نزعات العلماء الموسوعيين
آباء العلوم الإسلامية يقدمون دروسًا للطلاب: الاتساع المعرفي بدلًا من التخصص الضيق، وعدم السماح للقيود بأن تعترض الطريق
شبكة النبأ
2026-09-14 05:54
يستعيد المقال تجربة العلماء الموسوعيين في الحضارة الإسلامية بوصفها نموذجًا للتعلم الذي يجمع بين التخصص والاتساع المعرفي، ويحوّل القيود إلى فرص للإبداع. وتوضح مريم صبري في مجلة «إيون» (Aeon)، من خلال البيروني وابن الهيثم وابن سينا والخوارزمي، أن الإنجازات العلمية الكبرى نشأت من عبور الحدود بين الرياضيات والطب والفلك والفلسفة، ومن الجمع بين النظرية والتطبيق والنقد، بما يقدم درسًا معاصرًا لمواجهة عالم يتغير بفعل الذكاء الاصطناعي والمناخ والاضطراب السياسي.
ففي هذا الفصل الدراسي، يدرس طلابي أربعة من العلماء الموسوعيين الذين أسهموا في تشكيل العلوم الإسلامية: البيروني، وابن الهيثم، وابن سينا، والخوارزمي. ويكاد يكون من الصعب تصور ظروف أكثر اختلافًا من الظروف التي عاشها هؤلاء؛ فقد كتب أحدهم طريقه إلى الخروج من شح الموارد، ووُضع آخر تحت الإقامة الجبرية لمدة عقد، وجمع ثالث المعرفة الطبية لعصر كامل في كتاب ظل مهيمنًا على الجامعات الأوروبية لمدة 500 عام، أما الرابع فعمل في أكبر مؤسسة بحثية في عصره. ومع ذلك، اشترك الأربعة في نزعة أساسية واحدة: الانتقال بحرية بين الرياضيات والطب والفلك والفلسفة والشعر، واختبار افتراضات كل تخصص في ضوء تخصص آخر. يقع صفي الدراسي في باكستان، حيث يأتي الطلاب متحمسين للحديث عن «الابتكار المزعزع» وفرص التوظيف، لكنهم نادرًا ما يتحدثون عن الاتساع المعرفي. وأريدهم، من خلال هذه الحيوات الأربع، أن يروا أن هذا النوع من الرحابة الفكرية ليس ترفًا خاصًا بالأزمنة المستقرة، بل إنه أنتج بعضًا من أكثر الاختراقات العلمية بقاءً في تاريخ العلم.
بعد خمسة عشر عامًا من العمل في تعليم الفنون الحرة، أعتقد أن إعادة دمج التخصصات على الطريقة الهلنستية يمكن أن ترشدنا إلى الطريق. وأنا لا أطرح هنا دفاعًا سطحيًا عن «تعدد التخصصات»، بل أدعو إلى شيء أكثر تحديدًا: استعادة الميل إلى الموسوعية العلمية الذي ازدهر يومًا في العالم الإسلامي. وبدلًا من تقديس الابتكار المزعزع من خلال مقررات إلزامية في ريادة الأعمال والأساليب التطبيقية، ينبغي أن نقدم نموذجًا مختلفًا تمامًا لكيفية التعلم ولغاية التعلم، ولا سيما أن طلابي يدخلون الجامعة أصلًا بعقلية مهنية ضيقة.
وتلتقط كلمة الموسوعية المعرفية نفسها هذا التركيب الذي يجمع عوالم عديدة من المعرفة؛ فـ«poly» تعني التعدد، و«mathy» تحيل إلى المعرفة والتعلم. وتمنح الموسوعية فسحة للتأمل وإعادة النظر في عالم تمزقه الحروب والكوارث المناخية والظلم. وهي مستمدة من تعبيرات أصيلة في العالم الإسلامي، وليست مفهومًا مفروضًا من الشمال العالمي. واليوم، تتيح الموسوعية جمع أنماط مختلفة من التفكير لمعالجة المشكلات السياسية والاقتصادية والبيئية. وفي زمن يقرأ فيه الطلاب أقل من الأعمال الكلاسيكية، ويزداد قلقهم بشأن فرص العمل، يمكن لاتساع الموسوعية أن يقدم مسارًا ذا معنى نحو المستقبل. وهذه هي دروس كبار العلماء الموسوعيين في الحضارة الإسلامية.
