ما وراء طلب البرلمان تفسير المادة (72/ثانياً/ب) من الدستور
احمد طلال عبد الحميد البدري
2026-02-18 04:30
اطلعنا في مواقع التواصل الاجتماعي على طلب التفسير الصادر من مجلس النواب / مكتب الرئيس بالعدد /م.ر/84 في 12/2/2026 والموجه إلى رئيس المحكمة الاتحادية العليا طالباً تفسير المادة (72/ثانياً/ب) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 والتي تنص على أن (يستمر رئيس الجمهورية بممارسة مهماته ما بعد انتهاء انتخابات مجلس النواب الجديد واجتماعه، على أن يتم انتخاب رئيس جديد للجمهورية خلال ثلاثين يوماً من تاريخ أول انعقاد له). وقد استند طلب التفسير بعدم حصول انتخابات رئيس الجمهورية ضمن المدة المحددة في هذه المادة لعدم اكتمال النصاب القانوني لعقد الجلسات، مع الإشارة إلى أن المجلس مستمر بعقد جلساته وفق جدول الأعمال المعد دون إدراج فقرة انتخاب رئيس الجمهورية لعدم تحقق النصاب، ولنا على هذا الطلب الملاحظات الآتية:
1. ابتداءً إن الطلب يدين مجلس النواب بإخفاقه في تحقيق النصاب القانوني لانتخاب رئيس جمهورية جديد ضمن المدة المحددة بالدستور، وهذا يرجع لأسباب سياسية توافقية لعدم اتفاق المكون الكردي لدفع مرشحه لرئاسة الجمهورية أو إرجاء تقديم مرشح لرئاسة الجمهورية في الوقت الحالي، وهذا الأمر مرتبط أيضاً بالوضع الإقليمي لعدم انجلاء موقف الولايات المتحدة الأمريكية من الوضع السياسي للإقليم واحتمالات نشوء حرب في المنطقة.
إجراءات قانونية كما يؤشر الطلب عدم اتخاذ المجلس الإجراءات القانونية اللازمة لمواجهة حالة الغياب الذي يؤدي إلى عدم تحقق النصاب القانوني اللازم لانتخاب رئيس الجمهورية، إذ إن من أهم واجبات النائب حضور جلسات مجلس النواب وبخلافه يجب أن تتخذ رئاسة المجلس الإجراءات المنصوص عليها في النظام الداخلي للمجلس.
2. سبق للمحكمة الاتحادية العليا وأن توصلت بموجب قرارها بالعدد (43/اتحادية/2022) في 13/2/2022 إلى خلاصة مفادها استمرار رئيس الجمهورية بممارسة مهماته لحين انتخاب رئيسٍ جديدٍ للجمهورية رغم انتهاء ولايته بانتهاء دورة مجلس النواب. وبالتالي فإن الاحتمالات القائمة عند النظر بالطلب التفسيري لا تخرج عن أمرين:
الأول: تأكيد توجه المحكمة السابق باستمرارية رئيس الجمهورية بممارسة مهماته والأصح (اختصاصاته) لحين انتخاب رئيس جديد للجمهورية، بعد أن تم تجاوز المدة المحددة لانتخاب رئيس الجمهورية الجديد لضمان استمرارية العمل في المؤسسات الدستورية.
أما الأمر الثاني: فهو يتعلق بإصدار تفسير جديد للمادة المذكورة يمثل عدولاً قضائياً عن رأيها السابق، وهنا تكمن العبرة لأن ذلك معناه إنهاء ولاية رئيس الجمهورية وخلو المنصب الرئاسي، ويتم الركون في هذه الحالة إلى المادة (75/ رابعاً) من الدستور والتي تنص (في حالة خلو منصب رئيس الجمهورية يحل رئيس مجلس النواب محل رئيس الجمهورية في حالة عدم وجود نائب له، على أن يتم انتخاب رئيس جديد خلال مدة لا تتجاوز ثلاثين يوماً من تاريخ الخلو).
خلو المنصب وهذا النص يمكن تفسيره تفسيراً ضيقاً بقصر حلول رئيس مجلس النواب بدلاً من رئيس الجمهورية في حال خلو منصب رئيس الجمهورية لأغراض انتخاب رئيس جمهورية جديد خلال المدة المحددة بالدستور، أي لأغراض تنظيمية؛ وممكن أن يفسر تفسيراً واسعاً بحلول رئيس مجلس النواب محل رئيس الجمهورية بصلاحيات كاملة بما في ذلك دعوة مرشح الكتلة النيابية الأكثر عدداً لتشكيل الحكومة، هذا من الجانب الدستوري.
أما البعد السياسي فإن هذا الطلب قد يحمل في طياته مناورة سياسية لتحريك الماء الراكد، فهو من جانب قد يدفع المكون الكردي للاستعجال لتقديم مرشح رئاسة الجمهورية إزاء ما يراه تهديداً لاستحقاقه السياسي. ومن جانب آخر قد يتضمن التفافاً على الكتلة النيابية الأكثر عدداً ومرشحها الحالي، إذا ما ظهرت بوادر جديدة لتشكيل كتلة نيابية جديدة، تتوافق مع توجهات الكتلة السياسية لرئيس مجلس النواب الذي حل محل رئيس الجمهورية لدعوة مرشحها الجديد لتشكيل الحكومة. في كل الأحوال نرى الموضوع قد خرج من إطاره الدستوري بعد ضرب نصوص الدستور عرض الحائط، ويفصح عن هيمنة سياسة التوافقية والمصالح الحزبية على احترام الدستور، ونرى أن هذا الطلب محاولة لإقحام المحكمة الاتحادية العليا لحل هذا المأزق الدستوري، رغم أن البواعث سياسية… والله الموفق.