هل من معتبر؟هل من معتبر؟

ميثم العبودي

2026-03-10 03:33

قال امام المتقين (عليه السلام): (ما أكثر العِبَر وأقلّ المُعتَبِرين).

بهذه العبارة المكثفة يضع الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) يده على واحدة من أعمق أزمات الوعي الإنساني المتمثلة بوفرة التجارب والدروس في مقابل ندرة من يحسن قراءتها والتعلم منها.

تحمل هذه الحكمة بعداً معرفياً وسلوكياً في آن واحد اضافة الى البعد الاجتماعي، فـالعبرة ليست مجرد حدث يروى أو قصة تحكى بل هي تجربة تاريخية أو إنسانية مشحونة بالدلالات قابلة لأن تتحول إلى معرفة تهدي السلوك وتقوم القرار. 

ونجد هنا أن أمير المؤمنين (عليه السلام) يلفت النظر إلى خلل خطير وهو أن كثرة العبر لا تقابلها كثرة في الاعتبار، أي كثرة في الفهم الواعي والاستجابة العقلية والأخلاقية لما تحمله هذه العبر من تحذيرات أو توجيهات او نتائج متوقعة!. 

من منظور معرفي يميز هذا القول بين تراكم المعلومات وبناء الوعي فالمجتمعات قد تمتلك تاريخاً حافلا بالحروب والانهيارات والانتصارات لكنها تكرر الأخطاء ذاتها لأن الذاكرة الجمعية لا تتحول إلى عقل ناقد. والاعتبار هنا فعل عقلي أخلاقي يتطلب التأمل والمقارنة واستخلاص الدروس والعبر لا مجرد المشاهدة أو السرد.

أما من الناحية السلوكية فإن قلة المعتبرين تشير إلى هيمنة الأهواء والعصبيات والمصالح الآنية على حساب العقل والتجربة. فالإنسان كما يفهم من كلام سيد البلغاء (عليه السلام) قد يرى مصائر غيره لكنه يظن نفسه استثناء من قوانين التاريخ والحياة فيعيد السير في الطرق ذاتها التي قادت غيره إلى الفشل أو الهلاك.

وفي سياق إجتماعي أوسع تكشف هذه الحكمة عن أزمة قيادة وفكر، إذ إن الأمم التي لا تعتبر من تجاربها او تجارب غيرها محكومة بتكرار نفس المآسي مهما تغيرت الأزمنة أو تبدلت الأدوات ولهذا فإن الاعتبار ليس فضيلة فردية فحسب بل شرط من شروط النهضة وبناء الدولة والمجتمع الواعي.

إن مقولة الإمام علي (عليه السلام) ليست توصيفاً لحالة عابرة بل قانوناً إنسانياً مستمراً. 

العبر متاحة للجميع لكن الاعتبار يحتاج إلى عقل يقظ ونفس متجردة وإرادة شجاعة تقبل الاعتراف بالخطأ قبل فوات الأوان. 

والأدلة والشواهد القائمة كثيرة فهل من معتبر؟

ذات صلة

في محراب الكوفة: معرفة الله من البداية حتى النهايةالبعد الأخلاقي والرسالي لموقف أمير المؤمنين عليه السلام عند الاستشهادالحرب الثانية على إيران وحدود القوةالعدوان على إيران وتأثيراته الكارثية على العراقالتلبس بالخِداعُ حطبِ نارِ الباطلِ