نهاية النموذج
تحمل حياة أول شخصياتنا، البيروني، كثيرًا مما يمكن أن يتعلمه الطلاب عن الأبعاد الإنسانية للعلم. وُلد في مدينة خوارزم في آسيا الوسطى نحو عام 973، ونشأ في بيئة قليلة الفرص. لكن ذلك لم يقيده؛ فقد سعى البيروني إلى التعليم. ووفق التقليد الكلاسيكي للموسوعية الإسلامية، درس الفقه الإسلامي والنحو وعلم الكلام، وعلوم الفلك والرياضيات، وكذلك التاريخ. وطوال حياته، لم يكن النقص عائقًا أمام البيروني؛ بل إن الندرة تجعل الإنسان، في الواقع، أكثر تقديرًا لأي معرفة تكون متاحة له، وهذا درس أساسي لكل دارس للفنون الحرة.
وقد غذت هذه القدرة على تدبير الموارد إسهامات البيروني الأساسية في مجالات تخصصه. ففي بدايات مسيرته، كان وصوله إلى الأدوات العلمية محدودًا، لكنه لم يستسلم، بل علّم نفسه كيفية صنعها بالاعتماد على عدد قليل من الكتيبات القديمة والموارد المحدودة. كما مكنه ذكاؤه العملي من تحدي كبار العلماء الراسخين. فقد بنى الفلكي الخجندي، مثلًا، سدسًا فلكيًا ضخمًا استخدمه لقياس ميل محور الأرض بالنسبة إلى مدارها، أي زاوية ميلها، لكن الرقم الذي توصل إليه بدا للبيروني منخفضًا أكثر مما ينبغي. وبفضل خبرته في بناء الأسداس الفلكية بنفسه، تمكن من تحديد المشكلة: كان سدس الخجندي يهبط أو ينحني بفعل ثقله، وهو ما أدى إلى تشويه النتائج. وهكذا فإن الندرة التي أجبرت البيروني على صنع أدواته بنفسه هي التي مكنته من اكتشاف الخطأ الذي وقع فيه آخرون ممن امتلكوا موارد أكبر بكثير. أما قياسات البيروني نفسه، التي وثقها في كتاب «تحديد إحداثيات المواقع لقياس المسافات بين الأماكن بدقة»، فقد حظيت بقبول واسع لدى معاصريه والعلماء الذين جاؤوا بعده.
تشكلت حياة البيروني اللاحقة وأعماله تحت تأثير محمود الغزنوي، سلطان الإمبراطورية الغزنوية من عام 998 إلى 1030. وكان محمود قائدًا عسكريًا هائلًا، وقيل إنه لم يخسر معركة قط، وقد وسع إمبراطوريته غير المستقرة توسعًا كبيرًا. وكانت خوارزم، موطن البيروني، من بين الأراضي التي غزاها، وسرعان ما أُجبر البيروني نفسه على الخدمة في بلاط محمود. وفي عهده، سافر عبر آسيا الوسطى والهند والأراضي العربية. وأدت هذه السنوات دورًا حاسمًا في تشكيل إسهاماته الفكرية والمجالات التي اختار دراستها.
{img_1}
مخطوطة قديمة تحتوي على نص عربي ورسوم فلكية تتكون من دوائر وخطوط موزعة على صفحتين.
من كتاب «الكتاب الشامل في الوجوه الممكنة في صنعة الأسطرلاب»، من القرن الحادي عشر، للبيروني. بإذن من مكتبات جامعة بنسلفانيا.
