مركز آدم ناقش.. مستقبل حرية التعبير بين تغول السلطات والنصوص الدستورية

مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات

2026-01-06 04:38

 ناقش مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات في ملتقى النبأ الأسبوعي، موضوعا تحت عنوان (مستقبل حرية التعبير عن الرأي بين تغول السلطات والنصوص الدستورية)، بحضور عدد من الأساتذة ومدراء المراكز البحثية والأكاديميين المختصين، وقد جاء في الورقة التي تلاها الباحث في المركز الأستاذ الدكتور علاء إبراهيم الحسيني، بالقول:

 "مما لا شك فيه أن الإنسان يولد حرًا، ويفترض أن يعيش حُرًا حتى يلقى أجله، ويفترض ما بين هذين الأجلين أن يعيش حرًا، فالحرية تُعد من أهم مقومات الكرامة الإنسانية، والقرآن الكريم أكّد في أكثر من مناسبة على معنى الكرامة الإنسانية بوصفها غاية، إذ لا تكتمل سعادة الإنسان إلا بحفظ كرامته، سواء كان صغيرًا أم كبيرًا، ذكرًا أم أنثى.

 وحينذاك يثور في الذهن العديد من التساؤلات حول مستقبل حرية التعبير عن الرأي في العراق والعالم، خاصة ونحن نعيش بين جيلين: جيل عاش في فترة كان فيها التقدم التكنولوجي محدودًا، وجيل نشأ في عصر شهد تطورًا تقنيًا غير محدود، ويوميًا تتيح لنا الاكتشافات والابتكارات رؤية المهيب والمزيد، وآخرها تطبيقات الذكاء الاصطناعي التي بلا حدود في الوقت الحاضر، وتبشر بالكثير في المستقبل القريب، إذ يظل التساؤل قائمًا: ما مستقبل هذه الحرية؟

 فحرية التعبير قبل كل شيء هيَّ تمكين الإنسان من ذهنه وتمكين الإنسان من القدرة على التفكير وهنا يبدو لنا أنّ الأمر يأخذ منحيين، منحى باتجاه هل أنّ حرية التعبير هي حرية التفكير أم هي حرية الفكر؟

 كلاهما يؤدي إلى نتيجة مختلفة ومتباينة عن الآخر، ويبدو أنّ اختلاف الصياغات القانونية في دساتير مختلفة على مستوى العالم، وكذلك القوانين متأتية من اختلاف الفلسفة التي انطلق منها المشرع ومدى إيمانه بأن هذه الحرية هي حرية تفكير أم هي حرية فكر.

 كما أنّ الفكر قد لا يكون خاصًا بأحد، بل قد يكون موروثًا؛ وهذا الموروث قد يكون دينيًا، أو ثقافيًا، أو اجتماعيًا، وأحيانًا يكون موروثًا أسريًا، أمّا حرية التفكير فهي إطلاق العنان للذهن، وهذا الإطلاق في الحقيقة لا يخلو من خوف ومحاذير، لاسيما أنّه ليس كل إنسان يمكن أن يُترك خياله دون قيود، أو يُطلق له العنان ليفكر بما يشاء.

 والمحاذير في هذا الأمر كثيرة ولا حصر لها، ومن بينها المحاذير التي قد نقع فيها يومًا ما بسبب التطرف؛ كالتطرف في التفكير، أو التطرف في الرأي، أو التطرف في السلوك، وهو ما يُعدّ في الواقع مشكلة حقيقية، لذلك يكون المشرّع عادةً في حالة حيرة: هل يسلك طريق حرية الفكر أم يسلك طريق حرية التفكير؟

 ومن هنا ننطلق للبحث في فلسفة المشرّع العراقي، أو في السياسة التشريعية التي انتهجها، سواء في دستور عام 2005 أو في القوانين الأخرى التي تضمنت معنى حرية التعبير.

 هنا نتساءل عن المنهج الذي سلكه المشرع العراقي في تأسيس الدستور لهذه الحرية، في للحقيقة المنهج التشريعي هنا كان منهج مرتبك ولا يقود إلى استقرار في الصياغة التشريعية ولا في التطبيقات العملية ولن يقود إلى استقرار حتى على مستوى عندما تأتي السُلطات المشتقة أو البرلمان أو ما نسميه بـ(المشرع المُكمل) عندما يريد أن يُكمل البناء الدستوري لا يتمكن من البناء هذه الأفكار الفلسفية بشكل مُتقن، حينما نتطرق لحرية الرأي أو حرية التعبير.

 بدايةً، ينصّ الدستور العراقي في المادة (38) على (أنّ الدولة تكفل بما لا يخلّ بالنظام العام والآداب، حرية التعبير بكل الوسائل) ثم يبدأ المشرّع بذكر أمثلة على هذه الحرية، كحرية الإعلان، والإعلام، والنشر، وحرية التجمع السلمي والتظاهر، على أن يُنظَّم ذلك بقانون.

 وهنا نتساءل عن المنهج الذي سلكه المشرّع العراقي في تأسيس الدستور لهذه الحرية، وفي الحقيقة كان المنهج التشريعي المتّبع منهجًا مرتبكًا، ولا يقود إلى استقرار لا في الصياغة التشريعية ولا في التطبيقات العملية، كما أنّه لن يفضي إلى استقرار حتى على مستوى السلطات المشتقة، أو البرلمان، أو ما يُعرف بـ(المشرّع المُكمِّل)، فعندما يسعى هذا المشرّع إلى استكمال البناء الدستوري لا يتمكن من تشييد هذه الأفكار الفلسفية بصورة متقنة، ولاسيما عند التطرق إلى مفهومي حرية الرأي وحرية التعبير، وهنا تبرز مجموعة من التساؤلات الجوهرية، من بينها:

1- هل تشمل حرية التعبير حرية الضمير؟

2- هل تتضمن حرية الرأي حرية التفكير؟

3- هل تُعدّ الحرية في ذاتها حقًا، أم أن الحق هو حرية، أم أن الحق والحرية مفهومان متساويان؟

 وبعبارة أخرى، حينما ينصّ المشرّع في المادة (38) على أنّ هذه الحريات (تُنظَّم بقانون)، فإنها في الحقيقة لا تُنظَّم فحسب، بل تُقيَّد بقانون، فلو أخذنا على سبيل المثال حرية الضمير، فهل تستطيع الدولة أن تكفل للمواطن حرية الضمير؟ بالطبع لا، إذ لا يمكن للدولة أن تكفل هذه الحرية، لأنها تتصل بالقانون الطبيعي، ولا يمكن للقانون الوضعي أن يكفلها أو ينشئها.

 وعند هذه النقطة يكون للمفكرين رأيٌ في الموضوع، إذ يتمثل في أنّ هذه الحريات ليست من سنخ واحد ولا من جنس واحد، فهي غير متجانسة؛ لأن بنائها الفلسفي والمنطقي لا ينبع من أصل واحد، وإنما من أصول متعددة. ومن هنا نخلص إلى القول إنّ النص الدستوري، والفلسفة الدستورية، والبناء الدستوري لم تكن دقيقة أو سليمة في هذا الجانب.

 وبالرغم من عدم صدور القانون المنظِّم حتى الآن، تمكّنت السلطات سواء بالاستناد إلى القوانين القديمة النافذة، أو إلى ما أصدرته من أنظمة وتعليمات، من تقييد هذه الحقوق إلى حدّ كبير.

 وقبل أيام صدر عن مجلس القضاء الأعلى الموقر تعميم موقَّع من مدير مكتب رئيس المجلس، وُجِّه فيه جهاز الادعاء العام في العراق إلى تحريك الدعاوى الجزائية بحق كل من يتناول عبر وسائل التواصل الاجتماعي مسائل تُعدّ مهدِّدة للنظام السياسي في البلاد وما شاكل ذلك، وهذه الجزئية التي حصلت بتاريخ 25/11، لولا تحرّك الرأي العام ضدها، لربما لم يتم التراجع عنها، ولربما ترتبت عليها آثار وتطبيقات عملية لاحقًا.

