مركز آدم ناقش... الحق في النسيان الرقمي
مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات
2026-09-16 04:19
ناقش مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات موضوعًا تحت عنوان «الحق في النسيان الرقمي»، بحضور عدد من الأساتذة ومديري المراكز البحثية والأكاديميين المختصين. وقد جاء في الورقة التي تلاها الأستاذ الدكتور حسين تاج، الباحث في مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات، ما يأتي:
الحق في النسيان يُعتبر ميزة للفرد، سواء على الصعيد الشخصي أو الاعتباري، حيث تُمنح الشركات القدرة على الإدارة الكاملة لبياناتها الرقمية وآثارها، بما في ذلك خيار حذفها كليًا أو جزئيًا، ومنع الآخرين من الوصول إليها أو معالجتها دون موافقة واضحة. الهدف الأساسي من هذا الحق هو حماية الخصوصية الرقمية والحفاظ على الكرامة الإنسانية. فالجميع قد يرتكب الأخطاء، لكن من حق أي شخص يبدأ فصلًا جديدًا في حياته أن تُزال البيانات التي قد تسيء إليه. هذه البيانات يمكن أن تشمل اسم الشخص، والصور المرتبطة به، وحتى أرقام الهواتف؛ إذ يُعتبر من حق الفرد المطالبة بإزالة أرقام الهواتف المنشورة دون موافقته الصريحة، وأي تفاصيل عن حياته الخاصة أو العائلية.
ومع ذلك، ثمة استثناء ملموس في بعض الدول الأوروبية، حيث لا يُسمح للأشخاص العاملين في الحياة السياسية أو الذين يشغلون مناصب حكومية بالمطالبة بحذف بياناتهم القديمة. والسبب في ذلك هو حق الناخبين في الاطلاع على تاريخ وسيرة هذا الشخص، سواء أكانت إيجابية أم سلبية. هذا الحق مخصص للأفراد العاديين الذين لا يشغلون مناصب حكومية أو سياسية.
كذلك، يمتد هذا الحق ليشمل البيانات المتعلقة بالموقع الجغرافي. على سبيل المثال، لا ينبغي نشر مكان وجود شخص ما على منصات التواصل الاجتماعي أو محركات البحث دون موافقته.
أحيانًا نقوم بتفعيل نظام تحديد المواقع GPS، ويجب ألا يكون ذلك مرتبطًا بواجهة عامة تُظهر للآخرين مكان وجود الشخص أو بياناته. كذلك الحال بالنسبة إلى ملفات الكوكيز التي تظهر عند زيارتنا لموقع إلكتروني، حيث نرى في البداية قائمة تسأل عما إذا كنا نوافق على استخدام الكوكيز أم لا. ملفات الكوكيز تقدم للشركة المشغلة للموقع ملخصًا عن اهتمامات المستخدمين. مثلًا، إذا كنت أتابع الأخبار السياسية باستمرار، فستظهر لي إعلانات تتعلق بالسياسة ضمن صفحتي، وإذا كنت مهتمًا بالرياضة، فستظهر لي إعلانات رياضية. من حقي كمستخدم أن تظهر هذه القائمة من البداية لأختار الموافقة أو الرفض. لكن بعض الشركات تُفعِّل الكوكيز فور دخولنا إلى الموقع دون موافقتنا، وهذا يعني أنها تعرف معلومات عنا دون إذن.
إذا أردنا النظر في هذه المسألة من الزاوية القانونية، نجد أن دول الاتحاد الأوروبي تُعتبر الأفضل في مجال حماية الحق في النسيان الإلكتروني. بينما في الولايات المتحدة، تميل الغلبة نحو الحرية الشخصية، لكن الحرية المطلقة قد تؤدي إلى انتهاكات. اللائحة الأوروبية توفر قواعد واضحة، إذ تطرح السؤال حول ما إذا كان حذف البيانات يتم تلقائيًا أو يستلزم طلبًا من الشخص المعني. على سبيل المثال، إذا قمت بشراء عقار ما ودفعت أقساطه بالكامل، ينبغي أن تُحذف البيانات المتعلقة بهذه العملية تلقائيًا من سجلات الشركة.
