مئة يوم من حكومة الزيدي.. قراءة غربية في اختبار الدولة أمام السلاح والفساد

شبكة النبأ

2026-08-24 05:11

من واشنطن إلى بغداد، يراكم رئيس الوزراء العراقي رصيداً سياسياً سريعاً وفتح ملفات تجنبتها حكومات سابقة، لكن القراءة الغربية للمئة يوم الأولى تفصل بين جرأة البداية والقدرة على تغيير منظومة تتداخل فيها الدولة مع الأحزاب والسلاح والمصالح الاقتصادية.

حين حصلت حكومة علي الزيدي على ثقة البرلمان في 14 أيار 2026، لم تكن المئة يوم الأولى مجرد مهلة تقليدية تمنح لحكومة جديدة قبل بدء المحاسبة السياسية، فقد وصل الرجل إلى رئاسة الوزراء وسط حرب إقليمية أربكت الاقتصاد العراقي، وأغلقت مضيق هرمز أمام الجزء الأكبر من صادرات البلاد النفطية، ووضعت بغداد مرة أخرى بين الولايات المتحدة وإيران، فيما بقيت ملفات السلاح خارج سيطرة الدولة والفساد والمحاصصة والاعتماد شبه الكامل على النفط من دون حلول حاسمة تراكمت عبر حكومات متعاقبة. وعندما اكتملت المئة يوم في 22 آب، لم يكن النقاش الغربي حول الزيدي منصباً على عدد القرارات التي أصدرها بقدر ما كان يدور حول قدرته على تحويل اندفاعته الأولى إلى تغيير في الطريقة التي تعمل بها الدولة نفسها.

هذه المقاربة تبدو واضحة في تقييمات مؤسسات وصحف غربية تناولت تجربته من زوايا مختلفة؛ فـ«رويترز» وثقت إجراءات غير مألوفة في ملف الفساد، و«فايننشال تايمز» تابعت محاولته إعادة بناء العلاقة مع واشنطن وسط شكوك حول قدرته على الوفاء بالتزاماته الأمنية، بينما نظر «تشاتام هاوس» البريطاني إلى مشروع حصر السلاح باعتباره فرصة استثنائية قد تتيحها التحولات الإقليمية، من دون أن يرى حتى الآن ما يكفي للقول إن البنية السياسية التي أعاقت الحكومات السابقة قد تبدلت. أما مؤسسة «كونراد أديناور» الألمانية فقد قدمت قراءة أكثر تركيباً، ترى أن افتقار الزيدي إلى حزب وقاعدة برلمانية يمنحه قدراً من الحرية عندما يكون القرار بيد السلطة التنفيذية، لكنه يتحول إلى نقطة ضعف عندما يحتاج الإصلاح إلى أصوات البرلمان أو إلى مواجهة مصالح قوى تمتلك نفوذاً سياسياً ومسلحاً في الوقت نفسه.

واشنطن رفعت سقف الاختبار

زاد لقاء الزيدي بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب في البيت الأبيض، في 14 تموز، من حجم التوقعات التي ستلاحق حكومته، إذ لم تبق مسألة حصر السلاح شأناً عراقياً داخلياً فحسب، بل تحولت إلى أحد العناصر التي ستحدد مستقبل العلاقة بين بغداد وواشنطن. وأظهرت أسوشيتدبرس أن اللقاء اتسم بحرارة شخصية لافتة من جانب ترامب، بينما كان الملف الأمني حاضراً بوضوح، ولا سيما التعهد العراقي بمعالجة سلاح الفصائل المرتبطة بإيران ضمن مسار يصل إلى محطة 30 أيلول. كما قدم الزيدي نفسه في مقال نشرته صحيفة «واشنطن بوست» قبل زيارته باعتباره رئيس حكومة يريد إعادة احتكار القوة المشروعة إلى الدولة وتعزيز حكم القانون وفتح العراق بصورة أوسع أمام الاستثمارات الأمريكية.