 غير أنّه إذا أردنا النظر إلى هذه المسألة من زاوية المتفحّص، فإن الأمر في حقيقته لا يحتاج إلى تعميم من هذا النوع؛ إذ توجد نصوص قانونية صريحة وواضحة تعالج مثل هذه الحالات. صحيح أن بعض هذه النصوص قد أُوقف العمل بها، في حين لا تزال نصوص أخرى سارية ونافذة حتى الآن، وعلى سبيل المثال: فأنّ المواد (220، 221،222) من قانون العقوبات العراقي تنص على معاقبة كل خمسة أفراد فأكثر يجتمعون في محل عام إذا كان من شأن تجمعهم أن يُكدر الأمن العام، وتكدير الأمن العام هنا ليس أمرًا محددًا بمعيار موضوعي، بل مرتبط بتقدير شخصي للحاكم القابض على السلطة.

 وقد جُمدت هذه المواد بموجب الأمر رقم (19) لسنة 2004 الصادر عن إدارة بريمر، الذي تناول حرية التجمع، وجُمِّدت بالتحديد المواد (220،221، 222)، ومع ذلك فإن الأمر رقم (19) لسنة 2004 نفسه لا يتوافق مع الفلسفة الدستورية ولا مع تأسيس الدستور العراقي، لأنه جاء لتكريس سلطة الاحتلال ومنع التظاهرات أو التجمعات المعارضة.

 إذ اشترط شروطًا صارمة للغاية لممارسة الحق في التظاهر لان القسم الثالث منه بالتحديد يمس جوهر الحق وينهي أصل الحرية، لأنه يتطلب لكل تعبير عن الرأي بصيغة التظاهر شروطًا مثل الحصول على موافقة مسبقة من السلطة المختصة، كالوزير أو المحافظ، وأن لا تتجاوز مدة التظاهر أربع ساعات، وألا تُقام بالقرب من الدوائر الحكومية وإلى آخره.

 فإذا تتبعنا هذه الشروط التي وضعها المشرع، نجد أنّه قضى على موضوع الحرية أصلًا، فعندما جاء الدستور العراقي في المادة (38) بحكم الناسخ والمنسوخ، يمكن القول إنه نسخ الحكم القانوني الوارد في الأمر رقم 19، وكذلك نسخ الأمر الذي ورد في المادة 220.

 ولكن في الحقيقة لا يمكننا القول بأنه نسخ إلا إذا استندنا إلى إرادة تشريعية حقيقية، ظاهرة، وعَلنية، تعلن صراحة سقوط هذه الأحكام القانونية.

ومن هذا المنطلق تنبثق عدة تساؤلات:

1- هل نسعى إلى كفالة حرية الفكر أم حرية التفكير؟

2- هل نرغب في ضمان حرية الرأي أم حرية التعبير عن الرأي؟

3- هل هناك فرق بين حرية الرأي وحرية التعبير عن الرأي؟

4- هل هما حرية واحدة أم حريتان مختلفتان؟

 يشير الفلاسفة إلى أن التعبير عن الرأي حرية، بينما الرأي ذاته يُعد حقًا لأنه يتصل بذات الإنسان، وعندما نقول إن حرية التعبير هي تمكين، فهذا يعني أنّنا لا نضمن للإنسان حرية محددة أو حقًا معينًا بمجرد منحه القدرة أو الوسائل، بل نوفر له البيئة التي تتيح له ممارسة هذا الحق أو الامتناع عنه.

 فمثلًا في حالة حرية الانتخاب، يتم توفير صندوق الاقتراع ومكان الانتخاب للأشخاص، بينما تبقى الحرية الفعلية لهم في ممارسة حق الانتخاب أو الامتناع عنه، إذ يتم توفير جميع المتطلبات المادية والمعنوية التي تمكّن الشخص من ممارسة هذا الحق، لكن الخيار النهائي يعود إليه.

 وهنا تنطبق نفس الفكرة على حرية التفكير وحرية الفكر: هل هما حق أم حرية؟ وينسحب نفس التساؤل على التعبير وحرية التعبير.

 فالتعبير عن الذات يعني التعبير عن الأفكار والأشياء التي يؤمن بها الفرد، وتمتد هذه الحرية لتشمل الآراء التي يتبناها المواطن، ولكن يبقى هذا الحق منقوصًا إذا لم يستكمل الجانب الآخر، وهو الحق في الحصول على المعلومة من مصادرها الأصلية التي يختارها الشخص، دون أن تُفرض عليه بطريقة محددة.

 سواء كانت المعلومة دينية أو سياسية أو اقتصادية أو غير ذلك، يجب أن يكون للشخص حرية اختيارها أولًا، ومن ثم بناء أفكاره وآرائه في ضوء هذه المعلومات. وعندها فقط يبدأ الحق الحقيقي في التعبير، حيث يصبح الفرد قادرًا على التعبير عن أفكاره وآرائه بشكل حر ومستقل.

 أما التعبير عن الرأي كحرية، فهو يحتاج إلى مقومات أساسية، مع وجود قيود وضعتها الدول بطرق مختلفة، إذ تختلف هذه القيود من دولة إلى أخرى، خاصة في الأنظمة الاستبدادية، حيث يسعى الحاكم إلى وضع ضوابط محددة للتحكم في حرية التعبير، خاصة عندما يتبنى الناس أفكارًا تختلف عن تلك التي يؤمن بها، أو تنتهج مناهج مخالفة لمعتقداته.

 وفي هذه الحالة يشعر الحاكم بالخوف على موقعه وسلطته، فيبدأ بمحاربة حرية التعبير عن الرأي، ويشيطن بعض الآراء في محاولة لإجبار الناس على التخلي عنها، معتبرًا إياها آراء "خطرة" أو "شيطانية" حسب وجهة نظره، ولهذا نجد أن الأنظمة المستبدة غالبًا ما تشيطن بعض الآراء الدينية أو السياسية لمنع انتشارها وفرض السيطرة على المجتمع.

 أما هنا نقول أن مقومات الرأي ومقومات التعبير عن الرأي لم يتوفق المشرع الدستوري في التأسيس لها، لذلك ذهب المشرع إلى أنه يورد بعض التطبيقات التي هي لا تعدو إلا أن تكون تطبيقات جزئية غير قابلة للقياس عليها، مثلا المشرع عندما رأى صعوبة في ترجمة المادة (38) إلى قانون لسبب أو لآخر، لماذا من 2005 إلى غاية اليوم لم يتم ترجمة المادة (38) لحرية التعبير عن الرأي بكل الوسائل إلى قانون؟

 إن مقومات الرأي والتعبير عن الرأي لم ينجح المشرع الدستوري في تأسيسها بشكل متكامل، ولذلك لجأ المشرع إلى تقديم بعض التطبيقات التي لا تعدو أن تكون تطبيقات جزئية وغير قابلة للاعتماد كمعيار شامل.

 وفي الواقع فإنّ حرية الرأي في العراق لا تضمنها إلا نص المادة (38)، فعندما وقع بعض اللغط حول الأوامر الصادرة عن مجلس القضاء الأعلى، اضطر المجلس إما لتشكيل لجنة أو إحالة الشخص المعني إلى الإشراف القضائي حيث تم معاقبته وإلغاء تلك الأوامر، وهذا يُعد مثالًا بسيطًا على قدرة حركة الرأي العام على التأثير في السلطات العامة، رغم أن من اطلعوا على هذا الموضوع كانوا عددًا محدودًا من الناس.

