لا يتمكن من الانعتاق من قيود التخلف، والتخلص من أغلال الجمود، إلا بثقافة نقدية، تحفز الجميع على مساءلة الواقع، بغية اكتشاف الخلل، وصولاً إلى بلورة الرأي والموقف لكيفية إنهاء هذا الخلل، والانطلاق في بناء الواقع الاجتماعي على ضوء وهدى المعرفة الواعية والنقد البناء والسؤال الذي يقود دائماً إلى العلم والإبداع والمبادرة. 

ولعلنا في الفضاء الاجتماعي، الذي يعيش اليوم أكثر من تحد، ويتواصل مع الكثير من الثقافة وروافد الإعلام والتقنية الحديثة، أحوج ما نكون إلى غرس ثقافة السؤال، التي هي ضد ثقافة التلقين والتكرار المميت. 

وانفتاح واقعنا الاجتماعي اليوم، على الكثير من وسائل الإعلام والتواصل، يخلق جملة من التحديات والهواجس ولكن لا يمكننا مواجهة هذه التحديات أو إنهاء الهواجس بالمزيد من المنع والحضر. لأنها وسائل غير فعالة وغير شاملة. وإنما نحن بحاجة اليوم إلى وسائل حضارية، تحول دون خضوع واقعنا الاجتماعي بأسره تحت تأثير خيارات ثقافة وأيدلوجية وافدة. 

إن بناء واقعنا الاجتماعي، على أساس الوعي والعلم والنقد، هو الخيار القادر على مواجهة التحديات ومقاومة الهواجس. ولا سبيل أمامنا إلا غرس ثقافة السؤال في فضائنا الاجتماعي، لأنها هي الثقافة القادرة على مساءلة الوافد الثقافي والاجتماعي والإعلامي وممانعته على مختلف المستويات. 

أما سياسات المنع فإنها تقود إلى إبداع وسائل لكسرها ومنع تأثيرها. ولقد أبانت تجارب الكثير من الأمم والشعوب، أن لغة المنع وحدها غير مجدية. وذلك وببساطة شديدة، لأن كل ممنوع مرغوب. لذلك تتجه إرادة الكثير من الناس على مقاومة المنع وكسر قيوده بوسائل مختلفة. وهذا بطبيعة الحال، يقود إلى تأثيرات سلبية ومفارقات اجتماعية خطيرة. 

صحيح أن الخيار الثقافي والحضاري، ليس سهلاً، وهناك من سيلتف عليه. ولكنه الخيار الصحيح الذي يجنبنا الكثير من المساوئ والتأثيرات السلبية. 

وذلك لأن ثقافة النقد والسؤال في الفضاء الاجتماعي، تمارس وظيفة مزدوجة. فهي تعيد ترتيب الوقائع والمعطيات والمنجزات المتحققة، وتساعد من جهة ثانية في محاصرة العناوين والقضايا التي تضر بالمنجز الاجتماعي، وتحول دون التطور الموضوعي الذي يولده التراكم. فالنقد كممارسة ليس هدماً للمنجز، وإنما بناءً عليه. كما أن السؤال ليس رفضاً للثوابت، وإنما تجلية لها وتظهير لعناصرها ومرتكزاتها الحيوية. 

لذلك كله فإن السؤال الهام الذي يُطرح في هذا السياق هو: كيف نخلق ثقافة نقدية في فضائنا الاجتماعي؟ 

1- حرية الرأي والتعبير: 

على الصعيد العملي، لا يمكن أن تسود ثقافة نقدية في مجتمع يحارب الرأي وحق التعبير عنه. وذلك لأن الثقافة النقدية هي في جوهرها حصيلة أو نتاج تراكم ممارسة حرية الرأي والرأي الآخر. ذلك الرأي الذي يتم تداوله وتقويمه في فضاء المجتمع. لذلك فإن المجتمع الذي يحول دون ممارسة أبنائه لحقهم الأصيل في التعبير عن آرائهم وقناعاتهم، فإنه لن يتمكن من بناء ثقافة نقدية، تسائل السائد، وتطرد الجمود من الحياة الاجتماعية. 

فالنقد وليد حرية الرأي والرأي الآخر، ونتاج حق التعبير عنهما. وإذا أردنا أن نؤسس لثقافة نقدية في فضائنا الاجتماعي، فعلينا بتشجيع أبناء المجتمع بالبوح بآرائهم وقناعاتهم وأفكارهم، وصيانة حقهم في التعبير عن ذواتهم وتصوراتهم. 

ولو تأملنا قليلاً في تجارب الشعوب والأمم، التي توفرت فيها ثقافة النقد والسؤال، لاكتشفنا أن هذه المجتمعات صانت حق أبنائها في التعبير عن آرائهم. فتراكم هذا الحق، وهذه الممارسة، فأضحى النقد حالة طبيعية في حياة تلك الشعوب والأمم. 

لذلك فإننا نقول: إن قوة المجتمعات في ممارسة أبنائها لحرية الرأي والتعبير. وإذا أردنا أن نقبض على أسباب المنعة، والقوة، فعلينا بتشريع حرية الرأي والتعبير وصيانتها، ومنع التعدي عليهما. 

