حق المواطن العراقي في نزاهة الإعلان التجاري
د. علاء إبراهيم محمود الحسيني
2026-04-14 03:21
فرضت الوسائل التقنية الحديثة واقعاً جديداً تمثل في ولادة سوق موازي للأسواق الواقعية يعرف بالسوق الإلكتروني، أو الافتراضي، فهنالك المتاجر الإلكترونية والتاجر الإلكتروني والترويج الإلكتروني وما إلى ذلك من المسميات، التي يتعامل معها يومياً الملايين من الناس، والواقع بشير إلى اتجاه متزايد نحو رقمنة النشاط الإنساني على جميع الأصعدة ومنها الجوانب التجارية، وبالأخص الترويج للبضائع والخدمات.
فبدل اللوحات الدعائية والوسائل التقليدية نلحظ أن بعض المواقع وبالخصوص وسائل التواصل الاجتماعي تعج بالإعلانات الدعائية والمشاهير في عالم الرياضة أو الفن أو ما سواهم ممن وجدوا ضالتهم في الترويج مقابل الحصول على منافع معينة، وقد أجاز الدستور العراقي هذا النوع من الأنشطة لارتباطه أصلاً بحق العمل أولاً والحق في التعبير عن الرأي ثانياً، بشرط ان يكون التعبير ضمن الضوابط القانونية التي تتمثل في عدم مخالفة النظام العام والآداب العامة، وعدم الإضرار المتعمد بحقوق الآخرين من المستهلكين حيث تنص المادة الثامنة والثلاثين من الدستور العراقي للعام 2005 على أن ((تكفل الدولة، وبما لا يخل بالنظام العام والآداب. أولاً: حرية التعبير عن الرأي بكل الوسائل، ثانياً: حرية الصحافة والطباعة والإعلان والإعلام والنشر)) وهذا النوع من الأعمال يحقق ميزات متعددة أخصها:
1- أنه رخيص الثمن، ويمتاز بالسرعة في الإنجاز والتأثير السريع على ذائقة المستهلكين.
2- سهل الإنتاج والتصميم ولا يحتاج بالعادة إلى متخصصين أو محترفين.
3- سهل الوصول إلى المتلقي فمن خلال الإعلان الممول يمكن الوصول إلى أعداد كبيرة جداً من المستهلكين.
4- يمكن التحكم في نوع وكم الجمهور المستهدف بالاستفادة من تقنيات الذكاء الاصطناعي.
5- يمكن للمعلن ان يتخفى ويضمر شخصيته الحقيقية وهويته الواقعية ما يكون مدعاة إلى تهربه من المسؤولية أو المساءلة والضمان وهي سلبية خطيرة جداً.
6- في العراق على أقل تقدير يصعب الزج بالخداع الإلكتروني في الكثير من الحالات ضمن عيوب الإرادة التي تؤثر على صحة عقد الشراء بسبب تقادم التشريعات وعدم مواكبتها للتطورات التقنية الحديثة، لذا هو يعد مفسدا للتفاوض السابق للتعبير عن الإرادة وإبرام الاتفاق.
بيد أن المشكلة تبرز حين لا يكون للمتلقي يد في ظهور الإعلان ولا قدرة للحيلولة دون ذلك، ويزداد الأمر سوءً حين تستعمل وسائل التضليل والإغواء باحترافية فيكون المتلقي ضحية لما تقدم فلا يستطيع رؤية المنتج على حقيقته كما هو الحال في البيئة التجارية التقليدية، ولا يستطيع الحصول على ضمانات حقيقية لتجنب الغش أو العيوب الخفية، أو التضليل والتدليس، إذ يستخدم المنتج أو المروج تقنيات التصوير الاحترافي التي تظهر المنتج أو الخدمة على غير حقيقتها وتختفي العيوب وتظهر الإيجابيات فقط، وما تقدم يشكل خطورة ليس على المستهلك فحسب بهدم الثقة في سائر الأعمال التجارية والعزوف عن الشراء مما ينعكس سلباً على التجار الحقيقيون ممن يلتزمون بآداب وأصول المهنة فإعلانات الموضوعية تتطلب أن تراعى فيها:
1- الصدق والموضوعية والحياد.
