من مضيق هرمز إلى حدود العراق: كيف تتغير خريطة الضغط على إيران؟
محمد مهدي صالح
2026-08-27 04:02
لم يعد مضيق هرمز، بعد أشهر من الحرب والاضطراب البحري، مجرد ممر تتنافس القوى على تأمينه، بل تحول إلى مقياس لتوازن القوة بين إيران والولايات المتحدة، وإلى اختبار لقدرة طهران على الاحتفاظ بإحدى أكثر أوراقها الجيوسياسية حساسية.
الأرقام الأخيرة عن ارتفاع حركة السفن، والمفاوضات الإيرانية العُمانية بشأن ممر مؤقت للملاحة، بالتزامن مع توسع الحملة الأميركية لعزل الاقتصاد الإيراني، توحي بأن طبيعة المواجهة نفسها بدأت تتغير؛ فالصراع الذي تركز في مرحلة سابقة على إغلاق المضيق أو فتحه يتجه تدريجياً نحو شبكة أوسع من الموانئ والحدود والمصارف والطرق التجارية التي تربط إيران بمحيطها.
القول إن إيران خسرت مضيق هرمز بصورة نهائية يذهب أبعد مما تسمح به الوقائع الحالية، إلا أن القول إنها ما زالت تمتلك السيطرة التي كانت تطمح إلى فرضها عليه لا يبدو دقيقاً بدوره. فقد أظهرت بيانات نشرتها صحيفة «نيويورك بوست» ارتفاع عدد السفن التي عبرت الممر خلال أسبوعين من نحو أربعين سفينة إلى قرابة مئتين، بزيادة قاربت أربعمئة في المئة، كما استخدمت أكثر من ثمانين في المئة من سفن الشحن السائل ممراً مدعوماً من الولايات المتحدة بمحاذاة الساحل العُماني، وهو تطور يعكس قدرة متزايدة على تمرير حركة تجارية خارج الإطار الذي سعت إيران إلى فرضه. ومع ذلك، بقي النشاط البحري عند مستويات أدنى بكثير مما كان عليه قبل الحرب، إذ أشارت تقديرات أخرى إلى أن الحركة لا تزال في حدود خُمس معدلاتها السابقة تقريباً.
وتؤكد بيانات أحدث أن استعادة الملاحة لا تزال جزئية وهشة؛ فقد ذكرت رويترز أن خمس سفن فقط عبرت المضيق، في وقت كان الممر يستوعب قبل الحرب نحو خُمس تجارة النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية. وبذلك فإن الزيادة الكبيرة في النسبة المئوية لا تعني عودة المضيق إلى حالته الطبيعية بقدر ما تعكس ارتفاعاً من مستوى شديد الانخفاض فرضته الحرب والتهديدات المتبادلة والألغام والهجمات على السفن.
المؤشر الأكثر أهمية لا يتعلق بعدد السفن وحده، وإنما بقدرة إيران على تحديد من يمر وبأي شروط. فحين تكون دولة قادرة على إغلاق ممر بحري أو فتحه بإرادتها تكون السيطرة أقرب إلى الاحتكار، أما عندما تمر السفن في مسارات تحظى بحماية أو دعم من قوة منافسة، وتدخل دولة ثالثة في مفاوضات حول إدارة الملاحة وتقاسم العائدات وإزالة الألغام، فإن مفهوم السيطرة يتغير حتى لو بقيت الدولة المطلة على المضيق قادرة على التهديد والتعطيل.
من هنا تكتسب المفاوضات بين إيران وعُمان أهمية تتجاوز الاتفاق التقني على تأمين طريق للسفن. رويترز أفادت بأن الجانبين يبحثان إنشاء «ممر ملاحي مؤقت مشترك»، إلى جانب إزالة الألغام، مع استمرار الخلاف على تفاصيل تتعلق بإدارة المضيق والعائدات، فيما ما زالت طهران تربط فتحه بصورة أوسع بمطالب سياسية واقتصادية تجاه الولايات المتحدة. وجود هذه المفاوضات يعني أن إيران لم تُقصَ من المعادلة، لكنه يعني أيضاً أن مستقبل الملاحة لم يعد قراراً إيرانياً منفرداً، وأن المضيق أصبح ساحة لترتيبات تفاوضية تشترك فيها أطراف أخرى تمتلك مصالح وقدرات لا تستطيع طهران تجاهلها.