2 -الفعالية الاجتماعية: 

من الطبيعي القول، إن الثقافة النقدية، لا تنمو وتتبلور إلا في مجتمع حي ودينامي، ويمتلك فعالية متواصلة. 

لأنه لا يمكن أن تنمو ثقافة النقد والسؤال في ظل جمود اجتماعي وسكون ثقافي وتراجع معرفي. 

إن البيئة الخصبة المولدة لثقافة النقد والسؤال، هي تلك البيئة الحيوية والفعالة. لذلك فإن خلق ثقافة نقدية، يتطلب فعالية اجتماعية، تتجه صوب البناء والتطوير والتقدم. 

من هنا فإنه لا ثقافة نقدية مجتمعية، إلا في ظل فعالية وحيوية. حيث إن النقد صنو وتوأم الحركة والسؤال نتاج الفحص والحيوية. 

لهذا نجد أن المجتمعات الحية والحيوية، والتي تحتضن أنشطة نوعية متعددة، هي التي تبرز فيها ثقافة نقدية حقيقية. 

أما المجتمعات الجامدة والراكدة، فإنها طاردة لثقافة السؤال، ومحاربة لمقتضيات ومتطلبات النقد. فالفعالية الاجتماعية ضرورة، من أجل خلق ثقافة نقدية في الفضاء الاجتماعي. وهذه الفعالية بكل ما تحمله من آفاق معرفية ومكاسب حياتية، هي التي تساهم في توظيف القدرات والطاقات على أحسن وجه، وتضيء الطريق، وتبلور المقصد، وتشحذ الهمم البناء والعمران. 

3- الانفتاح الايجابي على مكاسب الفكر الإنساني: 

من الحماقة بمكان، حينما نقرر الانعزال، والانكفاء وعدم التفاعل الايجابي مع منجزات الفكر الإنساني. 

وذلك لأن هذه المنجزات، أفادت الإنسان، ونقلته من مرحلة إلى أخرى أكثر حرية وتقدماً وتطوراً. لذلك فإننا مطالبون بالانفتاح على منجزات الفكر الإنساني، لأنها تساهم في تطوير واقعنا، وتجاوز الكثير من الإخفاقات ودواعي الفشل. 

ولعلنا لا نبالغ حين القول: إن المنجز الفكري الإنساني، كان له الدور الأساسي في تطور الفكر النقدي في اللحظة المعاصرة. لذلك فإننا لن نتمكن من تعميق الثقافة النقدية في محيطنا الاجتماعي، بدون الانفتاح والتفاعل الخلاق مع المنجز الفكري الإنساني. 

فهذه المنجزات كما أفادت الأمم والشعوب الأخرى في تطوير واقعها وضبط نزاعاتها وتغيير عقليتها ونمط تفكيرها، هي كذلك تفيدنا وتطور من واقعنا. 

فالحاجة ماسة اليوم للانفتاح والتواصل مع المنجز الفكري الإنساني. وإن طموحاتنا في التطور والتقدم، تقتضي عدم غلق أبوابنا والتفاعل الخلاق مع كل المنجزات الإنسانية والحضارية. 

وجماع القول: إن ثقافة السؤال، ليس إدعاءً يدعى، بل هي وقائع وحقائق في الحياة الثقافية والسياسية والاجتماعية. 

وإن المطلوب اليوم، هو العمل على إرساء قواعد الثقافة والممارسة النقدية في واقعنا ومجتمعنا، لما لها من دور في تطوير حياتنا في مختلف المجالات.

كيف نخرج من الدوامة: 

على المستوى النفسي والمعرفي ثمة حقيقة قائمة وعميقة في آن مفادها: أن المسافة جد قصيرة بين التقليد بوصفه حالة معرفية ونفسية سائدة في محيطنا العام، والتبعية بوصفها علامة من علامات العجز الذاتي والتوقف عن النمو والتطور العام.. ولا تعدو الصواب حين القول، أن التقليد هو الوجه الآخر للتبعية في عملة واحدة، لا ينفصل عنوانها الثقافي عن وجهها الاجتماعي والسياسي.. 

فالمسافة بين التقليد والتبعية، هي المسافة بين السبب ونتيجته، وذلك بالمعنى الذي يصل التقليد والعجز الذاتي عن النمو والتطور والإبداع، بحالة التبعية والخضوع.. وإذا كانت التبعية هي الاستجابة الطبيعية لكل من توقف عن النمو، ودخل في نفق التقليد الأعمى، فإن التقهقر الحضاري والاستلاب الثقافي والاجتماعي، هو الناتج الطبيعي لكلا الأمرين، سواء على المستوى الفردي أو الجمعي.. 

فالتبعية إلى الآخرين بجميع أشكالها وصورها، هي حصيلة التقليد والجمود والوقوف عن النمو في الداخل، فالاعتماد المطلق على الآخرين يتغذى باستمرار من الأمصال التي تمدها إليه حالات الجمود في العقل والتقليد في التفكير التي يعانيها أي مجتمع، ولم يسجل لنا التاريخ أن أمة من الأمم أو شعبا من الشعوب، خضع لمشروع التبعية والاستتباع الحضاري إلا على قاعدة تخلف عميق وجمود شامل تعانيه تلك الأمة أو ذلك الشعب في ذاته وكيانه الداخلي.. 