 ولاستيعاب هذا الموضوع لابد من الاستئناس بآراء الإخوة الحضور وذلك من خلال طرح الأسئلة التالية:

السؤال الأول: كيف تقيم تعاطي المؤسسات الرسمية العراقية مع حرية التعبير عن الرأي؟

السؤال الثاني: هل تؤيد الحد من حرية التعبير من مما يحصل من التعسف باستخدام الحق المكفول دستوريًا، وما البديل الناجح لصيانة جوهر الحق في حرية التعبير؟ 

المداخلات

التوازن بين حرية التعبير واحترام الآخرين

- الدكتور عباس العطار؛ متخصص في مجال الإعلام:

عملنا على هذا الموضوع لسنوات طويلة، تحديدًا منذ عامي 2007 و2008 وحتى قبل ذلك، ولطالما كان هذا المجال محط اهتمام المنظمات غير الحكومية بشكل خاص، حيث تسلط الضوء عليه أكثر من غيره، وهذه المنظمات تمثل كيانات متعددة تنتمي إلى بيئات اجتماعية وثقافية متنوعة، لربما كان أبرز التحديات التي واجهتنا هي مسألة التفسير، إذ كنا دائمًا نتوقف ونتأمل عند كل اجتماع لنبحث عن أفضل السبل للدفاع عن هذا الحق الأساسي، المتمثل في حرية التعبير عن الرأي.

 تُعتبر قضية الآداب العامة والنظام العام من المواضيع المعقدة التي تُثير جدلاً واسعًا خاصة في السياقات الثقافية والمجتمعية المختلفة، وعندما نحاول تفسير هذه القضية نجد أن هناك تداخلًا بين حدود حرية التعبير واحترام مشاعر المجتمعات وتقاليدها القيمية، وتزداد المسألة تعقيدًا عندما تُناقش في إطار قضايا تتعلق بالمعتقدات الدينية التي تُعد جزءًا من الهوية الثقافية والاجتماعية لمجتمع معين.

 وعند الحديث عن الرأي العام، إذ يمكن تقسيمه إلى فئات عديدة تشمل الرأي الشخصي والرأي العلني والمستتر، وهو ما يجعل النقاش في هذا الإطار يتطلب تفصيلًا قد يمتد إلى عشرات المحاور، والسؤال الحقيقي الذي يُطرح هنا هو: كيف يمكن تحقيق التوازن بين حرية التعبير واحترام مشاعر الآخرين، دون الوقوع في فخ تقييد الحريات الأساسية؟

 فعلى سبيل المثال، فأنّ العديد من المجتمعات تعتبر بعض الآراء مثيرة للجدل لأنها ترتبط بقضايا عقائدية حساسة، كحالة طرح الأسئلة حول المعتقدات الدينية أو مناقشة مفاهيم مرتبطة بمناطق ذات بصمة دينية راسخة، وفي مثل هذه الأوضاع تُعد بعض التعبيرات غير المقبولة لدى البعض مساسًا بالشعور الديني، مما يجعلها عرضة للإجراءات القانونية باعتبارها تتجاوز ما يُسمى بالخطوط الحمراء.

 السؤال المحوري هنا يجب أن ينصب على الحلول البديلة: هل الأفضل تنظيم آليات حرية التعبير من خلال قوانين مدروسة تضمن حرية طرح الآراء دون الإساءة للمعتقدات الراسخة؟ أم أن محاولة فرض القيود المطلقة على التعبير يُساهم فقط في اندلاع التوترات بدلاً من تهدئتها؟

الوعي الجماهيري هو العامل الحاسم

- الدكتور علاء الكاظمي؛ باحث وآكاديمي:

 هناك اختلال في ممارسة حرية التقاضي، وكذلك في استخدام الإعلام، إذ لا يوجد في المنطق الإسلامي أو في منطق العقلاء ما يشير إلى وجود حرية مطلقة، ولابد أن تكون الحرية مقيدة بضوابط ومعايير واضحة، وهذا ما يدركه العقلاء، فالحرية يجب ألا تتحول إلى ذريعة للاعتداء على الآخرين أو ابتزازهم تحت مظلة الإعلام أو بحجة ممارسة الحريات، فمثل هذا التصرف ليس منطقيًا ولا مقبولًا.

 أرى أنه من الضروري التمييز بين الحرية التي ينبغي تقييدها وتلك التي يجب منحها مساحة أكبر، خاصة فيما يتعلق بحرية الإعلام وعلاقته بالسلطات السياسية، فعلى سبيل المثال، الحرية التي تتضمن الإساءة إلى معتقدات الآخرين يجب أن تُقيد بشكل صارم لتجنب النزاعات والمشكلات التي قد تنشأ بسببها.

ان الحرية التي ينبغي ممارستها إلى أقصى حد هي حرية الإعلام الموجه نحو السلطة، وأن تكون هذه الحرية مطلقة وغير مقيدة، إذ يتضح هذا المفهوم من قول الإمام علي (ع) -عند النظر في قضية المعارضة التي كانت قائمة مع الخوارج- حيث منحهم حرية في هذا الجانب بشرط أن يكون المسلمين في مأمن منهم.

 ما يظهره لنا التاريخ هو أن خطر الديكتاتورية يفوق بكثير خطر منح الإعلام حريته الكاملة، وأعتقد أنه من الضروري تمكين الإعلام الذي يراقب ويحاسب السلطة، لكن هذا بالطبع ليس دون ضوابط، إذ كان الإمام علي (ع) يعتمد على وعي الجمهور، بحيث يكون لديهم القدرة على التمييز بين طبيعة السلطة وأدائها، مما يجعل حرية الإعلام قوة إيجابية تسهم في تحقيق الصالح العام.

 فما نلاحظه عند بعض الإعلاميين يلجؤون إلى الابتزاز واستخدام أساليب ملتوية للإطاحة بمجموعات سياسية، وعند التدقيق تجد أن البعض من الجمهور يهاجم هذا الإعلامي بينما هناك إعلاميون آخرون يتم الإشادة بهم وتنتقد نفس الجهات السياسية التي يساندها الجمهور، فهذا المشهد يعكس مدى وجود الوعي بين الناس؛ فالوعي الجماهيري يجب أن يكون العامل الحاسم في هذه المسائل، لأن في حال تركنا المجال للسلطة دون رقابة جماهيرية، فإنها قد تتجاوز الحدود وتبدأ بمحاكمة كل من ينتقدها قضائيًا، وهو أمر خطير للغاية.

 للأسف مستقبل حرية التعبير في العراق يبدو أنه يتجه نحو المزيد من التقييد، خاصة من خلال الأحكام القضائية المتزايدة التي تصدرها المحاكم التي تقيدها، وهكذا نجد أنفسنا ننتقل من خطر دكتاتورية الفرد إلى قبضة دكتاتورية المؤسسات والأحزاب وحتى الأفراد الذين باتوا يملكون نفوذًا كبيرًا.

الأمة الصالحة تتحقق في حرية التعبير

- الشيخ مرتضى معاش:

 أولًا: الحرية لا يمكن فهمها بمعزل عن المسؤولية؛ فالحرية تحمل في جوهرها معنى المسؤولية، فإذا انفصلت الحرية عن المسؤولية تفقد معناها ولا تعد حرية حقيقية، بحيث لا وجود لحرية مطلقة خالية من المسؤولية، إذ أن المطالبة بحرية بلا حدود تلغي مفهوم الحرية بحد ذاتها، مما يجعل وجودها مستحيلًا، والمسؤولية هي واجب الإنسان ونتاج ضميره وعقله وتفكيره، بحيث يدرك الطريقة السليمة لممارسة هذه الحرية.