في اللائحة الأوروبية، بعد دفع الأقساط وتحويل السند بشكل كامل إلى المالك الجديد، يجب حذف هذه البيانات. وبالرغم من أن البيانات غير متاحة للعامة، هناك خطر من أن يتمكن القراصنة من الوصول إليها بطرق معينة، أو أن يقوم المحاسب المسؤول بتسريبها إلى أطراف أخرى. لذلك، تلتزم اللائحة الأوروبية بأن تحدد كل شركة موعدًا لحذف هذه البيانات تلقائيًا. على سبيل المثال، إذا كنت مريضًا في مستشفى وتم جمع بياناتك الشخصية، فمن الضروري حذفها بعد فترة معينة عقب انتهاء العلاج والخروج من المستشفى، لحماية خصوصيتك ومنع استخدام معلوماتك بطريقة ضارة.
إذا لم تحذف الشركة البيانات كما هو مطلوب، يمكنك تقديم طلب خلال 30 يومًا أو رفع شكوى إدارية إلى هيئة حماية البيانات الوطنية. هذه الهيئة تتولى مخاطبة الشركة، وإذا لم تلتزم، تُفرض عليها غرامات تجبرها على الحذف. وبناءً على سياسة الاتحاد الأوروبي الصارمة، تُلزم شركات مثل جوجل وإنستغرام وفيسبوك بحذف أي بيانات قد تضر بالشخص ضمن مهلة محددة. ونتيجة لذلك، فرض الاتحاد الأوروبي غرامات بمليارات الدولارات على فيسبوك وبعض الشركات الأخرى.
بالإضافة إلى ذلك، وسعت محكمة العدل الدولية نطاق الحذف ليشمل إزالة الصور المصغرة والنتائج المرئية في محركات البحث، إلى جانب النصوص المرتبطة بالشخص، وذلك لحماية الخصوصية بشكل أكبر.
أما بالنسبة إلى الوضع القانوني في العراق، فإنه يهمنا أن دستور 2005 يتضمن عددًا من المواد، مثل المواد 15 و17 و29، التي تكفل الحرية والأمن والخصوصية الشخصية، بالإضافة إلى حماية الأطفال والأسرة. ومع ذلك، تعلمون أن مجرد وجود مادة دستورية ليس كافيًا؛ إذ يجب أن يكون هناك تشريع مفصل لمعالجة هذه القضايا. بعبارات أخرى، هناك فراغ قانوني في العراق فيما يتعلق بالتشريعات التي تعالج هذه المسائل بشكل دقيق.
على سبيل المثال، يوجد قانون العقوبات العراقي رقم 111، الذي يشمل المادة 433 المتعلقة بالقذف والسب، بالإضافة إلى مواد أخرى تتعلق بإفشاء الأسرار وانتهاك حرمة الحياة الخاصة. لكن هذه التشريعات لا تحتوي على التفاصيل المتوافرة في اللوائح الأوروبية.
القانون المدني يتناول هذه القضايا أيضًا من خلال ما يُعرف بالمسؤولية التقصيرية. والمسؤولية تُقسم إلى نوعين: تعاقدية وتقصيرية. فعندما لا يكون هناك عقد بين الشخص والشركة، فإن ذلك لا يعطي الشركة الحق في نشر بياناته إذا تسبب ذلك له بضرر. في مثل هذه الحالات، يمكن للشخص المتضرر رفع دعوى استنادًا إلى المسؤولية التقصيرية إذا كان الضرر واضحًا أمام القضاء. وعادة ما تأخذ المحكمة بهذا الأمر إذا كان الضرر ماديًا أو معنويًا وواضحًا.