لهذا فإن إنهاء التخلف والجمود والتحرر من عقلية التقليد الأعمى، هو البداية الحقيقية للتخلص من مشروع الاستتباع الخارجي.. 

فالعلاقة بين التقليد والتبعية علاقة معقدة ومتشابكة بحيث أن شيوع ظاهرة الجمود والتقليد في الحياة الاجتماعية لأية أمة، يؤدي إلى استتباع هذه الأمة للخارج وعملية الاستتباع هذه بما تصنعه من آليات وتداعيات ومراكز قوى، تسعى من أجل ضمان مصالحها واستمرار هيمنتها إلى تعميق كل حالات الجمود والتقليد، لأنها مهاد التبعية الحقيقي.. 

فالجمود والتقليد في الداخل، يؤدي إلى ذيلية وتبعية للخارج، وحتى يستمر الخارج في هيمنته على الداخل، يستخدم كل إمكاناته وقدراته، لإدامة حالة الجمود والتقليد في الداخل.. 

فالتقليد هو عبارة عن حالة نفسية ومعرفية متوقفة عن النمو، وتعتقد أن ما وصلت إليه من معارف وعلوم، هي المستوى الأقصى للمعرفة والعلوم، فتتوقف عن النمو، وبهذا تتكرس حالة من الجمود واليباس الفكري ويجبر النقص الذي يتوفر في الحياة الاجتماعية والاقتصادية، من جراء الجمود واليباس والتوقف، بالاستيراد الشره إلى كل ما تنتجه المجتمعات الأخرى من بضائع وسلع.. 

وتتأسس من جراء هذه العلاقة اللامتكافئة خيوط مسيرة التبعية، بفعل غياب الرغبة الحقيقية في تطوير الذات وتوسيع آفاقها المعرفية والاستفادة الواعية من معارف الآخرين وإنجازاتهم.. 

فالبنية الاجتماعية المتخلفة والجامدة، تغذي مشروع التبعية للخارج، كما أن العامل الخارجي " التبعية " لا يستديم في هيمنته وسيطرته وامتصاصه لخيرات الداخل إلا بتغذية ودعم العناصر المكونة " للوضع الداخلي " المتسم بالجمود والتخلف والتقليد.. 

وبفعل عملية التغذية العكسية بين التقليد والتبعية، أضحت إشكالية التطور التاريخي لمجتمعاتنا، تحت التأثير المقرر لكلا الظاهريتين..

وعلينا في هذا الإطار أن نتساءل عن الطريق الذي يخرجنا من هذه الدوامة والإشكالية التاريخية.. 

وبدون مضاربات فكرية وسجالات أيدلوجية، نتمكن من القول أن ثمة طريقا للخروج يتجسد في ضرورة توفر الفعل الحضاري في الداخل العربي والإسلامي، والذي يعني وجود مقومات البناء الذاتي، والدينامية الطامحة إلى التطوير والخروج من آسار التقليد والتبعية في آن، والروح المعنوية اللازمة لكل عملية تطوير وتقدم اجتماعي، ومجموع هذه العناصر تشكل في مجملها مشروعا نهضويا، يطمح إلى تبديد الجمود وإزاحة التقليد الأعمى من العقول والنفوس، ومقاومة كل شروط التبعية الاجتماعية والاقتصادية.. 

والمناخ الذي يشيعه مشروع النهضة، يتجه إلى تطوير لا يطال السطح فقط، وإنما تطورات شاملة وعميقة في البنى المعرفية والثقافية والحضارية.. 

وهذا المناخ دون شك، يعتبر مفتاح الحل في القضية الحضارية للعالم العربي والإسلامي.. 

وفي هذا الإطار ثمة مفارقة بين " الحداثة والنهضة " ينبغي التأمل في أبعادها المعرفية والحضارية، إذ اتجهت الحداثة في الفترة الأخيرة في العالم العربي والإسلامي إلى تحصين الجاهز وتدعيمه منعا من اختراقه، بدلا من أن تطلق حركة الاجتهاد طاقاتها الإبداعية، وصياغة الرؤى العامة لتتنزل على الوقائع بروح وفهم جديدين.. 

وإن الإبداع الحضاري والتجديد الاجتماعي، يستلزمان إطلاق حركة الاجتهاد والإبداع، حتى يمد المسيرة الاجتماعية بالأفكار والرؤى التجديدية، التي تخرج المجتمع من حبائل التقليد والجمود والتبعية وآلياتها الجهنمية.. 

وإن أخطر أثر يصنعه الجمود في الأمة، هو انه يزيل القدرة الذاتية التي تدافع عن قيم الأمة ومصالحها الحيوية، وبالتالي تصبح الأمة لغياب القدرة الذاتية عرضة لكل عوامل النكوص والتأخر الحضاري..

وإن الخروج من دوامة التقليد والتبعية، بحاجة إلى حياة ثقافية – اجتماعية، تحارب مكونات الجمود وبؤر التقليد ومسببات التبعية، في سياق اجتماعي واحد، يستمد أسباب قوته من طاقات الأمة وتطلعها التاريخي إلى إعادة مجدها الغابر، وطموحها الراهن إلى تحقيق مفهوم الشهود الحضاري.. 