 ثانيًا: حرية التعبير تعتمد على توفر مجموعة من العناصر لتكون حرية طبيعية وسليمة، ومن أحد الأسباب التي تؤدي إلى التطرف في ممارسة حرية التعبير هو الكبت والقمع، إضافةً إلى القوانين التي تُفرض لتقييد هذه الحرية، وفي هذه الحالة يتولد التطرف، حيث يؤدي الاستبداد إلى تغذية التطرف والعنف وتحفيزهما، وهذا أمر متوقع وطبيعي كنتيجة للضغوط المفروضة.

 كما تظهر المشكلة عندما يكون الإنسان ذو طبيعة حساسة ومتمسكًا بذاته دون قدرة على التجرد أو وضع حدود موضوعية، مما يجعله غير قادر على استقبال الآراء الأخرى، وهذه الحالة تمثل تحديًا يجب التعامل معه من خلال تعزيز تحمل المسؤولية والالتزام بالممارسات الأخلاقية، وعلى المدى الطويل يرتبط هذا التحسين بتبني القيم الإنسانية السامية، مثل قبول النقد، تقييم الذات بصدق، والإنصات للنصيحة.، فكل هذه الأمور تسهم في توسيع الأفق الداخلي للإنسان، مما يمكنه من استقبال الرأي المخالف بمرونة أكبر، إذ يعتبر ذلك من المبادئ الأخلاقية الفطرية الهامة، والتي تلعب دورًا محوريًا في ممارسة حرية التعبير بشكل واعٍ وبناء.

 وإلى جانب الحرية والحق من المهم الإشارة إلى أن الحرية تُعتبر جزءًا ذاتيًا متأصلًا في الإنسان، بينما الحق يتجسد في قدرة الفرد على اتخاذ قرار بممارسة أو عدم ممارسة حقه، ومع ذلك فإن الواجب يحتم على الإنسان ممارسة حرية التعبير بوعي ومسؤولية، خاصة أنه جزء من مجتمع يتطلب منه المساهمة الفعالة، لذا من الضروري أن يعبر عن رأيه ويسعى لإصلاح مجتمعه، مما يعزز دوره كفرد مسؤول يشارك الآخرين في بناء المجتمع.

 وأرى أن الدين الإسلامي والقرآن الكريم يحملان رؤية واضحة في هذا الجانب، ففي قوله تعالى (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ)، إذ أن هذه الآية قد تحمل مقصدًا في ذلك، وهو أن الأمة الصالحة هي التي تمارس حقها في التعبير عن الرأي، والإسهام في الإصلاح، ومحاربة الفساد، ومواجهة الاستبداد، كما أن حرية التعبير تتجلى هنا كوسيلة أساسية للتصدي للسلطات المستبدة.

 أنّ عملية حرية التعبير تعتبر واسعة جدًا، حيث تشمل كل ما يتفق المجتمع على اعتباره خيرًا ومعروفًا، وكل ما يرفضه المجتمع بوصفه شرًا ومنكرًا، إذ تقوم هذه الفكرة بشكل أساسي على الأعراف والقيم الاجتماعية التي تميز بين ما هو مقبول وما هو مرفوض، وبناءً على ذلك فإن الأصل في حرية التعبير هو الحرية، بينما أي تقييد لهذه الحرية يعد استثناءً يحتاج إلى دليل واضح.

 ففي هذا السياق المشرّع الحقيقي ليس الدولة أو الحكومة، بل هو العرف الاجتماعي الذي يحدد نطاق الحرية وقواعدها، وإنّ دور الدولة يتمثل فقط في تطبيق الرؤية الاجتماعية وحمايتها، أما المسؤولية فتنبع من ممارسة المجتمع لهذه الحرية، إذ أن ممارسة حرية التعبير تساعد المجتمع على النضوج والوصول إلى فهم أعمق لها، وفي المقابل إذا فُرضت قيود شديدة وقوانين قمعية تمنع هذه الحرية، فإن الممارسة تتوقف ولا يستطيع المجتمع تحقيق النضج المطلوب.

 أما في حال نشوء مشكلات تتعلق بحرية التعبير، فيُصار إلى اعتماد أسلوب الفصل الاجتماعي، من خلال ما يُعرف بالمحاكم الاجتماعية، وهي الجهات التي تتولى البت في هذه القضايا داخل المجتمع، وإذا لم تتمكن المحكمة الاجتماعية من الوصول إلى قرار نهائي، يتم الانتقال إلى القضاء للفصل فيها، وهذا النظام مشابه لما هو معمول به في العديد من الدول المتقدمة، حيث تتولى المحاكم الاجتماعية مسؤولية البت في جوانب عديدة داخل المجتمع، وبالطبع الأساس هنا يكمن في الحوار الاجتماعي، كونه الوسيلة القادرة على تقديم رؤية متزنة ومتكاملة حول الموضوع، ومن خلال الحوار يمكن التوصل إلى اتفاق على عقد اجتماعي يحدد القواعد والبنود التي تنظم ممارسة حرية التعبير بشكل إيجابي وفعّال بما يخدم مصلحة المجتمع.

القضاء هو المُكمّل للحرية

- الدكتور حسين شاكر العطار؛ باحث اكاديمي:

 بعد عام 2003 حصلنا على حرية التعبير من بعد 35 سنة من الكبت، وهو ما أثر بشكل كبير على الناس حتى يومنا هذا، ويُعد ذلك رد فعل طبيعي، فقد أدى هذا الكبت الطويل أدى إلى تراكم أفكار وشعور بالمظلومية لدى الكثيرين، لكنها مع مرور الوقت بدأت تتلاشى مع زيادة التفاهم وتقبل الآخر، ففي تلك الفترة عبر البعض عن آرائهم بحرية لأول مرة، إلا أن ذلك أدى إلى نوع من الفوضى، والتي تستمر جزئيًا حتى ألان، وكان للتواصل الاجتماعي دور كبير في هذا الأمر، لاسيما من خلال الحسابات الوهمية والشخصيات غير المعروفة التي استغلت الأبعاد الدينية والاجتماعية والقانونية لإثارة المنازعات، وهو أمر يعود بشكل أساسي إلى طبيعة تلك الشخصيات والأفراد.

 المسألة الثانية تتعلق بحرية التعبير التي تُعد حقًا طبيعيًا بالإضافة إلى كونها حقًا دستوريًا وقانونيًا، حيث لدينا أيضًا حق التفكير وحق التعبير عن الأفكار، ولكن الإشكالية الكبرى تكمن في وجود أفكار مُنحرفة. والسؤال هنا: من الذي يحدد كون هذه الأفكار منحرفة؟

 بطبيعة الحال، فأنّ الحوار داخل أي مؤسسة أو مجتمع هو الذي يكشف الفارق بين الرأي الصائب والرأي الخائب، وعلى سبيل المثال الحركات الدينية المتطرفة تُعتبر منحرفة في العراق، بينما في دول أخرى قد يُنظر إليها على أنها طبيعية ومقبولة، وبالتالي يبقى السؤال: من الذي يمتلك الحكم الراجح في مثل هذه الحالات؟

 أما مسألة الإساءة أو التعبير المنحرف الذي قد يحدث في مراحل معينة لتحقيق غايات شخصية، كالمساس بأفراد أو مصالح خاصة، يبقى ضمن إطار اختصاص القضاء الذي يلعب دورًا مهمًا في معالجته، إلا أنه ينبغي التمييز هنا بين القضايا المرتبطة بمصالح فردية تم التعدي عليها، حيث يمكن للقضاء التدخل لحماية هذه الحقوق، وبين الحالات التي تتعلق بشخص يتقلد منصبًا عامًا، ففي هذه الحالة بدلاً من التركيز فقط على مهاجمة الشخص المتهم، من الأفضل أن نتحقق بدقة من أصل الموضوع المطروح، فقد يكون وراءه قضية حقيقية تستحق الاهتمام.

