استتشهاد الرسول الأكرم و تضييع بوصلة القيادة

محمد علي جواد تقي

2026-08-12 04:13

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً}. سورة النساء، الآية:59

كانت القيادة وما تزال تشغل بال الشعوب والأمم عبر التاريخ كونها تمثل صمام الأمان من الفوضى، كما تعد المرآة التي ترى فيها شخصيتها وتطلعاتها، لذا لا تكون قيادة في العالم دون أن تخرج من رحم الأسرة والمجتمع والأمة، بغض النظر عن نمط سياستها في الحكم، وما تسببه احياناً من ظلم وسفك للدماء يسفر عن ندم الناس على هذا القائد او ذاك، تبقى القيادة والتسيّد حلم الصغير والكبير في أي مجتمع وأمة حتى يظهر الأقوى ليغلب الآخرين. 

ومن أبرز ما عالجه الإسلام في موضوع القيادة، تحديد معيار الصلاح حتى لا تنتج الندم عند الناس، ولا الازمات السياسية والاقتصادية، بشرط توفر عنصر واحد، من جملة عناصر لنجاح القيادة الصالحة، وهو؛ الطاعة الواعية، فتكون المعادلة متكاملة من الطرفين؛ قيادة صالحة، وطاعة واعية، و أي خلل ينتج لنا ديكتاتور يرضاه الناس لأنفسهم بملء إرادتهم، أو تكون ثمة قيادة صالحة لأناس يغمرهم الجهل والتخلف الثقافي والفكري. 

وفي ذكرى استشهاد الرسول الأكرم، صلى الله عليه وآله وسلم، نستذكر واحدة من أهم مفاصل السيرة النبوية، ألا وهي؛ تجربة القيادة الصالحة التي واكبت الرسالة منذ أيامها الأولى في مكة، وتحديها للشرك والظلم، وحتى بعد فتح مكة وتشكيل الدولة الاسلامية بشكل معترف بها تقريباً في الجزيرة العربية، عندما برزت الشريحة المثقفة، او القيادة الوسطى تحت عنوان "الصحابة" لتكون القيادة كمفهوم وتطبيق عملي على المحك في فكر وسلوك هؤلاء الصحابة، وايضاً عند عامة المسلمين. 

معايير خاصة لكن غير مستحيلة

من أجل هذا حرص النبي الأكرم على تحديد معايير خاصة لمن يقود الأمة، منذ الايام الاولى لانطلاق دعوته للتوحيد بين عشيرته الأقربين، وهو؛ الإيمان والإخلاص للرسالة الذي تجسد في شخصية أمير المؤمنين في حداثة سنّه آنذاك، عندما استجاب لرسول الله في دعوته التوحيدية في "حادثة الدار" عندما خاطب أعمامه وأبناء عمومته في مأدبة وقصة معروفة بأني "قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله أن أدعوكم عليه، فأيكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي و وصيي وخليفتي فيكم"، فأحجم القوم، إلا أمير المؤمنين قال: "أنا، وإني لأحدثهم سنّاً وأرمصهم عينا، وأعظمهم بطناً وأحمشهم ساقاً يا رسول الله". عندها أخذ رسول الله رقبته –يروي الإمام بنفسه- وقال للجمع: "هذا أخي و وصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا".

والمعيار الآخر –من جملة معايير-؛ الصبر عند المقدرة، وعند المكاره والشدائد، فأي انسان لو كان في مثل موقف أمير المؤمنين، عليه السلام، في الساعات الأولى من رحيل الرسول الأكرم عن دار الدنيا، لما ضيّع لحظة واحدة عن مقارعة المناوئين والمتسلقين لقمة القيادة بدعوى "الشرعية الدينية"، و أن الجميع في رقبتهم بيعة الغدير، ثم عدم السماح لغير المؤهلين والكفوئين ومن فيهم شوائب الجاهلية، أن يتقمّصوا منصب قيادة الأمة والعنوان العظيم؛ "خلافة رسول الله". 