الإعلام وقضايا الإنسان والحرية: 

كل البشر الأسوياء يعشقون الحرية، ويأملون بها، ويطمحون إليها.. وكلهم أيضا يرفضون الرق والعبودية وجعل الأغلال على حياتهم وعقولهم، ويأنفون من كل المحاولات التي تسعى للتضييق على حرية الإنسان أو تقييدها..وذلك لأن الحرية والقدرة على الحركة والاختيار، هي منسجمة وفطرة الإنسان، وكل الحقائق والممارسات المضادة لذلك، هي محل نبذ ورفض من قبل الإنسان، لأنها مخالفة لفطرته ومفارقة لطبيعته الإنسانية السوية.. 

فالحرية بالنسبة إلى الإنسان، هي جزء من طبيعته وفطرته، لذلك فإن جميع البشر الأسوياء بصرف النظر عن أديانهم وقومياتهم وأيدلوجياتهم ومناطقهم، هم ينشدون الحرية ويتطلعون إليها على المستويين الفردي والجماعي.. 

والحرية في هذا السياق سواء في بعدها النظري أو بعدها التطبيقي، ليست مشروعا ناجزا، وإنما هي من المشروعات المفتوحة على كل المبادرات والإبداعات الإنسانية.. ومن يتعامل مع الحرية في مستوياتها الإنسانية والسياسية والاجتماعية بوصفها حالة مكتملة أو ناجزة، فإنه لن يتمكن من تعميقها في واقعه الاجتماعي والعام.. فهي دائما بحاجة إلى الإرادة الإنسانية المستديمة التي تعمل وتكافح من أجل تعزيز حقائقها في الفضاء الاجتماعي.. وبمقدار ما تتوفر الإرادة الإنسانية الجمعية، بذات القدر ينعم الإنسان فردا وجماعة ببركات وخيرات الحرية..

لهذا فإن الحرية دائما وفي كل التجارب الإنسانية والتاريخية، ليست إدعاءا يدعى، أو لقلقة لسان، وإنما هي رؤية وممارسة تتجه دوما صوب إنسانية الإنسان، وإزالة كل الركام الذي يحول دون ممارسة الإنسان لحريته وإنسانيته..

وإن التجربة الدينية والفكرية لأغلب المصلحين والعلماء والجماعات الإصلاحية، تنطلق من قناعة مركزية ومحورية وهي: إن العامل أو المكون الذي يكون هو مصدر القوة لدى أمة من الأمم في زمن حضاري ما، قد يكون لعوامل تاريخية متعلقة بالفهم والركام التاريخي هو عامل تراجع وانحطاط وتخلف.. 

لهذا فإن إحياء قيم الإسلام وإزالة الركام التاريخي، مرهون بحرية الإنسان وفاعليته الحضارية التي لا يمكن أن تنجز على الصعيد الواقعي بدون أفق الحرية والإصلاح..

من هنا فإنه لا حرية بدون أحرار، ولا ديمقراطية بدون ديمقراطيين.. 

وإن كل حرية بلا أحرار، حرية شكلية، وأن كل ديمقراطية بدون ديمقراطيين هي شكلية وفوقية أيضا..

لهذا فإن حجر الزاوية في مشروع الحرية الإنسانية، هو وجود الإنسان الحر، الذي يترجم قيم الحرية، ويدافع عن مقتضياتها ومتطلباتها..

وإن ارتباط الإنسان عبر العصور بالأديان السماوية، هو الذي وفر لدية قدرة لفهم واستيعاب ما وراء الطبيعة أي الغيب.. فإيمان الإنسان بالحقائق الغيبية، يعود بالدرجة الأولى إلى القيم الدينية، التي أكدت وجود هذه الحقائق، وطلبت من المؤمنين بها، التسليم بحقائق الغيب.. فالأديان لا توفر فقط للإنسان طريقة حياة، وإنما توفر إليه أيضا تفسيرات إيمانية وعقلية للأمور الغيبية وكل ما هو خارج نطاق الرؤية وإدراك الحواس.. ويعتقد (دور كهايم) أن هناك وجوها مشتركة كثيرة بين الأديان، ومن هذه الأمور، الاعتقاد بوجود الأشياء والحقائق غير المرئية الموجودة في عالم الوجود، وكذلك تقسيم العالم إلى خير وشر، ومقدس وغير مقدس.. ويشير إلى أن كلمة مقدس تعني اتصال الإنسان بالأمور الغيبية، وهذا الاتصال يتم بواسطة الناس الذين لهم تأثير في حياتنا..

لهذا فإن الإيمان بالغيب، ليس مناقضا إلى الحرية وضروراتها في الحياة الإنسانية.. لأن الإيمان هو القاعدة المشتركة الذي يؤسس لمفاهيم الحرية ومضامينها المتعددة، كما أنه هو الذي يخلق القدرة على الكشف وتبديد عناصر الجهل في حياة الإنسان.. فنحن مأمورون إيمانيا بصيانة حريتنا ورفض أي تعد عليها، وفي ذات الوقت نحن مطالبون أيضا بإعمال عقولنا وامتلاك كل أسباب العلم والمعرفة لاكتشاف نواميس الكون والحياة..