وللمزيد من النقاش، تم طرح الأسئلة الآتية:
السؤال الأول: لماذا، إلى اليوم، لم تتمكن المؤسسات العامة في العراق من تمكين المواطن العراقي من إعمال كامل حقه في الخصوصية الرقمية والنسيان الرقمي؟
السؤال الثاني: كيف يمكن تغيير النظرة إلى الحق في النسيان الرقمي من مجرد محو للبيانات أو المعلومات الخاصة إلى حق أصيل في رد الاعتبار الشخصي، يمكن المطالبة به قضائيًا إن استحال على الفرد؟
المداخلات
- الشيخ مرتضى معاش:
تُعتبر قضية النسيان الرقمي مسألة ترتبط بمشكلة احتكار المعلومات وسيطرة الشركات الكبرى على هذا المجال. في الوقت الحاضر، تستند هيمنة هذه الشركات إلى التحكم بالمعلومات، ومن ثم يصبح الذكاء الاصطناعي جزءًا من هذه العملية، حيث يقوم بجمع المعلومات عالميًا واحتكارها، مما يجعله المصدر الأساسي لها. لذا، من مصلحة تلك الشركات ألا يتم تطبيق مفهوم الحق في النسيان الرقمي؛ لأنه يتيح للأفراد حق الخصوصية والحرية في التحكم بمعلوماتهم الشخصية، مما قد يؤثر سلبًا على مصالح الشركات الكبرى.
من القضايا المهمة المرتبطة بالنسيان الرقمي والخصوصية سيطرة الخوارزميات. فتلك الخوارزميات تتسلل خفية إلى حياة الأفراد، متلاعبةً بنفسياتهم ومهيمنةً على مسار شخصياتهم. فعندما يدخل شخص، بالصدفة، إلى موضوع معين دون نية متابعة مواضيع أخرى، تقوم الخوارزميات بإغراقه بمحتوى ذي صلة بشكل مستمر. على سبيل المثال، إذا بحث شخص عن شراء بيت لمجرد الاطلاع، تبدأ الخوارزميات في تقديم إعلانات متكررة عن العقارات، مما يُعد خرقًا لمفهوم النسيان الرقمي؛ لأنه لا يرغب في أن يكون محاطًا بما يمكن تسميته بـ«ذاكرة تشبه الأخطبوط» تسيطر على حياته.
علاوة على ذلك، يمكن أن يكون لهذه الظاهرة تأثير خطير على الأطفال الذين قد ينجرفون في عوالم محددة تتحكم فيها الخوارزميات، التي قد تعرضهم لأفكار سيئة أو مضللة، مما يضر بنمو شخصياتهم ويسبب لهم اضطرابًا نفسيًا.
في موارد أخرى، تُتناول الحماية من «اقتصاد الإزعاج». هذا الاقتصاد هو مفهوم قديم في العالم الرأسمالي يتعلق بإرسال كميات كبيرة من الرسائل والإعلانات والمجلات الترويجية عبر الخوارزميات. ويُعد ذلك انتهاكًا لخصوصية الفرد وغيابًا لحق النسيان الرقمي، حيث يُفترض أن يتمتع الشخص بخصوصية في مواضيع يختارها بنفسه دون فرض خارجي.
كما ذُكر في قضية الكوكيز، تواجهنا مشكلة الشروط والأحكام التي يوافق عليها الأفراد دون أن يكونوا على دراية بمعناها المعقد، مما يتطلب فريقًا من المحامين لفهمها. وهذا يعني أن الأشخاص يجدون أنفسهم مرتبطين بعالم لا علاقة لهم به.
أما بخصوص قضية النسيان الرقمي، فهي مشكلة لا تخص العراق وحده، حيث يُعد العراق جزءًا من معادلة عالمية أوسع، ولا يمكنه التحكم في مسار المعلومات الموجودة غالبًا على خوادم في دول كبرى مثل الولايات المتحدة. لذا، لا يمكن تتبع هذه القضية قانونيًا؛ بل هي قضية ثقافية وأخلاقية تحتاج إلى تغيير في الثقافة العالمية وتوعية رقمية، حتى لا يقع الشخص في مشاكل بسبب منشور أو تغريدة تمت كتابتها.