ومن المفارقات أن خضوع البيروني للخدمة أتاح له فرصة اجتياز تضاريس جبلية وساحلية، والتعلم من التقاليد الفلكية في الهند وفارس والبلاد العربية. وقد نشأت طريقته الرائدة في قياس نصف قطر الأرض من إحدى هذه الرحلات؛ ففي قلعة نندنة في البنجاب، صعد تلًا، وقاس زاوية انخفاض الأفق، ثم حسب نصف قطر الأرض بدرجة لافتة من الدقة، إذ تضع التحويلات الحديثة رقمه عند 3928.77 ميلًا إنجليزيًا.
وفي الوقت الذي كان فيه معظم زملاء البيروني من الفلكيين يتبنون مركزية الأرض، كان هو يختبر فكرة مركزية الشمس، وإن لم يدمج النظرية رسميًا في بقية منظومته الفكرية، وذلك قبل كوبرنيكوس بنحو 500 عام. كما ساعدته رحلاته إلى المناطق الساحلية والصحارى العربية على فهم تكوّن الأخاديد وتركيب الرمال. ولاحظ قائلًا: «مع مرور الزمن، يصبح البحر يابسة، وتصبح اليابسة بحرًا». ولو لم يغادر البيروني آسيا الوسطى ويُجبر على القيام برحلاته عبر جنوب آسيا وغربها، لما توصل قط إلى هذه الملاحظة الحاسمة. وتعلمنا حياته اليوم أن النقص والندرة ليسا بالضرورة عائقين؛ بل يمكن أن يصبحا موردين للابتكار.
ويمكن للإبداع أن ينشأ من إمكانات لم تكن متخيلة بقدر ما ينشأ من قيود لم تكن متوقعة. وتشهد حياة عالمنا الموسوعي التالي، ابن الهيثم، وأعماله على الطريقة التي يمكن أن يظهر بها الإبداع تحت وطأة القيود، ولا سيما في الأسر. ومع أن الفقر والأسر كليهما يمكن أن يدفعا إلى الإبداع، فإن طبيعة هذين القيدين مختلفة. فالأول يتعلق بالندرة، والثاني يتعلق بانعدام القدرة على الحركة. والندرة لا تمنع السفر، أما الأسر، وهو للأسف تجربة مألوفة لطلاب يعملون اليوم تحت حكومات قمعية، فيفصل الإنسان تمامًا عن العالم الخارجي بما يحمله من إمكانات كثيرة. وكانت هذه الظروف هي التي ميزت تجربة البيروني عن تجربة ابن الهيثم.
كان ابن الهيثم عالمًا كبيرًا في البصريات، وُلد نحو عام 965 في البصرة، في العراق المعاصر، حيث كانت هناك بيئة فكرية مزدهرة أدت إلى إنتاج علمي وأدبي مهم. ففي البصرة تأسست دراسة النحو العربي، وهناك بحث الجاحظ في موضوعات تمتد من علم الحيوان إلى علم الكلام، وهناك أيضًا جمع إخوان الصفا، وهم جماعة سرية من العلماء والفلاسفة، موسوعة ضخمة نسجت الرياضيات والميتافيزيقا معًا. وكانت هذه الثقافة العالمية النزعة والمولعة بالكتب هي التي شكلت ابن الهيثم.
وفي سنواته الأولى، أصبح مشهورًا بإنجازاته الثورية في الهندسة. لكنه تجاوز نفسه عندما اقترح بجرأة بناء سد على نهر النيل لتنظيم تدفقه. ووصل الاقتراح الاستثنائي إلى الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله الذي كان يحكم من القاهرة. وعُرف الحاكم في التاريخ باسم «الخليفة المجنون»، وكان حاكمًا شديد الغرابة والانتقام، اضطهد الأقليات الدينية، وأمر ذات مرة بقتل جميع كلاب القاهرة، إذ يبدو أنه انزعج من نباحها. وعندما وصل ابن الهيثم إلى مصر، اكتشف، لخيبة أمله، أن النيل لا يمكن ترويضه بهذه السهولة، وأن مشروع السد الذي اقترحه غير قابل للتنفيذ إطلاقًا. وخوفًا، بصورة مفهومة، من أن يثير فشله غضب الخليفة، ادعى ابن الهيثم الجنون. ونجحت الحيلة؛ فنجا من الإعدام، ووُضع بدلًا من ذلك تحت الإقامة الجبرية حتى وفاة الحاكم.