2- مراعاة النظام العام والآداب العامة.
3- عدم الاعتماد على الإعلان الإجباري كونه يقود إلى ظاهرة الإعلان المزعج لاسيما وان بعض مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي من المراهقين أو الفتيات وظهور بعض الإعلانات غير المناسبة أو اللائقة يمثل مشكلة حقيقية لهؤلاء فقد يقودهم إلى مخاطر أشد تتمثل في عصابات الجريمة المنظمة.
فالإعلان التجاري الاحتيالي بالوسائل الإلكترونية يعني قيام المروج في الأوساط الرقمية بتقديم معلومات أو بيانات بأي وسيلة كالصور أو التسجيلات الفديوية أو الكتابات الدعائية غير مطابقة للواقع، ومن شأنها ان توقع المشتري بالخداع وسواءً استعمل المروج الكذب أم لا فلا يؤثر على النتيجة المتحصلة وهي عدم نزاهة العمل التجاري والسعي إلى الانتفاع على حساب المستهلك (الضحية)، والواقع ان المعلن قد يعمد إلى الكذب اللفظي أو إلى استعمال وسائل مخادعة، فممارسة وسائل تترك انطباعاً لدى المستهلك لصدق الادعاء رغم ان الحقيقة مختلفة هو عمل يجانب الأخلاق والموضوعية والشفافية المتطلبة وبما ان الأعمال التجارية تبنى على أساس الثقة والاعتبار فأيما إخلال بما تقدم يسم السلوك بغير النزيه، والعمل الدعائي المخادع قد يأخذ صورة العمل الإيجابي حين يعمد إلى الكذب، أو سلبياً حين يغفل الإشارة إلى السمات أو الخصائص الجوهرية للمنتج وفي كل الأحول يمكن القول انه استعمل طرقاً احتيالية من شأنها تضليل المشتري.
ونشير بهذا الصدد إلى حقيقة إننا لا ننظر أو ننتظر إثبات حسن أو سوء نية المعلن غير النزيه يكفي ان علمه مفترض بسوء حال السلعة أو الخدمة وانه لم يطلع المشتري على كامل حقيقتها أو يترك له الخيار لاقتنائها بعد تحقق وتفحص وتمحيص، بل الغالب من هؤلاء يتخفى خلف أسماء مستعارة مجهولة وعناوين تجارية وهمية، ولا يلتزم بالإفصاح الكامل عن عنوانه أو محل سكناه ليمكن العودة إليه بالضمان، بل يكفي أنه لم يقم بتصحيح الإعلان أو التنويه إلى المشتري المفترض بالحقيقة الكائنة وراء المنتج عندما يتبين له ان هنالك مخاطر أو عيوبا خفية أو نقص في ضمان المستهلك في الحصول على سلعة مطابقة للمواصفات القياسية.
يشار إلى ان المشرع العراقي أشار في قانون مكاتب الدعاية والنشر والإعلان رقم (45) لسنة 1971 في المادة الأولى إلى تعريف الإعلان بأنه ((جميع وسائل الدعاية والنشر في الصحف والتلفزيون والسينما أو النيون والبلاستك والملصقات الجدارية وكذلك الأدلة باختلاف أنواعها))، ولو ان التعريف التشريعي اقتصر على الوسائل واغفل وظيفة الإعلان بالتأثير على الفئة المستهدفة ومحاولة اجتذابهم نحو الشراء أو اقتناء المنتج أو الخدمة ولاستكمال الفكرة نشير إلى قانون حماية المستهلك العراقي رقم (1) لسنة 2010 الذي بين في المادة التاسعة منه المحظورات على المعلن حيث انتهى النص إلى أن ((يحظر على المجهز والمعلن ما يأتي: أولاً/ ممارسة الغش، والتضليل، والتدليس، وإخفاء حقيقة المواد المكونة للمواصفات المعتمدة في السلع والخدمات كافة..... ثالثاً/ ج: الإعلان عن أي سلع لم يدون على أغلفتها أو علبها بصورة واضحة المكونات الكاملة لها)).