وإن التشريعات والتوجيهات الإسلامية، لا تلوم الإنسان المسلم على استخدام حريته بكل مستوياتها، وإنما تلومه للغفلة وتعطيل العقل..

لهذا نجد هناك العديد من الآيات القرآنية، التي توضح بشكل لا لبس فيه حرمة إكراه أي شخص على تبني دين من الأديان..

فالإسلام دين الحق وهذا لا ريب فيه، ولكن لا يجوز لأي أحد مهما علا شأنه أن يكره أحد على اعتناقه.. يقول تبارك وتعالى (ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين) (سورة يونس، 99).. وقال تعالى (قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وءآتاني رحمة من عنده فعميت عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون) (سورة هود، 28).. وغيرها من الآيات القرآنية التي توضح أن مهمة الأنبياء والرسل هي الدعوة والتبليغ، وإن إكراه الناس والأقوام على الإيمان برسالات السماء، ليس من مهمات الأنبياء والرسل.. وحينما تكون اختيارات الناس العقدية سيئة أو لا تنسجم ومقتضيات الدعوة الربانية كما تقررها الآيات القرآنية فإن الجزاء موكول إلى الآخرة.. أي أن العقاب المترتب على بطلان اختيار الإنسان لدينه وعقيدته، هو من اختصاص الباري عز وجل.. إذ يقول عز من قائل (وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا اعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوى الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا) (سورة الكهف، 29).. 

وعليه فإن الحرية في الرؤية الإسلامية، ليست بعيده عن مرجعية التوحيد، وإنما هي منبثقة من هذه المرجعية، وهي التي تعطي للحرية معنى وهدفا وتشريعا.. والشرك العقدي يعيق من انطلاقة فكرة الحرية، ويضيف لها أبعادا ومضامين مناقضة للمفهوم الجوهري للحرية.. فالحرية ليست تفلتا من القيم، وإنما هي انسجام تام مع النواميس والقوانين الاجتماعية والكونية.. 

فالحرية التي تصون كرامة الإنسان وحقوقه، هي تلك الحرية النابعة من تحرر الإنسان من كل الشهوات والأهواء، التي تعمل على دفعه إلى الحضيض.. فبمقدار تمكن الإنسان من التحرر من أهواءه ونزعاته الأنانية والشيطانية، بذات المقدار يتمكن من الاستفادة من بركات الحرية في واقعه الاجتماعي والسياسي.. 

فالحرية دائما بحاجة إلى إنسان حر، والإنسان الحر هو الذي يتحرر من رذائل الدنيا والشهوات التي تركسه في الأرض.. وعليه فإن الخطوة الأولى في مشروع الحرية الحقيقية، هي في أن يتحرر الإنسان من أهوائه وشهواته وحاجاته المذلة.. وذلك لأن بوابة الكثير من ظواهر الاستعباد وحقائق الخنوع، هو حينما يخضع الإنسان لحاجاته النفسية والمادية، فإن مالكها سيتمكن من السيطرة عليه.. 

لذلك فإن الحرية في بذورها الأولى، هي أن لا تكون حاجاتك قاهرة لك.. بمعنى أن المطلوب أن يعمل الإنسان على سد حاجاته بالطرق المشروعة، ولكن إذا تعذر تلبية هذه الحاجات لسبب أو لآخر، فإن المطلوب ليس الخضوع والخنوع لهذه الحاجات وأهلها، وإنما الصبر على الشهوة والحاجة.. 

والحرية كممارسة مجتمعية تتسع وتضيق من خلال علاقتها بقيمة العدالة.. فلا عدالة حقيقية بدون حرية إنسانية، كما أنه لا حرية بدون عدالة في كل المستويات.. فالحرية هي عامل محرك باتجاه انجاز مفهوم العدالة في الواقع الخارجي.. كما أن العدالة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، هي التي تكرس مفهوم الحرية في الواقع الاجتماعي.. وحتى فيما يخص الإنسان الفرد، فإنه لا يتمكن وفق الرؤية الإسلامية من ممارسة حريته فيما يمتلكه على سبيل المثال بعيدا عن إطار العدالة.. وأية ممارسة تتجاوز هذا الإطار أو تضر به، فإنها تصبح ممارسة غير شرعية.. فالإنسان الذي لا يتمتع بالحرية، لا يستطيع انجاز عدالته.. كما أن الإنسان الذي يعيش واقعا اجتماعيا بعيدا عن العدالة، وتسوده حالة الظلم فإنه لن يستطيع أن يدافع عن حريته ويجذرها في واقعه العام.. 

وخلاصة القول: إن الحرية بكل مضامينها وآفاقها، لكي تتجذر في الفضاء الاجتماعي والثقافي، هي بحاجة بشكل دائم إلى الإنسان الحر، الذي يبشر بها على نحو عملي، ويسعى ويعمل ويكافح من أجل تذليل كل العقبات التي تحول دون انطلاق فكرة الحرية.. فالأحرار هم القادرون وحدهم على صناعة الحرية ومؤسساتها في المجتمع..