ظل ابن الهيثم تحت الإقامة الجبرية مدة عقد كامل. وكان محصورًا في منزله ولا يملك سوى اهتماماته الفكرية، فطور نظريات رائدة في الرؤية ضمن كتابه «كتاب المناظر». وبسبب القيود الجسدية التي فرضتها عليه الإقامة الجبرية، أمضى وقتًا طويلًا في بناء الأدوات وتعديلها وإجراء التجارب بها، بما ساعده على فهم سلوك الضوء. وكانت معرفته الواسعة المورد الوحيد المتاح له أثناء سجنه. وبصفته عالمًا موسوعيًا، جمع ابن الهيثم بين معرفته بالهندسة والفلك والبصريات والهندسة التطبيقية. ووضع معادلات رياضية لتفسير كيفية عمل الضوء، ودرس ظواهر فلكية عديدة، ولا سيما النجوم، لشرح نظريات السطوع، كما استخدم المبادئ الهندسية للغرفة المظلمة لمحاكاة وظيفة العين.
ولا يزال أكثر إسهاماته تأثيرًا يشكل أساسًا من أسس علم البصريات. فقد كان ابن الهيثم من أوائل من جادلوا بأن الرؤية تنتج من دخول الضوء إلى العين، لا من الأشعة التي تصدر منها. وكانت هذه نظريته المؤثرة في الاستقبال البصري. وقد وضعته آراؤه في مواجهة علماء كبار مثل بطليموس وإقليدس وجالينوس، الذين كانت نظرية الانبعاث لديهم في البصريات تفترض أن العين تطلق أشعة على الأجسام التي تدركها. لكن ابن الهيثم رد بأن ذلك لا ينسجم مع علم الفلك؛ فإذا كان على العين أن ترسل أشعة قبل أن نرى أي شيء، فلن يكون هناك تفسير لكيفية رؤيتنا النجوم البعيدة فور فتح أعيننا.
وكشف تطويره لنظرية الاستقبال عن قدرة حاسمة أخرى هي التفكير النقدي. وتشهد أعماله على أن العلماء الموسوعيين المسلمين لم يكتفوا باستهلاك المعرفة اليونانية أو ترجمتها أو تكرارها، بل نقدوها وابتكروا جديدًا. فلو لم ينتقد ابن الهيثم العلم اليوناني، جامعًا معرفته بالبصريات والفلك والرياضيات مع العروض العملية للغرفة المظلمة، وكل ذلك في ظروف الأسر، لما ظهرت نظريته في الاستقبال البصري.
ومع أن معظم الناس يعدون نظرية الاستقبال ذروة إنجازات ابن الهيثم الفكرية، فإن موسوعيته خلقت أيضًا روابط جديدة بين البصريات وعلم النفس. وكما ذهب عالم الأعصاب تشارلز جي غروس، فإن ابن الهيثم كان «أول من أدرك الأهمية الحاسمة لحركة العين في الإدراك»، وبذلك أسهم في تفسير تشكل وعينا بالعالم المرئي. فقد أدرك أن استقبال العين للضوء ليس إلا أول خطوة من خطوات حاسمة عديدة في عملية الإدراك. وفسرت بصرياته الكيفية التي يصل بها الضوء ماديًا إلى العين، لكنه أصر على أن ذلك ليس إلا البداية؛ فتحويل الإحساس الخام إلى إدراك واعٍ فعلي يحتاج إلى الاستدلال اللاواعي والذاكرة والمقارنة. وهي رؤية حديثة بصورة مدهشة، لم تُصغ في الغرب إلا في القرن التاسع عشر. ولو كان ابن الهيثم مرتبطًا ارتباطًا ضيقًا بمجال واحد فقط، لما توصل إلى هذا الاكتشاف.