بهذا المعنى، تبدو إيران أقرب إلى خسارة احتكار ورقة هرمز فما زالت قادرة على رفع كلفة المرور، والتأثير في قرارات شركات الشحن والتأمين، كما أن استمرار الهجمات والمخاطر الأمنية يعني أن عودة التجارة الطبيعية لا تزال مرتبطة بتوازن عسكري وسياسي هش. غير أن القدرة على تحويل هرمز إلى بوابة مغلقة بالكامل أمام خصومها أصبحت موضع تحدٍّ، خصوصاً مع استمرار فتح مسارات بحرية بديلة داخل المضيق نفسه ووجود جهود لإزالة الألغام وإعادة تنظيم حركة الملاحة.
من البحر إلى الاقتصاد
هذا التحول يفسر جانباً من انتقال الضغط الأميركي إلى الجبهة الاقتصادية. ففي الرابع والعشرين من أغسطس أعلنت واشنطن توسيع العقوبات على إيران، مع التهديد بإجراءات ضد الجهات والدول التي توفر لها قنوات مالية وتجارية تساعدها على الالتفاف على الحصار، ولم تعد العقوبات مقتصرة على النفط أو المؤسسات المرتبطة مباشرة بالدولة الإيرانية، بل امتدت إلى الشحن والذهب والتكنولوجيا والطيران والأصول الرقمية والوسطاء الماليين وشبكات المشتريات. وزارة الخزانة الأميركية أضافت أيضاً عشرات الكيانات والأفراد والسفن إلى قوائم العقوبات، في إشارة إلى محاولة استهداف الشبكة المحيطة بالاقتصاد الإيراني وليس الاقتصاد داخل الحدود الإيرانية فقط.
في هذا السياق يعود العراق إلى الواجهة، ليس لأنه الطريق الوحيد الذي بقي لإيران نحو الخارج، وإنما لأنه يمثل واحدة من أكثر الروابط الاقتصادية تعقيداً بين إيران والنظام المالي الذي تقوده الولايات المتحدة. لطهران حدود برية ومسارات تجارية مع تركيا وباكستان وعُمان وغيرها، كما أن تجارتها لا تعتمد على بوابة عراقية واحدة، ولذلك فإن وصف العراق بأنه «المنفذ الأخير» أو «الوحيد» لا يستند إلى الواقع الجغرافي أو التجاري. غير أن خصوصية العراق تكمن في قربه، واتساع سوقه، وطبيعة العلاقات الاقتصادية والطاقة والروابط السياسية التي تطورت بين البلدين خلال العقدين الماضيين.
تجاوز حجم التجارة العراقية الإيرانية عشرة مليارات دولار في عام 2025 وفق أرقام رسمية نقلتها رويترز، تركز جزء كبير منها في الأغذية والسلع الاستهلاكية الإيرانية المصدرة إلى السوق العراقية، فيما تمثل الطاقة جانباً أكثر حساسية، إذ تقدر المدفوعات العراقية للغاز الإيراني المستخدم في إنتاج الكهرباء بنحو أربعة إلى خمسة مليارات دولار سنوياً. وقد تراجعت التجارة خلال عام 2026 نتيجة الحرب واضطراب الحدود وارتفاع تكاليف النقل، إلا أن البنية الاقتصادية التي ربطت البلدين لم تختفِ، وهو ما يفسر وصف العراق منذ سنوات بأنه إحدى «الرئات الاقتصادية» المهمة لإيران.
هذه الأهمية لا تعني أن بغداد تستطيع ببساطة التحول إلى قناة مفتوحة لكسر العقوبات الأميركية، لأن ما يمنح العراق أهمية لإيران هو نفسه ما يجعله عرضة لضغط واشنطن. الاقتصاد العراقي شديد الارتباط بالدولار، وعائدات النفط تمثل أساس المالية العامة، فيما تمر آليات رئيسية للوصول إلى الإيرادات النفطية والدولار عبر ترتيبات مرتبطة بمصرف الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك. كما يحتفظ العراق بأكثر من مئة مليار دولار من الاحتياطيات في الولايات المتحدة بحسب رويترز، وهو وضع يمنح واشنطن نفوذاً مالياً لا يشبه نفوذها على كثير من شركاء إيران الآخرين.