غير أن الصحافة الغربية لم تتعامل مع العلاقة الجيدة بين الرجلين باعتبارها دليلاً بحد ذاته على قدرة الحكومة العراقية على الوفاء بما التزمت به. فقد رأت «فايننشال تايمز» أن الزيدي نجح في تقديم نفسه لواشنطن بوصفه شريكاً يمكن العمل معه، واستفاد من خلفيته كرجل أعمال ومن العلاقة الشخصية الإيجابية مع ترامب، لكنها نقلت في الوقت نفسه شكوكاً بشأن واقعية الوعود المتعلقة بتجريد الفصائل الموالية لإيران من السلاح، لأن هذه القوى ليست تشكيلات عسكرية منفصلة عن النظام السياسي يمكن حلها بقرار إداري، وإنما تمتلك تمثيلاً سياسياً وموارد اقتصادية وقدرة على التأثير داخل مؤسسات الدولة نفسها.

هنا تبرز إحدى المفارقات التي طبعت المئة يوم الأولى؛ فقد استطاع الزيدي أن يرفع مستوى التوقعات الخارجية بوتيرة أسرع من قدرة النظام العراقي على إنتاج النتائج، بحيث أصبح مطالباً أمام واشنطن بإظهار انتقال فعلي في ملف السلاح، وأمام الداخل العراقي بإثبات أن التقارب مع الولايات المتحدة لا يعني نقل مركز التأثير على القرار العراقي من عاصمة خارجية إلى أخرى، بل تعزيز قدرة بغداد على اتخاذ قراراتها بصورة مستقلة.

مكافحة الفساد: الملف الذي ظهرت فيه النتائج الأسرع

إذا كان ملف السلاح لا يزال مفتوحاً، فإن مكافحة الفساد قدمت للحكومة خلال المئة يوم الأولى أكثر الأدلة وضوحاً على انتقالها من الخطاب إلى التنفيذ. ففي 28 حزيران، وثقت «رويترز» حملة اعتقالات طالت 47 شخصاً من السياسيين وأعضاء البرلمان والمسؤولين الحكوميين، ونفذت وحدات من جهاز مكافحة الإرهاب بعض المداهمات داخل المنطقة الخضراء شديدة التحصين، في مشهد نادر في الحياة السياسية العراقية بالنظر إلى الحماية التي تمتعت بها شخصيات نافذة خلال مراحل سابقة.

لم تتوقف الحكومة عند الاعتقالات، فقد أصدر الزيدي في آب توجيهات بفرض رقابة مسبقة على العقود الحكومية، بحيث لا يتم إبرام بعض العقود قبل مراجعتها من أجهزة الرقابة المختصة، في محاولة لنقل أدوات مكافحة الفساد من تعقب الأموال بعد هدرها إلى منع الخلل قبل توقيع العقود. وجاء الإجراء بعد قرارات شملت مراجعة مشروعات وعقود كبيرة وإلغاء مشروع يتعلق بتوسعة مطار بغداد بسبب شبهات فساد، وهو ما اعتبره مختصون خطوة قد تقلل هدر المال العام إذا تحولت إلى قاعدة مؤسسية ثابتة ولم تصبح سبباً إضافياً لتعطيل المشروعات.

مع ذلك، لا تمنح القراءة الغربية الحكومة شهادة نجاح كاملة في هذا الملف. تحليل نشره «تشاتام هاوس» في 16 تموز وضع الحملة ضمن تاريخ طويل من الهيئات والمجالس والاستراتيجيات التي أنشأها العراق منذ عام 2003 لمحاربة الفساد، مؤكداً أن المشكلة الأساسية لم تكن في غياب أجهزة النزاهة بقدر ما كانت في استمرار الإفلات من العقاب وتشابك المصالح الحزبية مع مؤسسات الدولة. المجلس الأعلى الذي أنشأته حكومة الزيدي للنزاهة والرقابة واسترداد الأموال قد يساعد في تنسيق الأجهزة، لكن قيمته الفعلية ستظهر عندما تصل التحقيقات إلى شبكات ذات حماية سياسية قوية، وليس عندما تقتصر على مسؤولين يمكن التخلي عنهم من القوى التي كانت تدعمهم.

من هذه الزاوية، تبدو المئة يوم الأولى في ملف الفساد بداية أكثر من كونها حصيلة نهائية. فالاعتقالات تمنح الحكومة رصيداً سياسياً سريعاً، والرقابة المسبقة على العقود تمثل تغييراً في أدوات التعامل مع المال العام، لكن التحول البنيوي يحتاج إلى قضاء قادر على استكمال الملفات، وأحكام قابلة للتنفيذ، واسترداد للأموال، وشفافية في العقود، واستمرار للحملة عندما تتعارض مع مصالح حلفاء سياسيين لا خصوم فقط. لذلك لا تتعارض الإشادة بجرأة الإجراءات مع التحفظ على إعلان انتصار مبكر في معركة واجهت فيها الدولة العراقية إخفاقات متكررة على مدى أكثر من عقدين.