وسواء أراد الطلاب أن يصبحوا علماء أم رواد أعمال، فإنهم يحتاجون إلى البحث عن تجارب متنوعة من دون نتيجة محددة سلفًا. وقد أدى الجمع بين الإبداع والتفكير النقدي تحت القيود لدى ابن الهيثم إلى الإنجازات الاستثنائية التي ما يزال يُذكر بها حتى اليوم.
وربما كان أشهر العلماء الموسوعيين في العالم الإسلامي ابن سينا، الذي امتد نشاطه الفكري من عام 997 إلى 1037. كان طبيبًا وفيلسوفًا واسع الشهرة من بخارى في آسيا الوسطى، وكان طفلًا نابغة أظهر في سن مبكرة إتقانًا للنصوص والمفاهيم المعقدة. ومع أن إسهاماته في الطب هي الأكثر استشهادًا بها اليوم، فإن إسهاماته في تطوير المنهج العلمي كانت من أهم إنجازاته. ومثل ابن الهيثم، انتقل ابن سينا بسلاسة من الملاحظة إلى التجريب، ومن الاستقراء إلى الاستنباط، وهو ما قاده إلى اختراقاته في الطب والفلسفة، فضلًا عن إسهامات أقل شهرة في علم النفس والجيولوجيا.
وكان أعظم أعمال ابن سينا، «القانون في الطب»، محاولة لجمع المعرفة الطبية الكاملة لعصره، اليونانية والفارسية والهندية، في مرجع واحد منظم. وقد اكتمل نحو عام 1025، ويتألف من خمسة كتب: المبادئ العامة لوظائف الجسم والمرض؛ وفهرس أبجدي لنحو 800 مادة دوائية؛ والأمراض مرتبة بحسب أعضاء الجسم من الرأس إلى القدم؛ والحالات التي تؤثر في الجسم كله مثل الحمى؛ ومجموعة تضم نحو 650 علاجًا مركبًا. لكن ما يميز «القانون» هو منهجه؛ فقد وضع ابن سينا قواعد لاختبار تأثيرات دواء جديد، وصاغ عمليًا فكرة التجربة السريرية قبل ظهور هذا المصطلح بقرون. وبعد ترجمته إلى اللاتينية في القرن الثاني عشر، أصبح «القانون» الكتاب الطبي القياسي في الجامعات الأوروبية لأكثر من نصف ألف عام. لكن عبقرية ابن سينا لم تكمن فقط في مضمون هذا الإنجاز، بل كذلك فيما نسميه اليوم التواصل العلمي؛ فقد كتب نثرًا واضحًا وشعرًا معبرًا.
وكان الشعر، في الواقع، وسيلة تعليمية أساسية لنقل المعرفة العلمية في العالم الكلاسيكي. فقد ساعد الوزن والقافية على جعل المادة سهلة الحفظ. ولخصت «الأرجوزة في الطب» لابن سينا دروس «القانون» حتى يستطيع الأطباء تذكر توصياته وبصائره بسهولة. وتصور هذه الأبيات، في ترجمة هافن سي. كروغر عام 1963، تجربة المرض بصورة مؤثرة:
تُستخلص الأعراض من الفحص الجسدي للجسم في لحظات معينة. بعضها مرئي، مثل اليرقان والوذمة؛ وبعضها تدركه الأذن، مثل قرقرة البطن في الاستسقاء؛ والرائحة الكريهة تصيب حاسة الشم، كما في القروح القيحية؛ وبعضها يمكن إدراكه بالذوق، مثل حموضة الفم؛ أما اللمس فيتعرف إلى بعضها، مثل صلابة السرطان!