بعض الدول العربية، بدأت بالبحث في التغريدات القديمة على تويتر، واعتقلت بعض الأفراد الذين كتبوا هذه التغريدات، ووصل الأمر إلى الإعدام في بعض القضايا. هذه الممارسات تُعتبر انتهاكًا لحقوق الإنسان المرتبطة بحرية التعبير. فالحق في النسيان الرقمي لا يعني مجرد محو آثار الشخص القديمة، بل يهدف إلى حماية الأفراد من ملاحقة المعلومات التي قد تسبب لهم المتاعب مع الحكومات.
مع ذلك، يمكن للنسيان الرقمي أن يحمل جانبًا إيجابيًا عند النظر إلى سيرة المرشح في الانتخابات أو من يُرشح لمناصب حكومية، إذ يمكّن الناخبين من الاطلاع على ماضي المرشح والقرارات السابقة التي اتخذها. هذه الشفافية قد تؤثر على سمعته وفرص نجاحه. النسيان الرقمي يحمل إيجابيات وسلبيات تتطلب توازنًا دقيقًا بين حماية الفرد وبين الشفافية المجتمعية.
- علي حسين عبيد؛ كاتب في شبكة النبأ المعلوماتية:
بالنسبة إلى السؤال الأول، ندرك أن العراقيين يواجهون نواقص في عدة مجالات، وهي في الغالب بسيطة مقارنة بموضوع مثل «الحق في النسيان الرقمي». لذلك، من المحتمل أن معظم العراقيين ليس لديهم المعرفة الكافية لفهم مثل هذه المواضيع، مما يجعل اهتمامهم بها محدودًا أو غير موجود تقريبًا.
شخصيًا، عندما أستخدم محرك البحث جوجل، أُطالب في بعض الأحيان بعرض سيرة ذاتية سريعة عن علي حسين عبيد، تتضمن معلومات أدبية مثل البريد الإلكتروني وبعض القضايا الشخصية مثل رقم الهاتف. هذه المعلومات قد تكون موجودة منذ 10 إلى 15 عامًا ولا تُزال بسهولة. ولا ينحصر ذلك في الأدباء فقط، بل يشمل الموظفين وغيرهم أيضًا. هنا تكمن مشكلة وإشكالية حقيقية.
أما بالنسبة إلى السؤال الثاني حول كيفية تغيير النظرة إلى الحق في النسيان الرقمي، فإن هذا يتطلب جهودًا توعوية وتثقيفية على مستوى كبير بين الشعب العراقي. حتى عند طرح هذا الموضوع على شبكات التواصل الاجتماعي ومحاولة جمع آراء واستشارات حوله، يكون التفاعل ضعيفًا؛ لأنه لا يُعتبر مهمًا بالنسبة إلى الكثيرين، نظرًا إلى ثقافة الشعب ومستوى التطور الإلكتروني والثقافي العام. لكن من وجهة نظرنا، هذا الموضوع شديد الأهمية، ويجب أن يتم فهمه والعمل عليه بجدية.
- أحمد جويد؛ مدير مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات:
تُعتبر مسألة الحق في النسيان الرقمي محاطة بمجموعة من التحديات، منها التحكم في الخوادم العالمية، خاصة تلك الموجودة في الولايات المتحدة والتي تُدار عبر تقنيات مثل الواي فاي. هذه الخوادم تشمل أيضًا المؤسسات الخاصة، مثل المستشفيات، حيث قد تحتوي قواعد البيانات على معلومات تفيد المرضى في المستقبل. على سبيل المثال، إذا تعرض شخص ما لوعكة صحية مستقبلًا، يمكن للأطباء الرجوع إلى بياناته السابقة لإجراء تشخيص دقيق.
وفي الوقت ذاته، يمتلك الأفراد الحق في الحفاظ على خصوصية معلوماتهم الطبية، تمامًا كما يحدث في العلاقة بين المحامي والموكل، حيث تبقى القضايا شخصية وسرية. من هنا يأتي جدل الخصوصية مقابل الفائدة الطبية؛ فمن جهة، يمكن أن تسهم البيانات الصحية المخزنة في التشخيص المستقبلي السريع والدقيق، ومن جهة أخرى، يظل من حق الأفراد منع أي طرف غير موثوق من الاطلاع على حالتهم الصحية، لا سيما إذا كانت تتعلق بمشاكل صحية حساسة يتمنون أن تبقى سرية.