الإعلام الفضائي الديني.. رؤية في السياسات والمهام: 

ثمة حقيقة شاخصة اليوم في المشهد العالمي، وهي أن العالم من أقصاه إلى أقصاه، يعيش ثورة في وسائل الاتصال والتواصل والإعلام.. ولهذا انتشرت الفضائيات وتعددت المحطات التلفزيونية، وعملت كل الشعوب والأمم والجماعات باختلاف منابتها وأيدلوجياتها للحضور الفضائي.. 

ونفسر اندفاع جميع الخصوصيات للتعبير عن ذاتها فضائيا في الإطار العربي، إلى أن الوضع السياسي والإعلامي العربي، استند خلال عقود عديدة إلى إستراتيجية تغييب الخصوصيات الدينية والمذهبية والقومية والجهوية والقبلية لصالح رؤية مركزية واحدة.. ومع التطورات السياسية والإعلامية الجديدة، شعرت جميع الخصوصيات أن بإمكانها التعبير عن نفسها فضائيا.. فتسارعت كل الخصوصيات الموجودة في الفضاء العربي إلى الحضور التلفزيوني.. ولعلنا لا نجانب الصواب حين القول، أن أغلب حالات التسارع تمت بدون رؤية واضحة، وإستراتيجية إعلامية مدروسة.. وإنما هو تسارع عفوي، يستهدف الوجود الفضائي بذاته.. وبطبيعة الحال أن الاندفاع السريع نحو تأسيس فضائيات، كان التحدي الرئيسي الأساسي الذي يواجهه هو إثبات الوجود والذات.. 

بمعنى أن المشروع الإعلامي يمر بمرحلتين أساسيتين على هذا الصعيد: 

1- مرحلة إثبات الوجود والذات سواء كانت دينية أو قومية أو مذهبية أو قبلية.. وعادة في هذه المرحلة تتراجع شروط الجودة على مختلف المستويات لصالح الحضور كيفما كان.

ولكن غياب الاستراتيجية الإعلامية الواضحة، وكذلك الكادر البشري المؤهل، يجعل مرحلة إثبات الوجود كيفما كان طويلة، والثمن الذي تدفعه المجتمعات من جراء هذا الإعلام كبيرا.. 

2- مرحلة إدارة الوجود الإعلامي بما ينسجم ومشروع القاعدة الاجتماعية التي انطلقت منه هذه الفضائية التلفزيونية أو تلك..

وأعتقد أن الفضائيات الدينية في غالبها، لا زالت تعيش المرحلة الأولى بكل التباساتها وهواجسها. وهذا يتطلب من القائمين عليها، التفكير الجاد في إيجاد آليات مدروسة، في سبل تجاوز الإعلام الهاوي إلى الإعلام المحترف. وهذا يتطلب الاهتمام بالنقاط التالية:

1- الإعلام والمشروع الثقافي والسياسي: 

على الصعيد الواقعي هناك علاقة وظيفية بين الإعلام والسياسة.. بمعنى أن الإعلام هو أحد روافد العمل السياسي، كما أنه هو وسيلة الترويج والتسويق للمثل و المشروعات والشخصيات.. ولكن وجود هذه العلاقة ينبغي أن لا يقلل من شروط المهنية والاحتراف الإعلامي..

فكل المحطات التلفزيونية لها أجندتها، ولكن تختلف عن بعضها في طبيعة التعامل مع هذه الأجندة..

فهناك التعامل المباشر الفج الذي لا يوسع من دائرة المشاهدين والمتابعين. 

وهناك التعامل الذكي المحترف، الذي يعمل للوصول إلى أجندته وغاياته عن طريق أنشطة إعلامية متعددة، تلتزم بشروط العمل الإعلامي الصحيح والمتقن.. 

2- التدريب والتكوين المهني:

لا يكفي أن تكون أهداف المحطة التلفزيونية وغاياتها نبيلة، وإنما من الضروري الاهتمام بكل مسائل التدريب والتأهيل المهني والعلمي لكل الكوادر الإعلامية..

وأعتقد على هذا الصعيد أن أغلب الفضائيات الدينية بحاجة إلى الكثير من الجهود النوعية التي ينبغي أن تبذلها على هذا المستوى.. 

إضافة إلى أنه لا يمكن أن يتقدم الأداء التلفزيوني في أي محطة تلفزيونية، بدون مؤسسات إنتاج فني وبرامجي، قادر على رفد الفضائية بالعديد من المشاريع التلفزيونية والبرامج الإعلامية المتميزة.. 

3- الفضائيات الدينية وروح المسجد: 

لا ريب أن للفضائيات الدينية إيجابيات ومكاسب عديدة، ولكن ما أود أن أثيره في هذا السياق، هو إصرار أغلب هذه الفضائيات على الخطاب الذي يفرق بين الناس، ويشحن نفوسهم بالحقد والبغضاء على مخالفيهم في الرأي أو المعتقد. مما حول أغلب هذه الفضائيات إلى مصدر في إشاعة خطاب الكراهية والفتنة.. 

لذلك فإننا ندعو هذه الفضائيات إلى العودة والالتزام بروح المسجد.. فهي روح جامعة وحاضنة للجميع، وتلبي حاجات الجميع.. 

