المسؤولية الأخلاقية للشركات التجارية
د. علاء إبراهيم محمود الحسيني
2026-06-13 04:29
تتمثل المسؤولية الأخلاقية للشركات التجارية في الالتزام الطوعي بالمواثيق والإعلانات المنظمة للحقوق والحريات وسائر القواعد القانونية المتصلة بحماية وتعزيز حقوق الإنسان الوطنية، وقد يتجاوز الأمر مجرد الامتثال للقواعد القانونية نحو ضمان العمل النزيه والمنافسة الشريفة المسؤولة والتزام الشفافية في مختلف النشاطات المتعلقة بـ(الموظفين، الزبائن، والمجتمع، والبيئة)، والتزام الممارسات التجارية العادلة بما يعزز الثقة ويحقق التعاون مع المنظمات المعنية بالحقوق والحريات لاسيما المنظمات غير الحكومية، فلا يكون الكسب والربح هو الدافع الوحيد وراء قراراتها بل تدرس تلك القرارات ويراعى فيها أقصى درجات الاحتراز لمنع الآثار السلبية على الأفراد والبيئة.
بعبارة أخرى يجب التزام ممارسات تجارية أخلاقية مسؤولة بشكل طوعي تمثل مصداقاً لما بات يعرف بالمواطنة المؤسسية الإيجابية بأن تحقق أثاراً إيجابية قدر المستطاع، وتعمل على المساهمة في القضاء على أسباب الفقر والمرض والتخلف وتناهض كل أشكال التمييز والعنصرية، حيث من المعروف أنها تمارس أنشطتها التجارية لتحقيق أهدافها التي تأسست لأجلها وبالغالب هي أهداف تتصل بتحقيق الأرباح، فلا يكن ذلك مبلغ همها بل تتعاون مع المنظمات الدولية والمدنية والناشطين في مجال حقوق الإنسان لضمان الاستجابة السريعة لمقتضيات احترام الحقوق وهي بصدد القيام بأنشطتها المختلفة والحد من الآثار السلبية عليها، كما ينبغي لها ان لا تتسبب في تقويض أنشطة الحكومات والجهات الدولية والوطنية المهتمة بهذا الموضوع.
وكأصل عام لا تفرض المعاهدات والاتفاقيات الدولية المعنية بحقوق الإنسان التزامات مباشرة على الشركات التجارية، إلا أن مراعاة الحقوق والحريات الأساسية بات اليوم يشكل معيار حقيقي لمشروعية الأعمال وان انتهاك أياً من القواعد القانونية الناظمة للحقوق والحريات ينهض سبباً كافياً للمساءلة على المستوى الوطني أو العالمي، والسبب أن في بعض الأعمال التي تنهض بها الشركات أثراً مباشراً على الفرد والمجتمع ولو أعطينا على ما تقدم مثالاً نقول ان ممارسة الشركة أو المعمل لنشاطه من شأنه ان يوفر فرصة حقيقية لبعض الأفراد لتحسين مستواهم المعاشي، كما قد تنعكس تلك الأنشطة سلباً على الأفراد بسبب جشع مالكي الشركات التجارية وحبهم للاستئثار أو الانتفاع ولو على حساب ألم الأفراد ومعاناتهم، كما في قيام بعض الشركات بتشغيل عمالة لا تتوافق سماتهم الجسمانية أو العمرية أو الفسيولوجية مع قسوة العمل، أو تسببها بضرر لهم لا يمكن إزالته حتى في حال التوقف عن العمل كالتأثير السلبي على القدرة على الإنجاب.
ومن الثابت أن للأعمال التجارية في نطاق القطاع الخاص أثر كبير في حقوق الأفراد لا سيما الاقتصادية، فعند توظيف الأفراد من الرجال والنساء يمكن ان ينعكس ما تقدم على أفراد الأسرة والمجتمع، فمن شأن ما تقدم ان يقود إلى تأسيس أسر جديدة ودعم الاستقرار الفردي أو الجمعي، وتحقيق النماء المستدام، وحين تدفع الشركات الضرائب للدولة فمن شأن ذلك ان يعظم الموارد ويسهم في التنمية الوطنية عموماً.
وعندما نتناول العلاقة بين الأعمال التجارية التي تمارسها الشركات وأثارها الحالية أو المستقبلية تبرز المسؤولية المترتبة عن مضار تلك الأنشطة التي لا تتحملها جهة واحدة فحسب، فأولاً الحكومة المركزية والمحلية تتحمل قسطاً مما تقدم، ومن ثم الجهات الضامنة للحقوق والحريات ومنها منظمات المجتمع المدني هي الأخرى تتحمل جزء من ذلك، ومن بعد تنهض مسؤولية الكيانات التي تمارس الأعمال التجارية، وفي مقدمتها الشركات التجارية، لذا نحن بحاجة إلى التأسيس لعلاقة مباشرة بين الشركات ومنظمات المجتمع المدني بشكل مباشر لتوفير الدعم لا سيما المالي، ولتكريس إيجابيات التجارة لخدمة الفرد والمجتمع، أو بشكل غير مباشر بالتأسيس لرقابة فاعلة للمنظمات غير الحكومية على مفاصل الأعمال التجارية لمنع خروجها عن الجوانب الأخلاقية الحاكمة لنشاطها.