السلاح: الفرق بين دمج المقاتلين وإنهاء سلطة الفصيل

تبقى القضية الأكثر حساسية هي السلاح، لأنها لا تتعلق بمجموعة مسلحة موجودة خارج الدولة بصورة كاملة، وإنما بشبكة معقدة من التشكيلات التي دخل بعضها المؤسسات الرسمية والبرلمان والاقتصاد، بينما حافظ بعضها الآخر على قدرات عسكرية وسلسلة قيادة وعلاقات إقليمية تتجاوز التسلسل الرسمي للحكومة.

تحليل «تشاتام هاوس» الذي نشره ريناد منصور في حزيران قدم واحدة من أكثر القراءات الغربية وضوحاً لهذه المعضلة. فالحرب الإقليمية، والضغط الأمريكي، وانشغال إيران بأزماتها، والخوف داخل العراق من تحوله إلى ساحة للحرب، كلها عوامل خلقت بيئة قد تكون أكثر ملاءمة لحكومة الزيدي من الظروف التي عملت فيها الحكومات السابقة. كما أن شخصيات وقوى مسلحة كانت أكثر قرباً من طهران في مراحل سابقة باتت ترى في الاستقرار الداخلي والتمثيل السياسي والمصالح الاقتصادية مكاسب تستحق الحفاظ عليها، وهو ما يجعل الاندماج في الدولة أكثر قبولاً لدى بعضها.

لكن المصدر البريطاني نفسه يرسم خطاً فاصلاً بين الاندماج الإداري ونزع القوة المستقلة، لأن نقل المقاتلين إلى مؤسسة أمنية رسمية لا يعني بالضرورة انتقال ولائهم وقرارهم إلى الحكومة، كما أن إدخال فصيل ضمن هيكل قانوني لا يحسم مسألة الصواريخ والطائرات المسيّرة ومخازن السلاح وسلاسل القيادة التي تمنحه القدرة على التحرك خارج القرار المركزي.

 ويشير التحليل إلى تجارب عراقية سابقة دخلت فيها قوى مسلحة مؤسسات الدولة من دون أن تنقطع علاقاتها السياسية والتنظيمية السابقة، ما يجعل معيار النجاح الحقيقي مرتبطاً بمن يصدر أمر إطلاق النار ومن يستطيع منع استخدام السلاح، وليس بالاسم الذي تحمله الوحدة العسكرية على الورق.

هذه النقطة تفسر أيضاً التباين بين الفصائل في تعاملها مع مشروع الزيدي؛ فقد أبدت جماعات استعداداً أكبر للاندماج، في حين رفضت قوى أكثر ارتباطاً بما يعرف بمحور المقاومة التخلي عن سلاحها، وربط بعضها ذلك بخروج القوات الأجنبية أو بتغير الظروف الإقليمية. وكانت تقارير بحثية أمريكية قد رصدت منذ حزيران مقترحات لدمج عشرات الآلاف من المقاتلين في المؤسسات الأمنية مقابل التخلي عن السلاح، بالتزامن مع رفض فصائل أخرى للمشروع، وهو ما أظهر منذ البداية أن الحكومة لن تتعامل مع كتلة موحدة يمكن إخضاعها لاتفاق سياسي واحد.

اختبار السيادة بعد ضربات تموز

تعرض مشروع الزيدي لامتحان أكثر قسوة عندما استهدفت ضربات أمريكية وسعودية في 29 تموز جماعات عراقية مرتبطة بإيران على خلفية هجمات استهدفت السعودية، إذ وجدت بغداد نفسها أمام معادلة تكشف جوهر المشكلة التي وعد رئيس الوزراء بمعالجتها: جماعات تنطلق من الأراضي العراقية أو تنسب إليها عمليات إقليمية، ودول أخرى ترى أن الحكومة غير قادرة على ضبطها فتقرر التحرك عسكرياً داخل العراق.