تتمثل المشكلة في العالم الرقمي الكبير في صعوبة التحكم بالمعلومات المنتشرة على الإنترنت، حيث قد تبحث عن موضوع معين وتجد معلومات عن أشخاص آخرين. هذا الواقع تسيطر عليه جهة واحدة، مما يصعّب الأمور على الدول في المواجهة. أستطيع أن أشبه مجموعة من الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي بأولئك الذين، في شبابهم أو مراهقتهم، يقدمون محتوى غير لائق لجذب المشاهدات أو الضحك. ومع مرور الوقت، قد يدرك هؤلاء الأفراد خطأ نهجهم ويحاولون تحسين سلوكهم وتقديم محتوى هادف.
ومع ذلك، يواجهون انتقادات بسبب ماضيهم الذي يظهر على تلك المنصات، حيث يتم استحضار مقاطعهم القديمة لمواجهة مرحلتهم الحالية كنقاد أو واعظين. يعود الناس إلى الماضي وينسون الحاضر، مما يشبه إلى حد ما قضية الاستغفار. الإنسان المهتم بمحو ذنوبه يتوجه إلى الله طالبًا الرحمة والمغفرة، والله يغفر ويستر. لكن في العالم الرقمي، تبقى المعلومات متاحة، وقد تُباع بين طرف وآخر.
من الصعب السيطرة على هذه القضايا، ومع نضوج الفكر والعقل، يحاول الشخص تحسين مسيرته، إلا أن الماضي الرقمي يظل حاضرًا. لا أعلم كيف ستتعامل الأجيال المقبلة مع هذه التحديات: هل سيتحمل الفرد تبعات مراهقته وطفولته؟ وكيف يمكن التخلص من هذه التأثيرات؟
- الدكتور حسين سرحان؛ باحث في مركز الفرات للدراسات الستراتيجية:
أعتقد أن مفهوم النسيان الرقمي يعبر عن الحق في الخصوصية. بالنسبة إلى الخوادم، فهي مجرد أدوات لتخزين وتبادل المعلومات، ولا يُفترض بها تخزين معلوماتك الشخصية. هذه التفاصيل تحفظها مواقع الشبكة الرقمية. أما بالنسبة إلى منصات مثل فيسبوك وتويتر وغيرها من الشركات الخاصة، فالحال مختلف. في العراق، لا توجد بنية مؤسسية متكاملة لكل شيء، إذ لدينا فقط هيئة الإعلام والاتصالات ووزارة الاتصالات. لذا، أرى أن تعزيز الحق في الخصوصية يُعتبر إطارًا جيدًا، والعراق بحاجة إلى مزيد من الانفتاح على مثل هذه الثقافة.
- حسين علي عبيد؛ باحث في مركز الفرات للدراسات الستراتيجية:
بالنسبة إلى السؤال الأول، يمكن إرجاع الأمر إلى مجموعة من الأسباب.
أولًا، هناك غياب لتشريع متكامل يحمي البيانات الشخصية. في العراق، نعاني من هشاشة القضاء والجانب التشريعي الموجود لدينا، لذا حتى إذا طالبت بحق حماية بياناتك، لا يوجد نص دستوري أو نظام محدد يضمن لك هذا الحق.
ثانيًا، تتعدد الجهات المسؤولة مع ضعف التنسيق بينها. على سبيل المثال، عند المطالبة بحذف أو تعديل أي شيء، قد تحتاج أولًا إلى الذهاب إلى وزارة الاتصالات، ثم وزارة الإعلام، وبعدها وزارة الداخلية، وأخيرًا القضاء. هذه السلسلة المرهقة من الوزارات التي يجب عليك التواصل معها للحصول على حقك تُعتبر مشكلة كبيرة في مؤسسات الدولة.