ولا يمكن أن تقترب هذه الفضائيات من روح المسجد إلا بخلق مبادرة من قبل القائمين عليها للاجتماع وتدارس الأمر وصياغة ميثاق إعلامي متكامل، ينبذ الفرقة والشقاق، ويؤكد على قيم الحوار والوئام والتسامح والمحبة وحقوق الإنسان.. 

وبكلمة: إن التزام جميع هذه الفضائيات بروح المسجد الجامع والحاضن، هو الذي يخرجها من مأزقها الحالي.. 

ففي لحظة زمنية وجيزة، توالدت وانتشرت الفضائيات الدينية، وأصبحنا يوميا نكتشف قناة إعلامية–دينية جديدة، وأضحى الجميع في زمن انفجار الهويات الفرعية، يحدث نفسه وجماعته الأثنية أو القبلية أو المذهبية حول ضرورة التواجد الفضائي.. 

ونحن نعتقد أن ظاهرة انتشار الفضائيات الدينية، بحاجة إلى دراسة عميقة ومتأنية، حتى نستطيع أن نصل إلى حكم نهائي حول مسارها ومسيرتها وتجربتها.. 

ولكن ما نستطيع قوله في هذا السياق أن أغلب هذه الفضائيات تتبنى خطابا وسياسة إعلامية مغلقة وعاطفية وشوفينية، وإن هذه الفضائيات تعمل على إبراز مفاهيمها الخاصة وشخصياتها المقربة، والتغافل التام والتجاهل الكلي عن كل المفاهيم والقيم والشخصيات الأخرى، التي لا تلتقي بشكل أو بآخر وهذا الطرح..

أي إنها فضائيات فئوية – مغلقة، لا تمارس الانفتاح مع الرأي الآخر..

ولا تكتفي بذلك، بل تقوم بشحن الساحة العربية والإسلامية شحنا قبليا أو طائفيا.. لهذا نجد وفي زمن الفضاء المفتوح، ازدادت الإحن والأحقاد بين القبائل والطوائف، وأضحت الحرب الإعلامية المفتوحة على كل الاحتمالات، هي السمة البارزة في المشهد الإعلامي العربي والإسلامي.. 

والذي يثير الغرابة في هذا الإطار، هو أن الفضاء والإعلام المفتوح، لم يساعد جميع الأطراف على التعرف على بعضها البعض، وإنما تمترس كل طرف وراء إعلامه الخاص، وبدأ يطلق السهام والنبال ضد الأطراف الأخرى.. فأصبحنا جميعا نعيش هذه المفارقة، حيث الإعلام المفتوح الذي يصل إلى كل بيت، مع جهل عميق بالآخر وتغييب متعمد إلى تلك الحقائق والقضايا التي تنصفه.. 

فالإعلام الفضائي الإسلامي، لم يؤد إلى أن يتعارف المسلمون على بعضهم البعض، وإنما أدى إلى التخندق والتخندق المضاد.. 

فغابت الحقيقة الجامعة، واضمحلت المساحة المشتركة، وازدادت الإحن والأحقاد، وتراجع الفهم والتفاهم بين جميع الأطراف في الدائرة الإسلامية.. 

وفي هذا السياق، تحول الفضاء الإسلامي المفتوح من فرصة للتواصل والتعارف، إلى منصة لزرع الفتن والأحقاد بين المسلمين.. ونماذجنا على ما نقول كثيرة وعديدة.. ونعتقد أن استمرار هذا النهج والتوجه، سيفضي إلى المزيد من الكوارث على صعيد الأمن الاجتماعي والسياسي.. 

وإننا هنا ندعو جميع القائمين على الفضائيات الدينية إلى مراجعة استراتيجياتهم الإعلامية، والعمل على بناء إعلام تلفزيوني، يساهم في تعميق الوفاق بين المسلمين، ولا يشحن النفوس والعقول للمزيد من التشظي والفتن.. 

فالإعلام مسئولية والتزام، وما يجري اليوم على الشاشات الإسلامية، يتجاوز الحدود بكل مستوياتها.. حيث الألفاظ النابية، والتهريج المفجع الذي يعيد أحقاد التاريخ، ويهيئ الأرضية للمزيد من الحروب والفتن في كل المجتمعات والدول العربية والإسلامية. إننا ندعو أصحاب هذه الفضائيات إلى أن يتقوا الله في أمتهم ومجتمعاتهم، وإن ما يمارسوه عبر العديد من برامجهم التلفزيونية، لا يخرج عن نطاق تهيئة المناخ والأرضية للفتنة بكل صورها بين المسلمين.. لذلك نحن بحاجة إلى وقفة جادة لإعادة هذه الفضائيات إلى جادة الصواب بالابتعاد التام عن البرامج التي تشحن الناس ضد بعضها البعض لاعتبارات قبلية أو مذهبية أو جهوية، وتعمل على ترسيخ قيم الوحدة والتسامح وصيانة حقوق الإنسان.. 

فالإعلام الفضائي هو فرصة ذهبية، لتعريف العالم بقيم الإسلام الخالدة، وليس لنشر غسيلنا الوسخ على رؤوس الأشهاد..