ومن صور الإعلان التجاري غير النزيه تصريح المعلن عن توافر خدمة أو سلعة معينة كما لو صرحت شركة وساطة عقارية عن توافر منازل بأسعار معينة وتبين العكس، أو أعلنت إحدى شركات السياحة عن توافر تذاكر السفر إلى بلد ما ويتبين بعد ذلك ان الإعلان مخالف للحقيقة، ومن صور الإعلان غير الشفاف حين يعلن الشخص طبيعياً كان أو معنوياً عن سلعة على أنها من منشأ معين كما لو جرى الترويج على ان البضاعة منتجة بمواصفات تلائم الأجواء العراقية وفي الحقيقة أنها لا تتلاءم معها كونها معدة للتصدير إلى دول أوربية مثلاً، أو يبين ان المنتج مصنوع من مادة النحاس الخالص كما لو كانت جهازاً كهربائياً وبعد حين يتبين خلاف الحقيقة، ومن صور التلاعب بالمنتجات المعلن عنها تغيير تاريخ الصلاحية أو البلد المنتج باستعمال وسائل غير مشروعة تتضمن التدليس وتغيير الحقيقة، ففي الكثير من الأحيان يتم وضع ماركة عالمية معروفة على منتجات لشركات أخرى رخيصة وغير مطابقة للماركة أو العلامة التجارية الأصلية، أضف إلى ما تقدم من وسائل الخداع الصور التالية:
1- تزييف حقيقة طريقة الصنع أو ظروفها كما لو بين أن طريقة استخلاص الزيت تمت بدون اللجوء إلى الآلات الحديثة، وان المصنع استعمل الطرق التقليدية الأقرب إلى ذائقة المستهلك.
2- الكمية والمقدار كما لو تم التلاعب بمقدار البضاعة الموضوعة في الأغلفة أو العلب بتقليل المادة الأصلية أو المادة الفعالة.
3- الضمان فحين يتعهد المعلن بضمان المنتج لمدة معينة سنة مثلاً أو أكثر ثم ينكل عن ذلك أو يتملص بطرق احتيالية.
4- انتحال صفة معينة: كمن يعلن عن مادة معينة فيعلن نفسه مختصاً بعلم الطب مثلاً أو صناعة هذا المنتج أو انه يملك الخبرة التي تؤهله لتصنيع المنتج، وتأكيداً لهذا أصدرت نقابة الفنانين العراقيين توجيها بالعدد (819 العام 2024) تضمن حظر الظهور الإعلاني لمنتج طبي غير مجاز من وزارة الصحة العراقية، وهو ما سبق ان حذرت منه نقابة الصيادلة لكثرة ظهور إعلانات عن منتجات تفيد التنحيف أو ما شاكل وتبين أنها تحمل في طياتها أثاراً جانبية خطيرة جداً.
يضاف إلى المخاطر المتقدمة الإعلانات التي تغزو وسائل التواصل الاجتماعي والتي تتضمن إزعاجا لمستعملي هذه الوسائل لأنها تمثل اعتداء على حريتهم الشخصية حيث تظهر الإعلانات المزعجة دون طلب من الشخص أو تفضيل لهذا النوع من الإعلانات بما يستدعي تدخل الجهات المختصة للحد من هذه الظاهرة الخطيرة التي تتنافى مع نص المادة (17) من الدستور العراقي التي تنص على ((لكل فردٍ الحق في الخصوصية الشخصية، بما لا يتنافى مع حقوق الاخرين والآداب العامة)).