 بالنسبة للإشكال في تعريف الآداب العامة والنظام العام يكمن في عدم وجود معيار موحد يحدد تلك المفاهيم بشكل واضح، بل تعتمد على السياقات الثقافية والاجتماعية المختلفة، ومن الواضح أن من يتحكم في تحديدها غالبًا هي الفعاليات الاجتماعية والموروثات من المؤسسات الدينية، الأكاديمية، الثقافية والاجتماعية، بحيث تلعب دورًا كبيرًا في تشكيل هذه القيم، وهذا التأثير يتباين من منطقة إلى أخرى، فعلى سبيل المثال قد تكون الآداب العامة في مدينة ميسان ذات طابع عشائري، بينما تخضع في كربلاء المقدسة للموروثات الدينية.

 وهذا التنوع لا يقتصر على الآداب العامة فحسب، بل يشمل أيضًا مبادئ حرية التعبير، ولكن السؤال هو: أين الحد الفاصل؟ وكيف يمكن تجنب الإساءة التي قد تحدث ضمن ممارسة الحرية أو في سياق الآداب العامة؟، لهذا السبب تظهر الحاجة الملحة لتشريع قوانين واضحة تساعد في معالجة الحالات التي يطرأ فيها إساءة أو تضارب بين مختلف المفاهيم في المجتمع.

 وفي الوقت نفسه يجب أن يتضمن القانون نصوصًا واضحة تعالج بشكل محدد الإساءات المباشرة للأفكار الصحيحة، وبمعنى آخر ينبغي أن يكون القانون غير مُقيد بشكل مبالغ فيه، وإنما ينحصر في حالات معينة، وذلك لضمان عدم استغلاله كوسيلة للتضييق على الحريات.

وأود التأكيد على أنّ القضاء هو المُكمّل للحرية والحامي لحقوق الشعب أمام السلطة، ولذلك نحن بحاجة إلى قضاء نزيه وعادل، فمن الملاحظ أن هناك تفاوتًا بين القضاة في التعامل مع قضايا حرية التعبير، حيث نجد أن بعضهم يتسم بالتشدد، بينما يظهر البعض الآخر قدراً أكبر من التسامح، وعليه ينبغي على مؤسسة القضاء أن تراعي هذا الأمر من خلال تكليف القضاة المتسامحين بمعالجة قضايا حرية التعبير، بما ينسجم مع الدستور ويكفل حماية الشعب من تجاوزات بعض السلطات والمسؤولين.

العودة بشكل تدريجي إلى الدكتاتورية

- الحقوقي صلاح الجشعمي؛ باحث:

 نشعر بخيبة أمل عميقة تجاه تعامل المؤسسات الرسمية مع قضية حرية التعبير، سواء على المستوى القضائي أو التنفيذي، ويظهر هذا الإحباط بوضوح أن المسؤولين عن السلطات لا يؤمنون حقًا بمبدأ حرية التعبير، مما يجعل النصوص الدستورية التي وُضعت لتكون أملًا ومصدرَ إلهام مجرد كلمات براقة خالية من أي مضمون حقيقي، وهذا ما يتجلى لنا من خلال التطبيقات القضائية والسلوكيات المتبعة داخل مؤسسات الدولة.

 لا شك أن حرية التعبير تشمل مواضيع متعددة، تضم الجوانب السياسية والاقتصادية والدينية والاجتماعية وحتى الأخلاقية، أما أدوات التعبير عنها فقد تنوعت عبر الزمن، بدءًا من الكتابات في الصحف في عهد النظام البائد حيث كانت تُقمع بشدة، والان في مواقع التواصل الاجتماعي التي للان الدكتاتورية الجماعية تقمعها في أيّ منشور، وعلى الرغم من أنّ مواقع التواصل الاجتماعي إحدى أهم وسائل التعبير في العصر الحديث، ما زلنا نشهد امتدادًا لنهج القمع ولكن بأشكال جديدة، حيث تُفرض الرقابة المشددة على المنشورات، ويُعتقل أصحابها تحت ذرائع تهدف إلى تبرير تلك الإجراءات، مثل الإخلال في استقرار أمن البلد والمجتمع.

 هذه الممارسات باتت واقعًا ملموسًا نراه يوميًا في المحاكم، داخل مراكز الشرطة، ومن خلال الأجهزة الأمنية ووسائل الأمن الوطني، التي غالبًا ما تستخدم سلطتها لتضييق الخناق على حرية التعبير، مما يكشف تناقضًا صارخًا مع المبادئ التي يُفترض أن تُصان والتي أقرها الدستور.

 بالطبع حرية التعبير ليست مطلقة ولها حدود، لكن السؤال الذي يطرح نفسه: من يضع هذه القيود على حرية التعبير؟ في ظل غياب معايير محددة وواضحة، غالبًا ما تكون الضوابط شخصية، حيث يتحكم الذوق الشخصي للقاضي أو المسؤول الإداري في تحديد ما هو مقبول وما هو غير ذلك، وهذا الغياب للمعايير النوعية التي يتفق عليها الجميع ويعرفون كيفية تطبيقها يعد مؤشرًا واضحًا على قمع حرية التعبير والعودة بشكل تدريجي إلى أشكال من الدكتاتورية.

ماذا تعلّم العراقيون؟

- الأديب علي حسين عبيد؛ كاتب في شبكة النبأ المعلوماتية:

هذه الفكرة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بثقافة الفرد والمجتمع ككل، فهي تعتمد على منظومة التفكير والسلوك التي تحدد كيفية ممارسة حرية التعبير.

 الرأي يُعتبر عنصرًا بالغ الأهمية، وقد رأينا دلائل ملموسة على ذلك، فعلى سبيل المثال عندما أصدر مجلس القضاء قرارًا أثار موجة شعبية مضادة أدت إلى إلغائه ومعاقبة من أصدره، فإن ذلك يعكس أن المجتمع يمتلك حرية في التعبير ويعرف كيف يدافع عن حقوقه ومستقبله، وهذا يُظهر أننا نسير في الاتجاه الصحيح، وإن كان التقدم بطيئًا بعض الشيء.

 لقد تعلّم العراقيون من تجربة الأنظمة الدكتاتورية التي عاشوها سابقًا وعرفوا ما يعنيه الظلم وتقييد الحريات، واليوم هم يستغلون فرصة الحرية المُتاحة بالشكل المناسب ليبنوا مجتمعًا قادرًا على التعبير عن نفسه والدفاع عن حقوقه بشكل بنّاء وواعٍ.

الطبقة السياسية وقوانين حرية التعبير

- الباحث محمد علاء الصافي؛ مركز الإمام الشيرازي للدراسات والبحوث:

 في العديد من المناسبات، يتحول قانون حرية التعبير أو مشروع تشريعه داخل مجلس النواب إلى وسيلة للضغط والتهديد، حيث يُطرح في كل دورة نيابية، ويخلق مواقف وبيانات لمنظمات دولية ومنظمة العفو وغيرها، إذ تخلق مواقف من الجدل ومع ذلك يُسحب مشروع القانون في كل دورة نيابية، رغم أنه يعتبر إطارًا تنظمه المادة (38) من الدستور التي تؤكد على مظاهر التظاهر السلمي، واللافت في هذا القانون أنه يتعرض باستمرار لتعديلات وضغوط تسعى إلى إدراج قيود عليه تحت تسميات متغيرة، مثل جرائم إلكترونية أو قوانين مرتبطة بحرية التعبير.

 أعتقد أن هذه التحركات أصبحت أكثر وضوحًا بعد تظاهرات تشرين عام 2019، حيث شعرت الطبقة السياسية الحاكمة بخطر الاحتجاجات الشعبية والتجمهرات، بالإضافة إلى التأثير الكبير لوسائل التواصل الاجتماعي الذي وصل إلى مستوى يهدد استمرارية الطبقة السياسية الحاكمة، ولهذا لجأت إلى استخدام أدوات السلطة لتشريع قوانين تحدّ من حرية التعبير وتواجه هذا الخطر.