وفي السابع من آب، قال الزيدي خلال لقائه رئيس الاستخبارات السعودية خالد الحميدان إن العراق لن يسمح باستخدام أراضيه لتنفيذ هجمات ضد دول أخرى، في وقت كانت فيه الجماعات المتحالفة مع إيران تناقش الرد على الضربات قبل أن تؤجل تحركها بعد تدخل هادي العامري ومواقف سياسية أخرى. مجرد اضطرار الحكومة إلى إدارة أزمة من هذا النوع يوضح أن احتكارها الكامل للقرار الأمني لم يتحقق بعد، حتى وإن كانت قد نجحت في منع التصعيد الفوري.

لهذا كانت قراءة صحيفة «الغارديان» أكثر تشاؤماً من الخطاب الرسمي العراقي، إذ وصفت بغداد بأنها محاصرة بين الولايات المتحدة وإيران، ورأت أن محدودية سيطرة الدولة على بعض الجماعات المسلحة ما زالت تسمح لهذه القوى بالتأثير في الأمن والاقتصاد والعلاقات الإقليمية. الصحيفة لم تنف وجود مساعٍ حكومية للسيطرة على الفصائل أو حملة ضد الفساد، لكنها وضعت تلك الإجراءات أمام واقع أعمق يتمثل في شبكات المحسوبية والتداخل بين السياسة والسلاح والاقتصاد، وهي شبكات يصعب تفكيكها خلال أشهر قليلة.

الغرب لا يرى حكومة ضعيفة بالكامل ولا دولة استعادت سلطتها

من بين التقييمات الغربية الصادرة قرب اكتمال المئة يوم، يقدم تقرير مؤسسة «كونراد أديناور» الألمانية صيغة ربما تكون الأقرب إلى توصيف موقع الزيدي. فالرجل جاء إلى السلطة بلا حزب خاص ولا كتلة برلمانية تحمل اسمه، وهي نقطة كان يمكن النظر إليها باعتبارها ضعفاً مطلقاً، إلا أن التقرير يرى أنها عملت أحياناً لمصلحته لأنها سمحت له بالحركة من دون الارتباط المباشر بشبكة حزبية كبيرة، خصوصاً في الملفات التي يستطيع رئيس الوزراء التعامل معها من خلال الأجهزة التنفيذية. أما عندما يحتاج القرار إلى بناء أغلبية سياسية أو المساس بتوازنات الأحزاب، فإن غياب القاعدة المنظمة يصبح عائقاً واضحاً.

التقرير الألماني يخلص إلى أن الحكومة دفعت مؤسسات الدولة في ملف السلاح إلى نقطة أبعد مما وصلت إليه حكومات سابقة من الناحية التنظيمية، لكن المقياس الأهم ليس الإعلان عن تفكيك جماعة أو إدخال أفرادها إلى الأجهزة الأمنية، بل مدى قدرة بغداد على تقليص قدرة الفصائل تدريجياً على شن هجمات مستقلة وتهديد دول الجوار والعمل خارج القيادة الحكومية. وفي ملف الفساد، ترتبط فرص الزيدي بدرجة كبيرة بعلاقته بالقضاء، لأن المؤسسة القضائية يمكن أن تعوض جزئياً غياب قاعدة برلمانية خاصة به إذا حافظت على استقلالها وقدرتها على تنفيذ الإجراءات.

هذه القراءة تلتقي مع تشاتام هاوس في نقطة مركزية: البيئة المحيطة بالحكومة تغيرت، لكن النظام الذي تعمل داخله لم يتغير بالقدر نفسه. الحرب قللت قدرة شبكات المصالح التقليدية على العمل وفق الإيقاع القديم، والضغط الأمريكي أصبح أكثر علنية، وبعض القوى الشيعية أعادت النظر في جدوى الاحتفاظ بأجنحتها العسكرية المستقلة، إلا أن التاريخ السياسي العراقي يدفع المراقبين الغربيين إلى الحذر من اعتبار هذه الظروف تحولاً دائماً قبل رؤية أثرها في مؤسسات الدولة.

الاقتصاد يضيف قيداً إلى مشروع الإصلاح

دخل الزيدي إلى الحكم وهو مطالب بإعادة بناء سلطة الدولة، لكنه وجد نفسه أيضاً أمام اقتصاد تعرض لضربة مباشرة نتيجة أزمة مضيق هرمز وتراجع قدرة العراق على تصدير نفطه بالمسارات التقليدية. وفي 21 آب أعلن أن العراق يستهدف رفع طاقته الإنتاجية إلى ما بين ثمانية وعشرة ملايين برميل يومياً خلال ست سنوات، بالتوازي مع العمل على تنويع منافذ التصدير باتجاه تركيا وسوريا والأردن لتقليل الاعتماد على الخليج ومضيق هرمز.