هذا وغيرها من مسوغات التصدّي كان من السهل أن يفعلها أمير المؤمنين، لكنه أحجم عنها لأن قضيته ليست في القيادة السياسية التي يبحث عنها الناس ضمن الرؤية الجاهلية آنذاك، إنما القيادة الشاملة لحياة الانسان في حاضره ومستقبله، فوجد قيادته هذه ليست في محلها بوجود طاعة غير واعية يتم انتاجها بقوة السيف والمال، لذا يعبر أمير المؤمنين بنفسه، وبأروع ما يكون عن هذا الاختبار التاريخي الصعب في خطبته الشقشقية الشهيرة؛ "وطفقت أرتئي بين أن أصول بيدٍ جذّاء، أو طخية عمياء، فرأيت أن أصبر على هاتان أحجى، فصبرت وفي العين قذا، وفي الحلق شجا"، ويشير، عليه السلام، على الواقع الاجتماعي الفاسد آنذاك، في قلّة الناصر اذا رام الصولة، وفي ظلام الجهل السائد في المجتمع الاسلامي.

علماً أن الصبر في قيادة أمير المؤمنين، لم يقتصر على فترة انسحابه عن المشهد السياسي، وإنما لازمه خلال توليه هذه القيادة فيما تعرض اليه على يد المارقين والقاسطين والناكثين، ولم ينتهي الأمر باستشهاده في محراب صلاته، إنما استمر مع حياة الإمامين الحسنين، والى آخر إمام معصوم من أئمة الهدى، الجميع في حالة صبر وتجلّد من اجل قيادة رشيدة تأخذ بيد الأمة الى الصلاح والإصلاح، وتكون قيادة ملؤها الحكمة والدراية وتوعية الامة على أحكام دينها والانظمة التي وضعها الله –تعالى- لحياة الانسان. 

وعندما نردد دائماً مقولة أن أمير المؤمنين والأئمة الهداة من بعده، أنهم صبروا على الأذى النفسي والجسدي في سبيل الله، فكانوا السبب في حياة الدين والشريعة والأخلاق والفضيلة الى يومنا هذا، علينا الالتفات الى تجارب الآخرين ممن جربتهم الامة طيلة القرون الماضية، وكيف أنهم داسوا على قيمة الصبر وصولاً الى قمة السلطة بعناوين دينية وإصلاحية، قبل أن يسمحوا لأحد بغربلة منهجهم وفكرهم وطريقة عملهم، وما اذا كانت متوافقة مع سيرة أهل بيت رسول الله أم لا؟!

موقف الجماهير الحاسم 

للقائد كلمة وللجماهير كلمات ومواقف متعددة ومختلفة بتعدد الآراء والأمزجة والافكار التي يفترض ان تصبّ كلها في مسيرة القيادة نحو الاهداف المنشودة، وفي القرآن الكريم آيات لا تُعد عن مسؤولية أفراد الأمة تجاه القيادة الشرعية، مقابل آيات معدودة عن صفات القائد، فالتأكيدات متوافرة على الصبر، والإيمان، والطاعة، وتحمل طريق ذات الشوكة، وسعة التفكير لما هو أبعد من المادة والحياة الفانية، والتطلع الى المستقبل والاجيال القادمة.

في سورة التوبة ثمة إشارات عديدة عن علاقة القائد –رسول الله- بالأمة، ومنها؛ الخطاب الإلهي الى من يحمل تصوراً خاطئاً عن الطاعة والاستجابة للأوامر: {مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَئُونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ}، وفي آيات أُخَر حوافز عظيمة للمؤمنين المتفانين الى جانب القيادة الشرعية، وأن لهم البُشرى يوم القيامة، والحياة الكريمة والآمنة في الدنيا بتأييد وتسديد من الله –تعالى-، وفي نفس الوقت ثمة تحذيرات من مغبة النكول والخذلان والتراجع لما فيه الخسارة الفادحة لهم ولأجيالهم، ولعل في حكاية بني اسرائيل مع نبيهم العظيم؛ موسى بن عمران، أبلغ وأكبر دليل على ما نقول، فالخذلان والتمرد لم يقتصر على فترة وجوده، عليه السلام، او خلال أحداث "عبادة العجل"، أو "ذبح البقرة"، او عدم شكر نعمة الطعام "المنّ والسلوى"، إنما تحولت الى ثقافة راسخة في نفوس الاجيال، مروراً بظهور نبوة عيسى بن مريم، وتآمرهم عليه لتسليمه الى السلطات الرومانية الوثنية، كما قتلوا العشرات من المرسلين والانبياء من قبل، وما يزالون يشترّون صفات وخصال الآباء والأجداد منذ حوالي ثلاثة آلاف سنة فيما يقترفوه من جرائم مروعة باسم الدين، وأنهم الأجدر بقيادة العالم وفق التوصية الإلهية الزعومة.