ثالثًا، لدينا محدودية في القدرة على مواجهة الشركات والمنصات الرقمية العالمية. حتى لو صدر أمر قضائي من الجانب العراقي لحذف منشور أو محتوى معين، فإنه ليس لدينا ما يُلزم الدول الخارجية بتنفيذ هذا الأمر. لذلك، نحن بحاجة إلى قوة قضائية في التعامل مع الخارج.
رابعًا، هناك ضعف في الوعي الرقمي وآليات الإنصاف. المشكلة تكمن في إمكانية انتشار إشاعة عن شخص معين بسبب الذكاء الاصطناعي، بما يسبب له ضررًا مستمرًا؛ حيث يميل الناس إلى تصديق ما يرونه دون التحقق من حقيقته.
هذه هي مجموعة المشكلات التي تعيق تحقيق الحق الكامل في الخصوصية الرقمية.
أما بالنسبة إلى السؤال الثاني، فإن الخطوة الأولى لإثبات حق النسيان الرقمي تكمن في اعتباره جزءًا من حماية الكرامة والخصوصية. على سبيل المثال، قد يُتهم شخص بارتكاب جريمة، ولكنه يثبت براءته فيما بعد؛ ومع ذلك، يمكن أن تستمر نتائج الإنترنت في نشر معلومات غير صحيحة حول ارتكابه للجريمة. وعند البحث عن اسمه، قد تظهر هذه الادعاءات الخاطئة، رغم أن المحكمة قضت ببراءته.
النقطة الثانية تتعلق بتحقيق التوازن بين النسيان الرقمي وحرية التعبير والمصلحة العامة. علينا التفريق بين هذه المفاهيم الثلاثة: في أي حالات يمكن ممارسة حق النسيان الرقمي؟ وفي أي ظروف تُعتبر المعلومات المتداولة حرية تعبير مشروعة؟ ومتى تدخل ضمن نطاق المصلحة العامة للبلد؟
أخيرًا، يجب أن يشمل رد الاعتبار تعويض المتضرر، وهذا لا يقتصر فقط على الحذف. فالضرر يمكن أن يكون ماديًا أو معنويًا، وغالبًا ما يكون الضرر المعنوي أكثر صعوبة في التعويض عنه مقارنة بالضرر المادي الذي يمكن تعويضه بالمال. معالجة الحالة النفسية للشخص المتضرر ليست بالأمر الهيّن. لذا، يجب على الدولة وضع آليات لتنفيذ هذه الجوانب لضمان الحق في النسيان الرقمي بشكل فعّال.
- حيدر الأجودي؛ باحث في مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية:
عند مناقشة مفهوم «الحق في النسيان»، لا نشير فقط إلى حذف صورة أو منشور بعينه، بل نتحدث عن مفهوم العدالة الزمنية للإنسان. النسيان يُعد شرطًا أساسيًا للنظرة الأخلاقية التي تسمح للشخص بالعودة إلى ذاته وإعادة بناء نفسه والتوبة. إنه أمر إيجابي أن يتمكن الشخص من نسيان ماضي الآخرين.
في الوقت الحاضر، باتت الخوارزميات تتحكم بشكل كامل في حياة الإنسان الرقمي، بغض النظر عن الفئة العمرية أو المكان والزمان الذي تم فيه نشر المحتوى. أصبح هذا أشبه بسجن يهدد الإنسان الرقمي في أية لحظة، سواء من الماضي أو الحاضر. في العراق، المشكلة ليست فقط تقنية، بل تتعلق بالفوضى الرقمية الموجودة في البلاد. فالعديد من الوثائق، بما في ذلك ما تنشره المؤسسات الحكومية، يتم تداولها بشكل علني، حتى وإن كانت خاصة أو سرية، عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
كما أن ضعف السيادة الرقمية في البلد يمثل مشكلة حقيقية، حيث لا توجد قوانين أو نظم للحد من هذه الظواهر. أعتقد أنه من الضروري وضع تشريعات للتعامل مع هذه الأمور، لإعطاء المزيد من الخصوصية للأفراد.