وهذا ما أشارت إليه مقدمة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان للعام 1948 بأن ((يسعى كل فرد وهيئة في المجتمع، واضعين على الدوام هذا الإعلان نصب أعينهم، إلى توطيد احترام هذه الحقوق والحريات عن طريق التعليم والتربية واتخاذ إجراءات مطردة، قومية وعالمية، لضمان الاعتراف بها ومراعاتها بصورة عالمية فعالة بين الدول الأعضاء ذاتها وشعوب البقاع الخاضعة لسلطاتها))، بعبارة أخرى ان واجب احترام الحقوق والحريات لا يقع على عاتق الحكومات فحسب بل يمتد إلى جهات عدة من بينها الشركات التجارية التي قد تنتهك بأنشطتها حقوقاً مثل:
1- حقوق الشعوب الأصلية: حيث يتعرض هؤلاء بالغالب إلى أبشع صور الاستغلال أو التنكيل للحصول على الأراضي أو المراعي التي يعيشون فيها، بل قد يكون للأنشطة التجارية التي تمارسها الشركات دور في تغيير أنماط حياتهم والى الأبد.
2- الفئات الهشة والضعيفة: لا سيما من الأطفال والنساء وذوي الاحتياجات الخاصة والفقراء المعدمون وغيرهم ممن بالغالب يتعرضون إلى الاستغلال في العمل في ظروف غير إنسانية أو بأجور زهيدة ولما تقدم تطبيق خطير في العراق لاسيما في أطراف العاصمة فيما يعرف بالنساء العاملات في معامل إنتاج الطابوق.
3- الأقليات: إذ تنعكس الإعمال التجارية بالغالب على حقوق الأقليات الدينية والاقتصادية بل يتم بالغالب استنزاف مواردهم الذاتية كمقدمة لطمس هويتهم الذاتية.
4- العمال: إذ يتعرض العمال نتيجة جشع البعض من أرباب العمل للاستغلال غير الإنساني ما يقود إلى انتهاكات بالغالب تكون بعيدة عن الرصد أو المساءلة.
5- المهاجرون أو المهجرون أو النازحون: والغالب أن هؤلاء أشد الفئات عرضة للمخاطر المتأتية من التجارة غير الشرعية كالاتجار بالأسلحة التي سببت ظواهر النزوح أو الاتجار بالرق أو الأعضاء البشرية وغيرها من صور التجارة غير الأخلاقية.
ويشار إلى أن القانون الدولي والوطني حين يتناول تنظيم الحقوق والحريات يهدف بالدرجة الأساس إلى صيانتها ضد مختلف أنواع التجاوزات أياً كان مصدرها الأفراد أو الهيئات العامة أو الشركات الخاصة، ولما كانت الأخيرة تمارس دوراً متميزاً في عالم الاقتصاد والأعمال بات السؤال الأكبر يدور حول مدى التزامها بحدود القانون الضامن للحق أو الحرية، فهنالك العديد من الحقوق التي تتصل بشكل وطيد بالأعمال التجارية ومنها حظر التمييز والحق في الحياة والحرية والأمن الشخصي والحق في السلامة وعدم التعرض إلى التعذيب أو الإهانة أو المعاملة السيئة وحظر أعمال السخرة إلى الحق في التعبير وتكوين الجمعيات والتنظيم النقابي.
وكعادتها حاولت الأمم المتحدة ان تقنن دور الشركات في ميدان المحافظة على الحقوق والحريات واهتدت إلى مبادئ توجيهية بشأن الأعمال التجارية العام 2011 وهي تمثل انتقال نوعي في ميدان العمل الدولي، بيد ان المشكلة ان هذه القواعد لا ترقى إلى مرتبة الاتفاق الدولي الملزم، لذا العالم بحاجة لمزيد من العمل الدؤوب للوصول إلى الإنصاف في العلاقة بين الفرد والمجتمع من جهة والشركات التجارية من جهة أخرى لمنع استحواذها على مقدراتهم أو تلاعبها بأسلوب ونمط معيشتهم، والجيد في الأمر ان المبادئ سالفة الذكر لا تميز بين الشركات الوطنية أو عبر الوطنية، وتركز على ثلاثة محاور رئيسة هي:
1- واجب الدولة في التصدي لكل ما يهدد حياة الفرد بانتهاك طرف آخر لحقوقه.
2- الحاجة لقواعد وإجراءات إنصاف حقيقية لضحايا الأعمال التجارية بالخصوص.
3- التزام الشركات الأخلاقي قبل القانوني بالحقوق والحريات وعدم السعي إلى العدوان عليها مباشرة أو بشكل غير مباشر.