من هنا، كان رسول الله، صلى الله عليه وآله، كثيراً ما يسرد للمسلمين حكايات بني اسرائيل مع انبيائهم، لاسيما مع نبي الله موسى، حيث استأثرت علاقة هذا النبي مع قومه، وعلاقته بطاغية الزمان؛ فرعون، بمعظم الجانب التاريخي في القرآن الكريم، حيث وردت هذه الحكايات في أكثر من سورة كريمة، وكان الرسول خلال جلساته المستمرة واليومية مع المسلمين يسرد لهم تفاصيل ما جرى، وبالأسماء، بيد أن الأسف الكبير على اندثار كثير من هذه الروايات بسبب ما نشير اليه من غياب الوعي، ومشاعر الكِبَر على الرسالة والرسول، ومن ثم تجاهل فكرة الاحتفاظ بتلك الروايات العظيمة، ولم يبق سوى القليل مثل؛ إشارته، صلى الله عليه وآله، الى "عجوز بني اسرائيل" وما طلبه منها النبي موسى في القصة المعروفة. 

ومن تجارب الوعي الجماهيري في صنع القيادة الناجحة، ما يتحدث عنه القرآن الكريم في سورة البقرة عن أحد انبياء الله من بعد النبي موسى، اختار لبني اسرائيل ملكاً يُدعى طالوت لقيادة الحرب ضد المشركين، فبعد عملية تمحيص للمؤمنين الحقيقيين خاض الحرب وحقق الانتصار بعدد قليل ممن نجحوا في اختبار شرب الماء المحدود من ذلك النهر كما في التفاصيل الواردة في سورة البقرة، وجاءت الإشاد القرآنية بهؤلاء: {قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ}.

ومما يؤسف له حقاً؛ أن يسجل التاريخ واقعة مؤلمة في الساعات الأخيرة من حياة رسول الله، وهو الذي فعل ما لم يفعله نبي من قبله مع أمته، بعد أن لاقى من العذاب ما لم يلاقيه نبي من قبله من ابناء قومه ايضاً؛ فقد أعطى، وعفا، وشيّد، وبيّن، وعلّم، وفي نهاية المطاف نشهد الموقف المخزي ممن يُسمون ب"الصحابة" ما يصفه عبد الله بن عباس بـ "رزية الخميس"، عندما فشل النخبة من المسلمين، يفترض أنهم الأكثر وعياً وثقافة من الآخرين، كانوا حوالي ثلاثين رجلاً –يقول ابن عباس- في أن يستجيبوا لآخر طلب لنبيهم بأن يأتوا اليه بدواة وكتف ليكتب لهم كتاباً لن يضلوا بعده أبدا، فجاءت الإجابة بالرفض وأن رسول الله يهجر –حاشاه- أي انه يتكلم دون وعي منه! فاختاروا الضلال والفرقة الى يوم القيامة، ولم تشفع لهم نظرياتهم ومحاولاتهم لصنع القيادة الراشدة والسليمة للأمة، إنما أوجدوا المعايير التي انتجت قادة تسفك الدماء وتزيّف الدين، وتجعل المنكر معروفاً، والمعروف منكراً الى هذا اليوم.

ذات صلة

زيارة الأربعين وتحول الدولة.. من أزمة الثقة إلى بناء الانتماءذكرى استشهاد رسول الله.. من التأسي إلى النهضةماذا بقي من أخلاق النبي محمد (ص) في سلوكنا اليومي؟المضائق ليست بخيرتحالفاتٌ عابرةٌ للقوميات.. مرةً أخرى