وقد تجاوزت إسهامات ابن سينا بكثير الاكتشافات والابتكارات الطبية. فإسهامه في المنهج العلمي نفسه كان رائدًا. وعندما كان يواجه مشكلة منطقية مستعصية، كان يستخدم التصوف بوصفه منهجًا؛ فيذهب إلى المسجد ويصلي حتى يزول الضباب الذهني ويحل المشكلة. وهذا يستبق، من جوانب كثيرة، الدور الذي يؤديه التأمل اليوم في الوصول إلى صفاء الذهن. ويكتشف العلماء الآن أن تغيير المكان والإيقاع يمكن أن يصنع العجائب للباحثين. وعلى خلاف الاعتقاد الشائع، فإن «اليقظة الذهنية» ليست حلًا جديدًا لمشكلة قديمة، بل توصية معاد تدويرها من تقاليد روحية عديدة، أُعيد تغليفها داخل علمانية مقبولة. والنظر إلى اليقظة الذهنية عبر استخداماتها التاريخية الممتدة من بوذا إلى ابن سينا يمنح الممارسة مصداقية تتجاوز تقديس وادي السيليكون لها بوصفها مقاربة مزعزعة. إنها ممارسة ضاربة في القدم مرتبطة بالابتكار.
{img_2}
رسم تشريحي قديم مع ملاحظات مكتوبة بخط اليد، يظهر جسم إنسان وأعضاءه الداخلية وأوردته على ورق معتق.
من كتاب «القانون في الطب» لابن سينا. بإذن من مكتبة ويلكوم، لندن.
وكلما كلفت طلابي بقراءة سيرة ابن سينا الذاتية في مقرر تاريخ العلم، يدهشهم أمر بسيط للغاية: التداخل بين الدين والعلم. فلم يكونا دائمًا في حالة صراع، كما يُشجع الطلاب اليوم، بصورة لا تاريخية، على الاعتقاد. وتشكل عادة ابن سينا في اللجوء إلى الصلاة عندما تستعصي عليه مشكلة منطقية مثالًا واضحًا؛ فبالنسبة إليه، لم يكن التوجه إلى المسجد عندما يعجز العقل تراجعًا عن التفكير الصارم، بل امتدادًا له، لأن الصلاة والبحث المنطقي كانا يتجهان معًا نحو الغاية نفسها: فهم حقيقة صعبة. ولم أعد أستطيع عدّ المرات التي يحدق فيها الطلاب بدهشة عندما أعرض عليهم أمثلة لعلماء من التاريخ كانوا روحانيين لا علمانيين، من دون إصدار حكم قيمي على منظوماتهم الاعتقادية. ويشمل ذلك أيضًا علماء حديثين نسبيًا، مثل الفيزيائي الباكستاني الحائز جائزة نوبل عبد السلام، الذي أعلن هويته الإسلامية صراحة ولم ير أي تناقض بين إيمانه وأبحاثه.
وعلاوة على ذلك، لم يكن ابن سينا وحده في استخدام اللغة الغنية لتفسير المفاهيم العلمية. فقد كانت البلاغة أحد الفنون الحرة الرئيسية في التقاليد اليونانية والإسلامية، وكان معظم العلماء بارعين فيها. واستمر هذا التقليد لدى علماء القرن العشرين مثل عبد السلام، الذي احتفظ طوال حياته بحبه للشعر بالأردية والفارسية والبنجابية والإنجليزية، وكان زملاؤه الذين استمعوا إلى محاضراته في فيزياء الجسيمات يقولون إن بلاغته جعلت الموضوع يبدو كأنه أدب. وبالنسبة إلى ابن سينا وعبد السلام معًا، لم تكن اللغة الحية زخرفة تُضاف إلى العلم بعد اكتماله، بل كانت جزءًا من الطريقة التي يجري بها التفكير في الأفكار نفسها، والطريقة التي تُجعل بها راسخة في الذهن. ولذلك فإن التأكيد على مهارات الكتابة الفعالة والمثيرة لدى الطلاب في صفوف الفنون الحرة اليوم أساسي لنجاحهم. فالكتابة ليست مهارة معزولة يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحل محلها، بل هي أساسية للتواصل والإدراك معًا بالنسبة إلى قادة المستقبل في العلم وريادة الأعمال. وتشهد حياة ابن سينا وإرثه على كل من التنوع المنهجي والتواصل العلمي المؤثر، وهما أمران يتراجعان اليوم بسبب التخصص والتعليم المهني الضيق.