- نبيل خالد مخلف؛ باحث وكاتب:
فيما يخص السؤال الأول، فإن القصور يعود إلى تداخل ثلاث إشكاليات رئيسة:
1- إشكالية تشريعية: غياب قانون خاص بحماية البيانات الشخصية يتوافق مع المعايير الدولية، مثل ركيزة (GDPR)، واكتفاء النصوص الجزائية الحالية بتجريم الاختراق دون تنظيم حق المحو أو التصحيح، مما يُبقي الحق في النسيان في منطقة رمادية غير قابلة للإلزام.
2- إشكالية سيادية وتقنية: منصات التواصل الاجتماعي ومحركات البحث تخضع لقوانين بلدان المقر، مما يجعل الأوامر القضائية العراقية غير نافذة بحكم الأمر الواقع، وكذلك غياب آليات التعاون الدولي أو الضغط الدبلوماسي المؤثر، إضافة إلى محدودية القدرات التقنية لهيئة الإعلام والاتصالات في تتبع البيانات أو فرض الحذف التقني.
3- إشكالية وعي مؤسسي: تتمثل في هيمنة النظرة الأمنية على التعامل مع الفضاء الرقمي على حساب النظرة الحقوقية، مما أدى إلى تهميش دور المؤسسات في بناء سياسات رقمية تركز على الفرد كصاحب حق، لا كمجرد مستهلك أو متلقٍ للخدمة.
أما فيما يخص السؤال الثاني، فإن تحويل هذا الحق من كونه عملية تقنية إلى قيمة قانونية-إنسانية يتطلب منهجيًا:
1- إعادة البناء الفلسفي للحق: تجاوز التصور الضيق للحق في الخصوصية كـ«حق في الستر» إلى مفهوم أوسع هو «الحق في الهوية الرقمية المتجددة»، باعتبار أن استمرار المعلومة المغلوطة أو المنقضية يخلق «وصمة رقمية» تعطل إعادة الاندماج الاجتماعي والمهني، مما يجعله امتدادًا لمبدأ الكرامة الإنسانية واستعادة السمعة.
2- التكييف القضائي المستقل: النص صراحة في التشريع المرتقب على أن دعوى النسيان الرقمي ليست دعوى تعويض عن ضرر فحسب، بل هي دعوى عينية تهدف إلى إزالة الأثر المادي للمعلومة، أي الحذف، والأثر المعنوي، أي رد الاعتبار، مع جواز اللجوء إلى القضاء المستعجل لوقف الضرر قبل الفصل في الموضوع، أسوة بدعاوى المنع في القانون المدني.
3- آلية تنفيذ مبتكرة: إلزام هيئة الإعلام والاتصالات بإنشاء سجل وطني للمطالبات المحققة، تتولى بموجبه مخاطبة المنصات العالمية بصفتها صاحبة مصلحة عامة، مع إمكانية التعاقد مع وسطاء تقنيين دوليين لتنفيذ قرارات الحذف، على أن يُعد عدم الامتثال ممارسة تجارية غير عادلة تخضع للعقوبات الاقتصادية المحلية، مما يمنح القرار العراقي وزنًا تنفيذيًا.
اختتم الباحث في مركز آدم، الدكتور حسين تاج، بالقول:
في هذه الندوة، تمت مناقشة كيف يمكن للعراق إلزام شبكات التواصل الاجتماعي، مثل جوجل وغيرها، بحذف البيانات. إذا تقدمت بطلب إلى جهة معينة، فمن الضروري أن تخاطب الجهة المعنية الموقع المطلوب. هنا يمكن للعراق أن يهدد بحجب هذا الموقع الإلكتروني في حال عدم استجابته. ونلاحظ أن قضية حجب تطبيق تيليجرام كانت مهمة، بغض النظر عن السبب الظاهري أو الحقيقي وراء الحجب، الذي استمر لفترة طويلة وسبب أضرارًا للعديد من الأفراد والمجموعات. وأوضحت الحكومة العراقية أن تيليجرام استجاب لطلبات الحكومة العراقية، بغض النظر عن ماهية هذه الطلبات. وهذا يوضح أن موضوع الحجب هو أداة مهمة، وربما السلاح الوحيد للحكومة العراقية في التعامل مع مثل هذه المواقع.