 فمُنذ احتجاجات تشرين وحتى اليوم، لو قمنا بإحصاء عدد القضايا المرفوعة ضد الناشطين أو المواطنين العاديين وحتى موظفي الدولة لمجرد تعبيرهم عن آرائهم بتعليق أو منشور على وسائل التواصل أو حتى وقفة احتجاجية فسنجد أن العدد كبير، ففي كثير من الأحيان يتم استدعاؤهم لاتخاذ إجراءات قانونية ضدهم في دوائر عملهم بناءً على قرارات صادرة من الوزارة أو المسؤولين في المحافظة، بذريعة أن أفعالهم غير قانونية وأنه ليس لديهم الحق في ممارستها.

 يتضح أن هذه الطبقة السياسية تسعى لتمرير قوانين تحدّ من حرية التعبير، التي تُعتبر المكسب الأبرز بعد التغيير في عام 2003، وعلى الرغم من وجود مشاكل عديدة مثل الفساد وغيرها، إلا أن هذه القضايا يمكن معالجتها من خلال أدوات رقابية تطويرية، ولكن إذا قُيّدت حرية التعبير، فمن سيتولى الدور الرقابي؟

 ففي الوقت الحالي يبدو أننا نفقد هذا الدور تدريجيًا، حيث أصبح المسؤول بمجرد وصوله إلى مجلس النواب يؤدي دور الناشط المدني والصحفي الاستقصائي مع حصانة تمنع الأجهزة القضائية من ملاحقته، وهذا الوضع يشكل تهديدًا كبيرًا ويعزز من تغوّل السلطة، رغم وجود نصوص دستورية اتسمت في السابق بروحٍ ليبرالية معتدلة.

 فعندما تم وضع الدستور كانت القوى السياسية تُعتبر أقرب لدور المعارضة قبل عام 2003، وكانت تعاني من الاضطهاد والقمع، إذ صيغ الدستور بنصوص تُقيد تعديل مواده، لكنه بات اليوم يواجه محاولات التفاف من خلال قرارات تارة تكون صادرة عن جهات قضائية وتارة تكون حكومية، وحتى عند الحديث عن تشريع القوانين التي تنطوي على تجريم معين، يجدون صعوبة في تمريرها لأنها تتعارض مع النصوص الدستورية الصريحة التي تكفل حرية التظاهر والتعبير عن الرأي، وبالتالي يبقى تعديل هذه النصوص أمرًا يتسم بالصعوبة.

إصلاح المنظومة التشريعية وتطوير الثقافة العامة

- الدكتور خالد العرداوي؛ مدير مركز الفرات للدراسات والتنمية الإستراتيجية:

 أرى أنّ هناك تساؤلاً هاماً حول مفهوم حرية التعبير: هل هي مجرد تنظيم قانوني أم أنها جزء من الثقافة العامة؟ إذا اعتبرناها تنظيمًا قانونيًا، فلا شك أننا بحاجة إلى قوانين تنظم حرية التعبير وتضع حدودًا لها، لأن ترك الحرية بلا ضوابط أو رقابة يمكن أن يؤدي إلى الفوضى وسوء الاستخدام. ولكن المشكلة تكمن في الثقافة العامة سواء لدى الحاكم أو المحكوم على حد سواء، فمن جانب نجد أن الحاكم غالبًا لا يتقبل سماع الرأي المخالف، ومن جانب آخر نجد أن المحكوم كثيراً لا يُجيد التعبير عن رأيه بطريقة سليمة.

 هذا أيضاً يظهر في تعامل الناس مع بعضهم البعض، حيث يغيب احترام آراء الآخرين فيما بينهم، وبالنتيجة أن الثقافة العامة السائدة تؤثر على المسؤول فتدفعه لردود فعل تميل إلى التعسف والاستبداد ممن يخالفه الرأي، مستخدمًا أدوات قانونية لتحقيق مصالحه الشخصية، وهذا الوضع يشبه إلى حد كبير علاقة ثأرية مع الرأي الآخر، هذه الثقافة المتغلغلة تؤثر على طبيعة عمل مؤسسات الدولة، وتحدد شكل العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وبين الناس في تعاملاتهم اليومية، وبالتالي تؤطر عمل الدولة وفقاً لهذه الثقافة.

 وفي ظل هذه الثقافة العامة الراسخة، حتى لو تم استحداث منظومات متقدمة تضمن الحقوق والحريات، فإنها لن تحقق أهدافها المرجوة، وستواجه صعوبات في التكيف مع الواقع الثقافي السائد الذي يعوق تطورها.

 ما بعد عام 2003 كان من المفترض أن يشهد إعادة هيكلة وإصلاح كامل للمنظومة التشريعية، إلا أننا استمررنا في اعتماد نس المنظومة القانونية ونفس القوانين مثلًا قانون العقوبات نفسه الذي وضعته مؤسسات دكتاتورية، بعيدًا عن أي إسهام لمؤسسات دستورية ديمقراطية أو نخب سياسية تؤمن بالديمقراطية. بل كان هذا القانون نتاج نخب سياسية دكتاتورية لتحقيق أهدافها الخاصة. اليوم نجد أنفسنا نحارب حرية التعبير باستخدام أدوات النظام السابق الدكتاتوري، مما يجعل الحديث عن حقوق مكتسبة دستوريًا أمرًا عسيرًا مع بقاء هذه المنظومة القانونية التي لم تتغير منذ ما قبل 2003.

إصلاح هذه المنظومة يتطلب عاملين أساسيين:

أولًا: تغيير الثقافة العامة، لأنه دون تغيير جذري لهذه الثقافة ستفقد القوانين الفاعلية المطلوبة، ولن تتمكن المؤسسات الدستورية من تحقيق النتائج المرجوة. 

ثانيًا: لا يمكن للنصوص الدستورية التي وُضعت بعد 2003 أن تعمل بشكل فعّال مع منظومة قانونية وضعت ما قبل 2003، حيث كانت لتلك المنظومة فلسفتها الخاصة التي صيغت لخدمة أهداف نظام دكتاتوري.

 بدون إصلاح المنظومة التشريعية وتطوير الثقافة العامة، لن يكون بالإمكان تحقيق الاستفادة المنشودة من النصوص الدستورية الجديدة التي تعبر عن حرية التعبير وتؤيد حقوق الإنسان والحريات بشكل عام.

نظام تعليمي قمعي

- علي جواد تقي؛ كاتب في شبكة النبأ:

 قبل الحديث عن حرية التعبير باعتبارها ثقافة لمواجهة السُلطة، نطرح سؤال جوهري وهو: هل من الضروري أن يتحلى المواطن بالشجاعة على منصات التواصل الاجتماعي أو أي منبر آخر للتعبير عن رأيه بشفافية حول قضايا تهم الدولة، مثل الفساد أو الرشوة وما شابه ذلك؟ السؤال يمتد ليشمل تجربته في المراحل المختلفة من حياته، فهل كان هذا المواطن عندما كان طالبًا، يتمتع بحرية إبداء رأيه في المدرسة؟

 على سبيل المثال، هل كان بإمكانه هو شاب ناضج أن يبدي رأيه أمام مدرسه في المرحلة الإعدادية، سواء فيما يتعلق بالمناهج الدراسية أو حتى أسلوب شرح المدرس؟

 للأسف ما نواجهه في مجتمعاتنا هو نظام تعليمي قمعي، فلا يستطيع المواطن من أول مراحل حياته التعبير عن رأيه، وحقيقةً هذا ما نراه أيضًا في الجامعات بنفس الأسلوب القمعي على الرغم من كونها مؤسسة رسمية يُفترض أن تكون محاضن للحوار والنقاش، لذا يصبح من الواضح أنه لا يوجد تثقيف كافٍ يدعم حرية التعبير ويشجع الطالب على طرح رأيه بلا خوف أو تردد لكي يعزز له الشعور بالثقة حتى لو أخطأ.