والحرية لا تشرع لأحد ممارسة الحيف والظلم ضد الآخرين.. ومن يريد أن يدافع عن آرائه وأفكاره ومعتقداته، يستطيع أن يدافع عنها بوسائل حضارية، لا تقلل من قيمة الآخرين، ولا تدخل المشاهدين في حلبة من الصراع المفتوح الذي يبدأ بالشتائم المقززة، ولا ينتهي إلا بالدعاء على الآخرين بالويل والثبور وعظائم الأمور..

فالإسلام هو دين الرحمة والمحبة والألفة، ولكن من يشاهد هذه الفضائيات، يكتشف أن القيم المبثوثة في برامجها هي قيم مضادة شكلا وجوهرا لقيم الرحمة والمحبة والألفة.. 

وإننا في هذا السياق ندعو إلى الآتي: 

1- ضرورة العمل على تطوير النخب الإعلامية والثقافية في مجتمعاتنا على المستويين الفني والفكري.. لأنه لا يمكن تطوير وسائل الإعلام الفضائي بدون تطوير الكادر البشري الذي يعمل في هذه المؤسسات.. 

وفي إطار عملية تطوير الكادر البشري، من الضروري الاستفادة من كل الخبرات الإعلامية العربية والدولية وكذلك مراكز التدريب الإعلامية المشهود لها بالمهنية والتميز.. 

2- إقامة الملتقيات والمؤتمرات الخاصة بالإعلاميين العاملين في الإعلام الفضائي، وذلك لمدارسة القضايا المشتركة وتبادل الرأي والخبرات وصياغة إستراتيجية إعلامية مشتركة..

3- ثمة ضرورة قصوى في ظل الظروف الحالية التي تعيشها الأمة الإسلامية على أكثر من صعيد إلى صياغة خطاب إعلامي جديد، يحترم حقيقة التعددية المذهبية في الأمة، ويدعو إلى صيانة حقوق الإنسان وسيادة قيم الحوار والحرية والتسامح وقبول المختلف رأيا ووجودا، وتفكيك خطاب ونزعات الكراهية لاعتبارات دينية أو مذهبية أو قومية.. 

4- من المهم أن يتبنى الإعلام الفضائي قضايا الأمة الكبرى ورفض دعوات الانعزال أو الانحباس في القضايا الخاصة.. 

فالإعلام ينبغي أن يكون رافعة لكل قضايا الأمة الكبرى ومدافعا عنها، وحاثا على الالتزام بها وصانعا للوعي الحامي والمدافع عن معطياتها ومتطلباتها.. 

5- لكون الساحة الإسلامية–الشيعية تمتلك اليوم العشرات من الفضائيات، من الضروري التفكير في مسألة التكامل في الإعلام الفضائي.. حتى لا تكرر هذه الفضائيات برامجها الدينية، وحتى تستوعب كل القضايا ذات الاهتمام والضرورة.. فما أحوج ساحتنا اليوم إلى فضائية سياسية–خبرية، تهتم بقضايا الأمة السياسية، وتعطي أولوية للبرامج السياسية التي تستهدف صناعة الوعي السياسي وصياغة ثقافة سياسية في الأمة.. كما أنه ما أحوج الساحة اليوم إلى فضائية حقوقية، تعتني بقيم حقوق الإنسان، وتعمل للدفاع عن حقوق الإنسان وكرامته، وتفضح كل الممارسات التي تنتهك حقوق الإنسان، وتعمل على خلق البيئة الحقوقية الضامنة لحقوق الإنسان والمدافعة عنه.. 

فالتكامل بين أجهزة ومؤسسات الإعلام الفضائي، أضحى ضرورة قصوى، حتى لا تتكرر الجهود أو تكون ذات صيغة واحدة.. 

فمدرسة أهل البيت (ع) لا يمكن أن نحصرها في الأنشطة والبرامج الشعائرية، وإنما هي تتسع وتستوعب كل قضايا ومجالات الحياة.. والإعلام الفضائي ينبغي أن يعكس كل معارف أهل البيت (ع) وقضايا مجتمعاتنا المعاصرة، وهذا يتطلب بناء رؤية إعلامية جديدة للمؤسسات الإعلامية الفضائية–الدينية..

..........................................

الهوامش

1- ابن منظور، جمال الدين محمد، لسان العرب، ص 2، دار إحياء التراث العربي – بيروت 1992م.. 

2- السيد محمد حسين فضل الله، من وحي القرآن – المجلد السادس – ص 151 – 152 دار الزهراء – الطبعة الأولى – بيروت 1986 م.. 

3- الحر العاملي، وسائل الشيعة، 11 / 503، تحقيق مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، مطبعة مهر، الطبعة الثانية، قم 1414 هـ.. 

4- محمد جعفري، العقل والدين في تصورات المستنيرين الدينيين المعاصرين – ص 68 – مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي – الطبعة الأولى، بيروت 2010 م.. 

5- الحر العاملي، وسائل الشيعة، المجلد الرابع، ص 884، مصدر سابق.. 

ذات صلة

مزايا الثراء المشروعمركز الفرات ناقش.. جيل زد وقيود الاقتصاد الريعي وفرص التحوّل الرقميالعراق بين انسداد النخبة وتآكل الدولةالنظام السياسي العراقي.. فرص الإصلاح ومعوقات الاستقرارهل يمارس التنجيم دورًا استلابيًّا؟