ولم تبق هذه القدرة الأميركية في حدود التهديد النظري؛ فقد فرضت الإدارات الأميركية المتعاقبة قيوداً وعقوبات على مصارف عراقية اتُّهمت بالمساعدة في تحويل الأموال إلى إيران أو الالتفاف على القيود المالية، كما أفادت رويترز بأن الإدارة الأميركية أوقفت في أبريل شحنة نقدية بقيمة خمسمئة مليون دولار كانت متجهة إلى العراق، واستخدمت أدوات مالية وأمنية للضغط على بغداد بشأن الجماعات المرتبطة بطهران. ومع ذلك تجنبت واشنطن حتى الآن خطوات يمكن أن تؤدي إلى شلل شامل للاقتصاد العراقي، وهو ما يكشف الحدود التي تحكم الطرفين معاً: العراق لا يمتلك حرية كاملة في تحدي النظام المالي الأميركي، والولايات المتحدة لا تستطيع ممارسة أقصى درجات الضغط من دون حساب ما قد يسببه ذلك من اضطراب اقتصادي وسياسي في بلد يمثل شريكاً مهماً لها في المنطقة.
العراق أمام معادلة أكثر تعقيداً من العقوبات
إذا قررت بغداد الالتزام الكامل بأي موجة جديدة من العقوبات، فإن التأثير الأبرز سيكون تضييق قدرة المؤسسات الإيرانية على الاستفادة من السوق العراقية ومن التحويلات والمدفوعات الرسمية، ورفع كلفة التجارة والطاقة بين البلدين، لكن ذلك لن يؤدي بمفرده إلى إغلاق الاقتصاد الإيراني عن العالم. الحدود المشتركة الطويلة والتجارة التقليدية والقنوات غير الرسمية تجعل الفصل الاقتصادي الكامل بين البلدين مسألة شديدة الصعوبة، كما أن العراق نفسه يحتاج إلى إدارة تداعيات أي توقف سريع للتجارة أو لإمدادات الطاقة الإيرانية.
وفي الاتجاه المقابل، فإن تحويل المؤسسات العراقية بصورة منظمة إلى أداة لتجاوز العقوبات سيضع بغداد أمام مستوى مختلف من المخاطر. المسألة عندها لن تقتصر على فرض عقوبات على شركة أو مصرف صغير، وإنما قد تمتد إلى قيود أوسع على الوصول إلى الدولار والتعاملات الدولية، وهو ما يمكن أن ينعكس على القطاع المصرفي والاستيراد وسعر الصرف والثقة بالاقتصاد العراقي. وقد أشار خبراء تحدثوا إلى رويترز إلى أن ضعف العراق لا يأتي فقط من حجم علاقاته التجارية مع إيران، وإنما من اعتماده على البنية المالية التي تقودها الولايات المتحدة وقلة البدائل المتاحة له في حال حدوث مواجهة مالية واسعة.
لهذا تبدو المنطقة الوسطى أكثر انسجاماً مع ما اتبعته بغداد خلال سنوات العقوبات السابقة، حيث تعمل الحكومة على حماية التعاملات الرسمية والوصول إلى الدولار، مع محاولة الحفاظ على مستويات من التجارة والطاقة مع إيران لا تجعل الاقتصاد العراقي في مواجهة مباشرة مع واشنطن. غير أن اتساع العقوبات الثانوية ليشمل قطاعات جديدة وشبكات مالية وتجارية خارج إيران يجعل هذه الموازنة أكثر صعوبة، لأن مساحة التعاملات التي كانت تستطيع المرور سابقاً من دون أن تتحول إلى أزمة سياسية قد تضيق بصورة متزايدة.