لذا يقع واجباً مراجعة القواعد القانونية المنظمة للأعمال التجارية التي تمارسها الشركات والأفراد والتي تتصل بحقوق الإنسان بشكل مباشر كتلك المتعلقة بالاستيراد أو التصدير لتتبنى سياسة الشفافية والوضوح مع المستهلك العراقي ووضعه في الصورة إزاء المنتجات المصنعة أو غير المصنعة المستوردة أو المحلية، ولابد من إيجاد مؤسسات إنفاذ القوانين المتمثلة بالرقابة الكمركية والتجارية على الأسواق أو ما بات يعرف بتشريعات حماية المستهلك.
وما تقدم ليس ببعيد عن نهج الدولة الإسلامية فقد دأب أمير المؤمنين علي عليه السلام كثيراً على زيارة وتفقد الأسواق وتحذير التجار من الغش أو الاحتكار أو ما شاكل ذلك، حيث روي عنه أنه كان يقول للتجار ((أيها التجار، قدموا الاستخارة، وتبركوا بالسهولة، واقتربوا من المبتاعين، وتزينوا بالحلم، وتناهوا عن اليمين، وجانبوا الكذب، وتجافوا عن الظلم، وأنصفوا المظلومين، ولا تقربوا الربا، وأوفوا الكيل والميزان، ولا تبخسوا الناس أشيائهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين))، ويبدو ان الدول لا سيما النامية تفتقد إلى أبسط مقومات الحماية القانونية والقضائية للفئات المتضررة من الأنشطة التجارية للشركات بسبب ضعف البنى التحتية للأجهزة الرقابية والقضائية وتقادم أو عدم تناسب التشريعات مع التطورات المستمرة في العمل التجاري وما ينجم عنه من أخطار.
كما وندعو إلى حث الخطى نحو إيجاد ميثاق أخلاقي في العراق على الأقل يصاغ بإشراك غرف التجارة واتحاد المقاولين مع منظمات المجتمع المدني والمفوضية العليا لحقوق الإنسان، ليكون جزء من المساءلة للشركات أو التجار عند ارتكابهم لاي مخالفة من شأنها المساس بالحقوق والحريات، فعلى سبيل المثال تتسابق الشركات التجارية حول العالم إلى تطوير أدوات القتل أو التجسس مستعينة بأحدث التقنيات والبرامجيات الرقمية التي يوفرها الذكاء الاصطناعي بدل من تكريس هذه الوسائل لسعادة الإنسان، ولابد أيضاً من السعي الجاد إلى التأسيس لنظام إنذار مبكر بالمخاطر المرتبطة بالأعمال التجارية بوضع سياقات عمل مشترك بين الجهات ذات العلاقة لإطلاق تحذير مستعجل من انتهاك أو خطر واقع أو محتمل سببه التجارة والأعمال التجارية.
وكمثال ان تطلق تحذيرات من بعض السلع والخدمات التي تمثل خطراً على الحياة، وهذا ما أشار له قانون حماية المستهلك العراقي رقم (1) لسنة 2010 بالمادة السادسة منه التي تنص على أن ((للمستهلك الحق في الحصول على ما يأتي: أ- جميع المعلومات المتعلقة بحماية حقوقه ومصالحه المشروعة، ب- المعلومات الكاملة عن مواصفات السلع والتعرف على الطرق السليمة لاستعمالها أو لكيفية تلقي الخدمة بالشكل واللغة الرسمية المعتمدة، ج- ما يثبت شراؤه أي سلعة أو تلقيه أي خدمة مبيناً فيها قيمة وتاريخ ومواصفات السلعة وعددها وكميتها ونوعها وسعرها، د- الضمانات للسلع التي تستوجب طبيعتها مثل هذا الضمان وللمدة التي يتم الاتفاق عليها مع المجهز)).
وكما ندعو إلى التعاون المثمر مع الجهات المختصة بمراقبة البيئة للتحذير من المخاطر البيئية أو الصناعية أو التجارية التي تنتهك الحق في بيئة سليمة كالتحذير من مخاطر بناء المصانع في المناطق السكنية أو الزراعية أو ما تقود إليه تلك الأنشطة من نتائج خطيرة كطرحها الملوثات في الماء أو الهواء أو التربة، ولا شك أن ما تقدم يمثل خطراً محدقاً بالجميع ولا يمكن الاحتجاج بحرية العمل أو التجارة لتبرير الأخطار أو الأضرار البيئية القاتلة التي تصاحب ما تقدم، حيث يشير الدستور العراقي في المادة (33) إلى حق المواطن العراقي في العيش الكريم ومن مقوماته العيش في بيئة صالحة إذ يؤكد أن ((لكل فرد حق العيش في ظروف بيئية سليمة)).
وأخيراً نعتقد أهمية إلزام الشركات بتمويل صندوق لدفع التعويضات إلى المتضررين نتيجة أعمالها التجارية على ان يكون التعويض مستدام وليس وقتياً فحسب لإعانة هؤلاء على مواجهات الآثار الكارثية التي حلت بهم، شريطة ان يشمل التعويض المتضررين من أنشطة الشركات مباشرة كمن تضرر من عمل المصانع أو المناجم أو الحقول النفطية أو ما سواها، أو ممن تضرر من منتجاتها بشكل مباشر أو غير مباشر.