أما عالمنا الموسوعي الأخير، الخوارزمي، فهو بالغ القيمة لأي منهج للفنون الحرة في العالم الإسلامي وخارجه. وبصفته أبا الجبر وصاحب الاسم الذي اشتُقت منه كلمة «الخوارزمية»، يظهر عمله أن النظرية تنبثق من الاشتباك مع مشكلات عملية، وأن التجريد قادر على حل تحديات واقعية. وُلد الخوارزمي في آسيا الوسطى نحو عام 780، وبرز بوصفه أحد قادة العلوم الإسلامية. وكان من كبار علماء بيت الحكمة في بغداد، الذي كان آنذاك أكبر مؤسسة للبحث الفكري في العالم الإسلامي، وامتلك معرفة واسعة بالرياضيات والفلك والجغرافيا كانت وثيقة الصلة بالمشكلات العملية في الحكم والإدارة التي واجهتها الإمبراطورية العباسية.
ووصف رسالته في الجبر، «الكتاب المختصر في حساب الجبر والمقابلة»، بأنها دليل عملي، أي «كتاب في الجبر، اقتصر فيه على ما يلزم من دقائقه ومهماته مما يحتاج إليه الناس دائمًا في مواريثهم ووصاياهم وقسمتهم وأحكامهم وتجاراتهم، وفي جميع ما يتعاملون به بينهم من مساحة الأراضي وحفر الأنهار والهندسة وغير ذلك من وجوهه وفنونه». وكانت كل هذه تطبيقات ضرورية لنجاح الإدارة الإمبراطورية في العهد العباسي. وعلى الرغم من الجاذبية التجريدية للجبر، فإنه لم يُقصد به قط أن يكون تقليدًا نظريًا خالصًا منفصلًا عن حاجات العالم الواقعي.
ويُذكر الخوارزمي أساسًا بوصفه مؤسس الجبر، لكن طموحاته امتدت أيضًا إلى الفلك والجغرافيا. ففي إهداء إلى الخليفة المأمون، الذي حكم بين عامي 813 و833، وضع «زيج السند هند»، وهي جداول فلكية ترصد حركات الشمس والقمر والكواكب الخمسة المعروفة آنذاك، مستفيدًا من مواد أقدم نُقلت إلى بغداد من الهند. وتضمنت الجداول حسابات لأطوال الظلال في أوقات مختلفة من اليوم، وكانت ضرورية لتحديد أوقات الصلاة وضبط الساعات الشمسية. وفي وقت لاحق، انتقل في «كتاب صورة الأرض» إلى الجغرافيا، فصحح خريطة بطليموس للعالم، التي كان عمرها قرونًا، ووسعها بإحداثيات 2402 موقعًا. وعبر الرياضيات والفلك والجغرافيا جميعًا، كان الخيط الناظم في أعمال الخوارزمي هو الدقة؛ الإصرار على القياس ووضع الجداول والتصحيح، بدلًا من مجرد وراثة المعرفة المتلقاة كما هي.
{img_3}
مخطوطة قديمة تحتوي على نص عربي ورسوم على صفحتين معتقتين، مكتوبة يدويًا بالحبر الأسود والأحمر.
من رسالة الخوارزمي في الجبر، «الكتاب المختصر في حساب الجبر والمقابلة». بإذن من مكتبة بودليان، جامعة أكسفورد، المملكة المتحدة.