ولا تبدو واشنطن بدورها أمام خيار بسيط؛ فنجاح الضغط على العراق لا يقاس بقدرته على إلحاق الضرر بالاقتصاد العراقي، وإنما بقدرته على تقليل استفادة إيران من النظام المالي والتجاري من دون دفع بغداد إلى أزمة نقدية أو سياسية واسعة. الخبرة الأميركية السابقة في التعامل مع المصارف العراقية تعكس هذا التوازن، إذ فرضت عقوبات وانتزعت إجراءات امتثال أكثر صرامة، لكنها أبقت أكبر قنوات الاقتصاد العراقي مفتوحة، لأن إغلاقها يمكن أن يزعزع دولة تعتمد موازنتها بدرجة كبيرة على النفط وعلى قدرتها المستمرة في الوصول إلى النظام المالي الدولي.
هرمز لا يمكن تعويضه بحدود العراق
حتى في حال تعرض قدرة إيران البحرية إلى مزيد من التراجع، لا يستطيع العراق أن يكون بديلاً اقتصادياً عن مضيق هرمز بالمعنى الكامل. الممر البحري كان قبل الحرب طريقاً لنحو خُمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية، وتتحرك عبره ناقلات قادرة على نقل كميات لا يمكن لشبكات الطرق والمعابر البرية استيعاب ما يماثلها، بينما يؤدي العراق وظيفة مختلفة تقوم أساساً على التجارة البرية، وتبادل السلع والطاقة، وتوفير سوق قريبة، وإتاحة قنوات مالية كانت إيران تستفيد منها بدرجات متفاوتة.
لذلك فإن ضعف النفوذ الإيراني في هرمز لا يؤدي آلياً إلى تحول العراق إلى «منفذ وحيد»، وإنما يزيد أهمية جميع الروابط التي تستطيع طهران استخدامها لتقليل آثار العزلة. ويصبح العراق في هذه الحالة أكثر قيمة لإيران، لكنه يصبح أيضاً أكثر انكشافاً أمام الولايات المتحدة؛ فكلما ارتفعت أهمية السوق والمصارف العراقية في حسابات طهران، ازدادت احتمالات أن تركز واشنطن رقابتها عليها وأن تستخدم الوصول إلى الدولار والقطاع المالي كوسيلة لردع أي محاولة ممنهجة للالتفاف على العقوبات.
الصورة التي تتشكل عند جمع التطورات البحرية والاقتصادية لا تشير إلى انتقال السيطرة الكاملة على مضيق هرمز من طرف إلى آخر، وإنما إلى تآكل قدرة إيران على التعامل معه باعتباره ورقة يمكن استخدامها بصورة منفردة. ارتفاع حركة السفن وظهور ممرات لا تخضع بالكامل للشروط الإيرانية والمفاوضات مع عُمان حول إدارة الملاحة كلها تقلص هامش القرار الأحادي لطهران، إلا أن استمرار المخاطر الأمنية وضعف الحركة مقارنة بفترة ما قبل الحرب يثبتان أن إيران لا تزال لاعباً أساسياً في أمن المضيق، وأن الحديث عن انتهاء دورها سابق لأوانه.
وفي الجهة الأخرى، لا يمثل العراق الباب الأخير المتبقي أمام الاقتصاد الإيراني، لكنه يبقى من أكثر الأبواب حساسية بسبب حجم التجارة، واعتماد بغداد على بعض إمدادات الطاقة الإيرانية، وتشابك المصالح المالية والسياسية بين البلدين.
غير أن قدرة العراق على استخدام هذه العلاقة لمساعدة طهران في كسر حصار اقتصادي واسع تصطدم بحقيقة أن بغداد نفسها تعتمد على الوصول إلى الدولار وعلى نظام مالي دولي تستطيع الولايات المتحدة التأثير فيه بدرجة كبيرة.
المواجهة، بناء على ذلك، لم تعد تدور فقط حول الجهة التي تستطيع وضع سفينة في مضيق هرمز أو منعها من المرور، بل حول قدرة كل طرف على إبقاء شبكته الاقتصادية مفتوحة من دون تحمل كلفة تفوق قدرته على الاحتمال. إيران لم تفقد المضيق، لكنها تواجه تحدياً متزايداً في احتكار استخدامه كورقة ضغط، والعراق لم يصبح منفذها الوحيد، لكنه يجد نفسه أقرب من أي وقت مضى إلى نقطة التماس بين حاجات جار يخضع لحصار متصاعد ونظام مالي دولي لا يملك الاقتصاد العراقي ترف الانفصال عنه.