 إذ إن المشكلة لا تنحصر في المدارس والجامعات، بل تمتد لتشمل الدوائر الرسمية وحتى المؤسسات الإعلامية، فقبل الوصول إلى السلطة من الضروري على المسؤول أن يُدرك أنه جزءٌ من هذا المجتمع، فإذا كان غير مستعد لسماع آراء الآخرين، فلن يمتلك الشجاعة لتقبّل وجهات نظرهم، فهو يحمل الحالة القمعية في ذاته، بينما مجال الاعتراض واسع مفتوح في مجالات كثيرة، ومع ذلك نفتقر إلى ثقافة وشجاعة تمكّن الإنسان من التعبير عن رأيه بشكل سلس وطبيعي.

الإسلام وحرية التعبير

- الدكتور خالد الأسدي؛ باحث في مركز الإمام الشيرازي للدراسات والبحوث:

المجتمعات الشرقية بصورة عامة هي ذات طبيعة قمعية ولا تتقبل ثقافة اختلاف الآراء، فمن المغرب العربي وصولًا إلى اليابان بالمُجمل هذه المجتمعات ليس لديها شيء يُسمى (حرية التعبير)، وعلى الرغم من ذلك كان رسول الله (ص) يسعى لتأسيس حرية التعبير في المجتمع العربي، ويتجلى ذلك في حوادث معروفة في زمن النبي ومن أبرزها هي صلح الحديبية، لما جاء سهيل بن عمر وقال له: (أمحُ ما كتبت انا لم أقر لك بالرسالة حتى تكتب رسول الله) فقال الرسول (ص) لأمير المؤمنين (ع): (أمحوها يا علي)، كما يظهر ذلك في محاججته مع نصارى نجران إذ وقفوا أمامه وكانوا يحاورون رسول الله (ص) ويجادلونه قاموا المسلمين قالوا: (كيف تتكلم هكذا مع رسول الله) فقال رسول الله (ص): (دعوهم)، حيث سمح لهم بمحاورته بحرية بالرغم من اعتراض المسلمين، مؤكدًا أهمية الحوار وقبول الرأي المختلف.

 إلا أن هذا النهج قد تراجع بعد رسول الله (ص) حيث عادت القيم القبلية نفسها التي كانت قبل الإسلام، وعندما تسلم الإمام علي (ع) السلطة لاحقاً وحدثت المبايعة، حاول إعادة ترسيخ حرية الرأي من جديد حيث عندما جاءوا عبدالله بن عمر وسعد بن أبي وقاص وعبدالله بن الزبير وقالوا لن نُبايعك فقال لهم لا تبايعوا ما دام المسلمون منكم في مأمن، فالدين الإسلامي الحقيقي أراد أن يُجدد حرية التعبير في المجتمع ولكن المجتمع سار في اتجاه آخر.

 ومع ذلك سار المجتمع في اتجاه مختلف تماماً، وازداد القمع بعد وصول بني أمية للسلطة الذين كانوا يواجهون أي معارضة بوسائل قمعية، معبرين عن ذلك بشعار (من قال لنا برأسه هكذا، قلنا له بسيوفنا هكذا) للتأكيد على انعدام حرية التعبير آنذاك.

 فلا يوجد شيء يُسمى بحرية رأي حقيقةً، ولا من جهة أخرى فصاحب الرأي يعطي رأيه بحرية بنّاءة أو بانتقاد بنّاء وإنما حتى حرية الرأي التي تمارس في مجتمعاتنا توجهه إلى الخطأ بدون معالجة ذاك الخطأ، فالمشكلة في مجتمعاتنا إذ ينبغي صياغة أفكار أو صياغة فكرة للمجتمع ككل في هذا الجانب.

 وعندما ننتقل للحديث عن الدستور العراقي نجد أن العراق كان من أوائل الحضارات التي وضعت أسس للقوانين كما يظهر في شريعة حمورابي، ومع ذلك نفتقر حالياً إلى دستور مستقل يعكس خصوصية المجتمع العراقي دون تطوير ما يعكس خصوصيتنا كبلد متعدد الثقافات. بدل من ذلك اعتمدنا بشكل كبير على القوانين والدساتير المصرية والفرنسية كنماذج أساسية على سبيل المثال، بحيث نفتقد إلى فرق متخصصة من الخبراء والعلماء لصياغة دستور خاص يتلاءم مع طبيعة وتنوع المجتمع العراقي، ويؤسس لرؤية مستقبلية لبناء مجتمع أكثر تنوعاً وشمولا.

السلطوي لا يعترف بحرية التعبير

- احمد جويد؛ مدير مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات:

 فيما يتعلق بالدستور والتشريعات، ففي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً﴾ مما يشير إلى أنه إذا كنا نبحث عن أفضل دستور، فلا شيء يتفوق على تشريعات الله تعالى. فقد قدّم الإسلام مجموعة واسعة من الحقوق والحريات لكل من المسلمين وغير المسلمين، ورغم هذه القيم والتشريعات السامية كلها، لا تزال بعض مظاهر ثقافة الجاهلية تفرض سيطرتها.

 كما أنّ قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ يدل على أنّ الله لم يجبر أحدًا ولم يكن متسلطًا، وأيضًا كما ورد في قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَلا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾، ولكن يُشترط لذلك أن يعيش الناس في أمان وسلام دون أن يتعرضوا لأذى.

 هذه الثقافة أُرسيت منذ عهد أمير المؤمنين (ع) بعد رسول الله (ص)، لكن للأسف جاءت دول الاستبداد بدءًا بالأموية ثم العباسية وتبعتها أنظمة لاحقة حتى يومنا هذا. كل حاكم يسعى للسلطة غالبًا لا يعترف بحرية التعبير، حيث يصبح الهدف الأول التمسك بالكرسي، مما يعارض تمامًا مبدأ حرية الرأي والتعبير وإنما هدفه الأول والأخير هو التمسك بالمنصب.

 بينما الشخص الذي يسعى بجدية لتقديم الجهد ويُظهر استعداده لنقل السلطة للآخرين، يسعى أيضًا إلى طلب المشورة والنصيحة وحتى النقد من الناس، الأمر لا يتوقف عند حدود التشريعات أو النصوص القانونية فقط، بل يمتد ليصبح قضية ثقافية وفكرية تتعلق بالعلاقة بين من يعبر عن رأيه ومن يتلقى هذا التعبير، وبين الأطراف التي تمتلك السلطة وتلك التي تتعامل معها.

لماذا الخوف من حرية التعبير

- الأستاذ عدنان الصالحي؛ مدير مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية:

 انّ تقييم تعامل المؤسسات الرسمية العراقية مع حرية التعبير عن الرأي مسألة بالغة الأهمية، ومع ذلك يمكن القول إن التقدم في هذا المجال لا يزال محدودًا، حيث تظهر بعض المؤشرات التي تشير إلى وجود استماع واستجابة من بعض الجهات، لكن يبقى التخبط واضحًا في العديد من الجوانب، فعلى سبيل المثال يُلاحظ أن هناك حالات يتم فيها استهداف الباحثين أو الكُتاب المتخصصين في الشأن السياسي عندما يعبّرون عن آرائهم عبر القنوات الإعلامية، وفي بعض الأحيان تتحول آراؤهم إلى ذريعة لرفع دعاوى قضائية ضدهم، برغم أن ما يقدمونه يقتصر على التعبير عن رأيهم الخاص، وهذا الرأي ليس تهجمًا، وإنما يسعى لتوصيل رسالة ينتقد من خلالها حالة محددة، وهو أمر يظهر بوضوح من طريقة طرحه للموضوع، مما يُفترض أن يضفي أهمية على قوله.