وغالبًا ما تكون النظرية نفسها هي الحاجز الحقيقي الذي أراه في الفصل الدراسي، ولا سيما لدى الطلاب القادمين من خلفيات جغرافية محرومة، الذين يصلون وقد تدربوا جيدًا على المعرفة التطبيقية لكن ليس على التفكير التجريدي. فالمنهج المدرسي الباكستاني السائد يكافئ الحفظ عن ظهر قلب أكثر مما يكافئ التفكير النقدي أو التجريدي، ولهذا قد تبدو النظرية غريبة بدلًا من أن تبدو مفيدة. لكن حياة الخوارزمي تقول العكس؛ فقد نشأ جبره من مشكلات عملية تمامًا، مثل نزاعات الميراث ومسح الأراضي وحفر القنوات، لكن قوته تمثلت في تجاوزه لهذه المشكلات وتحوله إلى منهج مرن بما يكفي لتنظيم مسائل لم يكن أي إداري في القرن التاسع قادرًا على تخيلها. وبعبارة أخرى، النظرية ليست نقيض الممارسة، بل هي ما تصبح عليه الممارسة حين يجري تعميمها. وهذا هو الدرس الذي يستحق أن نحمله إلى صفوف الفنون الحرة التي تتعامل في أحيان كثيرة مع التجريد بوصفه ترفًا لا مهارة.
وتدفعنا حياة هؤلاء العلماء الموسوعيين إلى تقدير حقيقة أن القيود يمكن أن تقود إلى الإبداع والابتكار. ويتجلى ذلك بوضوح خاص في مثالي البيروني وابن الهيثم، حتى لو كانت طبيعة القيود التي واجهها كل منهما مختلفة؛ فقد دفعت الندرة البيروني إلى صنع أدواته بنفسه، بينما أجبر الأسر ابن الهيثم على التوجه إلى الداخل والتأمل في الروابط بين الرؤية وعلم النفس. أما بالنسبة إلى ابن سينا والخوارزمي، فقد نشأت الموسوعية بدلًا من ذلك من الرعاية المؤسسية واضطرابات البلاط، التي منحت كليهما المجال والسبب للانتقال بين الطب والفلسفة والرياضيات والفلك والجغرافيا، بينما كانا ينسجان التقاليد اليونانية والفارسية والهندية في تركيبات جديدة.
وما يجمع العلماء الأربعة ليس القيد أو الفرصة الخاصة التي واجهها كل منهم، بل ما فعلوه بما واجهوه؛ فلم يسمح أي منهم لتخصص واحد بأن يرسم حدودًا لتفكيره. كما كان النقد عنصرًا مركزيًا في هذا الرفض للحدود، كما يتضح من اعتراض ابن الهيثم على نظرية الانبعاث وتفضيله نظرية الاستقبال؛ فالعلماء الموسوعيون لم يرثوا المعرفة المتلقاة ببساطة، بل أخضعوها للتساؤل والنقد. ولم تكن النظرية والممارسة متعارضتين قط، كما تشهد الطريقة السريرية لابن سينا ورياضيات الخوارزمي القائمة على الدقة؛ فالإتقان والتجريد يشكلان ركنين من أركان تعليم الفنون الحرة بقدر ما يمثل الاتساع المعرفي ركنًا منها. وما تشترك فيه هذه الحيوات جميعًا، في النهاية، هو ذلك الانفتاح العابر للثقافات الذي أتاحته الرعاية التعددية. فالموسوعية لم تكن يومًا مسعى فرديًا معزولًا، بل كانت دائمًا تتغذى من الاتصال بين التقاليد المختلفة.
وهذا الدرس مهم لطلابي في باكستان اليوم، إذ سيبني معظمهم مسيراتهم المهنية في عالم يعيد تشكيله الذكاء الاصطناعي والاضطراب المناخي والتحولات السياسية، عالم أكثر تقلبًا بكثير مما يستطيع أي تخصص منفرد أن يؤهلهم لمواجهته. وإذا كان البيروني وابن الهيثم وابن سينا والخوارزمي قد استطاعوا تحويل الندرة والأسر والرعاية والاضطراب إلى طرائق جديدة في المعرفة، فإن الاتساع المعرفي هو الإعداد الضروري للعمل الهائل الذي ينتظرنا في المستقبل.