كما قال أمير المؤمنين (ع): (لا تنظر إلى من قال وانظر إلى ما قال)، فإذا تبين أنّ المسار المذكور صحيح، فيمكن العمل على تصحيح الجوانب السلبية الموجودة فيه أما إذا كانت المعلومة خاطئة، فمن الممكن التنبيه على هذا الخطأ، مما يؤدي في النهاية إلى تصحيحه.

 بينما يوجد شخص على مواقع التواصل مثل الفيسبوك بمجرد أن ينشر منشور الاستجابات تكون له سريعة وكأنما نُدار من هذا الجانب بحيث تكون أغلبها غير حقيقية أو صورة غير واضحة، فبالرغم من وجود تطور في هذا الجانب لكن يوجد أيضًا جهات يغمرها التخبط، لكن كي يكون هناك تطور نحتاج إلى منظمات المجتمع المدني ونحتاج إلى الصحافة الحرة بشرط أن تكون مستقلة (لا مُبتزة ولا مُبتذلة)، إذ لا تساوم على معلوماتها ولا تبتز المسؤول فيجب أن تكون مستقيمة كي تحقق غايتها، كما أنّ في أغلب القضايا ضد الصحفيين والإعلاميين يكون فيها القضاء حاسم جدًا وفي رد القضايا وهذا يُحسب للقضاء صراحةً.

ان الله عز وجل خلق الإنسان حر ويستطيع التعبير عن رأيه ما عدا بعض القيود المحرمة، لكن مادام حرية التعبير تعتبر سلاح وتربك وضع أمني في الدولة أو تكون إساءة لقدسية معنية هنا ستكون المشكلة، ولكن عندما يكون الشخص غير متضرر من موضوع معين لا يتحدث عنه بهذه الشدّة، فإذا كان مبتز فالقضاء يأخذ دوره، لكن الحد من التعبير يمكن أن يكون باتجاه آخر عندما نبني الدولة والمؤسسات بشكل صحيح وتكون هناك عملية شفافة في الإجراءات الإدارية والمالية والقرارات السياسية، بعد هذا لن يكون هناك خوف من الصحافة وحرية التعبير لأنها لا تتحدث من لا شيء ولكن بسبب الخروقات للنصوص القانونية والفساد، فإذا تم إبعاد هذه الأمور عن الدولة وبُنيت دولة شفافة من ناحية الإجراءات والصيانات فلن يكون هناك شيء تخاف عليه.

مسرحية حرية التعبير

- الأستاذ صادق الطائي؛ باحث:

 صحيح أن حرية التعبير تمثل أهمية وضرورة مثل الأوكسجين للإنسان، فلا يمكن للإنسان أن يعيش بدونها. وعندما يكون هناك نظام قمعي ودكتاتوري، يكون الشعب مخنوقًا ومعذبًا، كل الأنظمة غالبًا تقول شيئًا وتفعل شيئًا آخر، وليس بالضرورة أن تمنح حرية التعبير والقدرة على قول الرأي الآخر، بل لديها القدرة على خلق مشاكل وظروف تُقدَّم على أنها تهدد أمن الدولة، وهذه واحدة من الأكاذيب والمسرحيات التي قد يقوم بها ما يُعرف بـ(الذباب الإلكتروني)، الذي يصنع اعتقادات وسلوكيات تتناقض مع مبدأ حرية التعبير والرأي لدى الإنسان.

 في العراق عاش الإنسان ظروفًا غير طبيعية بسبب دكتاتوريات متعددة وأنظمة تجاوزت حقوق الإنسان، مما أثر على شعوره بأن رأيه مقبول أو محفوظ، فذهبت المؤسسات الرسمية العراقية إلى قبول أي اعتراض أو رأي مخالف شرط أن يكون فرديًا، أما إذا شكّل تيارًا أو مجموعة من الناس، فيحدث شرخ أو تحدٍ في مسار تلك المؤسسات، تكون لأمريكا اليد في ذلك لأنها أسست هذه المؤسسات وتقرر سياساتها.

هذا التصور يوصلنا إلى أن حرية التعبير والرأي غالبًا ما تكون مجرد مسرحية طُبّقت في الغرب وأعطت ثمارها، لكنهم لا يريدون تطبيقها في العراق.

 أعتقد أن البديل الناجح لصيانة الحق في حرية التعبير هو العمل بمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأنه أوسع بكثير من حرية التعبير، إذ يشمل بناء المجتمع وتلبية حاجاته الضرورية. فالذي ينادي بحرية التعبير ويتحمل الأذى يُثاب في الآخرة ويحمل صورة المناضل في الدفاع عن الحرية في الدنيا. من هنا، يمكن القول إن كثيرًا من أخطاء التجاوزات وظلم الآخرين يمكن الحد منها من خلال الالتزام بمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

تعزيز الثقافة القانونية والتربوية

- أوس ستار الغانمي؛ صحفي في شبكة النبأ المعلوماتية:

 حرية التعبير في العراق حق أساسي لكل إنسان، ويعكس مدى احترام الدولة لمواطنيها، في ظل الظروف الحالية، ومع التطور الكبير في وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح الحديث عن حرية التعبير أكثر أهمية من أي وقت مضى، خصوصًا وأن هناك تحديات كبيرة تواجه هذا الحق من جهات مختلفة، سواء كانت رسمية أو حتى فردية.

 بالنسبة للسؤال الأول، أرى أن المؤسسات الرسمية العراقية ما زالت تتعامل مع حرية التعبير بشكل محدود، برغم وجود نصوص دستورية واضحة تكفل هذا الحق، إلا أن هناك أحيانًا قيود وتحذيرات على الإعلام ووسائل التواصل، وهذا يجعل الناس مترددين أحيانًا في التعبير عن آرائهم بحرية كاملة، بشكل عام توجد مساحة للتعبير لكنها ليست كافية لتلبية طموحات المجتمع في حرية النقاش والمساءلة.

 أما بالنسبة للسؤال الثاني، لا أؤيد الحد من حرية التعبير بشكل عام، حتى عند وجود تعسف، لأن الحق في التعبير يجب أن يظل محفوظًا للجميع، ولكن يمكن وضع آليات واضحة لمعالجة أي إساءة، مثل قوانين تنظم المحتوى المسيء وتحمي الآخرين من الضرر، بدلًا من منع الناس من التعبير. البديل الأفضل هو تعزيز الثقافة القانونية والتربوية حول حرية التعبير ومسؤولية المستخدمين، مع وجود مؤسسات قضائية وإعلامية مستقلة لضمان تطبيق القوانين بشكل عادل.

..........................................

 مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات/2009-Ⓒ2026

هو أحد منظمات المجتمع المدني المستقلة غير الربحية مهمته الدفاع عن الحقوق والحريات في مختلف دول العالم، تحت شعار (ولقد كرمنا بني آدم) بغض النظر عن اللون أو الجنس أو الدين أو المذهب. ويسعى من أجل تحقيق هدفه الى نشر الوعي والثقافة الحقوقية في المجتمع وتقديم المشورة والدعم القانوني، والتشجيع على استعمال الحقوق والحريات بواسطة الطرق السلمية، كما يقوم برصد الانتهاكات والخروقات التي يتعرض لها الأشخاص والجماعات، ويدعو الحكومات ذات العلاقة إلى تطبيق معايير حقوق الإنسان في مختلف الاتجاهات...

http://ademrights.org

ademrights@gmail.com

https://twitter.com/ademrights

ذات صلة

الإبداع وتحريك الطاقاتالعقلية الذكية للقائد.. الفرق بين المدير التقليدي والمدير الذكيواجب التضامن مع فنزويلا ورفض العدوانما عاد للمسكنات من جدوىليلة القبض على مادورو