هذا الجانب لا ينفصل عن معركتي السلاح والفساد، لأن قدرة أي حكومة عراقية على تحدي شبكات النفوذ تعتمد أيضاً على توفر موارد مالية كافية وتمويل الرواتب والخدمات والاستثمار، فيما يمكن للأزمة الاقتصادية أن تقلص المساحة المتاحة للمواجهة السياسية. كما أن جزءاً كبيراً من الرهان الذي حمله الزيدي إلى واشنطن كان اقتصادياً، إذ سعى إلى استثمارات أمريكية في النفط والغاز والكهرباء وربط تحول العلاقة مع الولايات المتحدة من المسار العسكري إلى شراكة اقتصادية أوسع. «فايننشال تايمز» تابعت هذه المساعي باعتبارها جزءاً من محاولة إعادة توجيه العراق من دون قطع علاقته بإيران، وهي معادلة تمنح الحكومة فرصاً جديدة لكنها تفتح أمامها أيضاً جبهة إضافية من الضغوط الداخلية والخارجية.

المئة يوم: تحرك أكبر من الحصيلة

عند جمع التقييمات الغربية، لا يظهر الزيدي بوصفه رئيس حكومة اكتفى بإعادة إنتاج خطاب الحكومات السابقة، ولا بوصفه قائداً نجح خلال ثلاثة أشهر في تفكيك منظومة سياسية وأمنية تشكلت على امتداد عقدين. هناك فارق واضح بين الملفين اللذين جعلهما في مقدمة مشروعه؛ ففي مكافحة الفساد توجد إجراءات يمكن قياسها، من الاعتقالات إلى إعادة تنظيم الرقابة على العقود ومحاولة استباق الهدر بدلاً من ملاحقته بعد وقوعه، ولذلك تبدو حصيلة الحكومة في هذا الجانب أكثر تقدماً من مجرد الوعود، مع بقاء الامتحان الأصعب في قدرة القضاء على تحويل الحملات إلى أحكام واسترداد للأموال وإصلاح دائم.

أما في ملف السلاح، فقد تحركت الحكومة أبعد من مستوى التجاهل أو التعايش المفتوح مع المشكلة، ودفعت بعض القوى نحو الاندماج ووضعت موعداً سياسياً واضحاً لحصر السلاح، لكنها لم تثبت حتى نهاية المئة يوم أن القرار العسكري أصبح موحداً أو أن الفصائل الأكثر تشدداً فقدت قدرتها على التصرف بصورة مستقلة. ولهذا يبدو تاريخ 30 أيلول أكثر أهمية من المئة يوم نفسها، لأنه الموعد الذي وضعه الزيدي في قلب تعهداته وسيكشف طبيعة المقصود بحصر السلاح: هل يتعلق بتغيير حقيقي في القيادة والقدرات العسكرية، أم بعملية إعادة تنظيم تجعل الجماعات جزءاً من الدولة قانونياً مع بقاء مراكز القوة الفعلية على حالها.

ومن واشنطن إلى لندن وبرلين، لا يظهر إجماع غربي على نجاح حكومة الزيدي أو فشلها، لكن هناك تقارباً في تشخيص المرحلة؛ الرجل أظهر خلال الأشهر الأولى استعداداً لاستخدام أدوات الدولة بصورة أكثر حدة في ملفات شديدة الحساسية، واستطاع بناء علاقة قوية مع الإدارة الأمريكية وفتح مسارات اقتصادية جديدة، فيما بقيت قدرته على تحويل هذا الزخم إلى سلطة مؤسسية مستقرة موضع الاختبار. «تشاتام هاوس» يرى فرصة تاريخية لا تزال مهددة بالبنى القديمة، و«كونراد أديناور» يرى رئيساً يمتلك مرونة تنفيذية تقابلها هشاشة سياسية، و«فايننشال تايمز» تنظر إلى انفتاحه على واشنطن بإيجابية مشوبة بالشك في قابلية الوعود الأمنية للتنفيذ، بينما تعكس «الغارديان» الصورة الأكثر تحفظاً عبر التشديد على أن قدرة الدولة على التحكم بالفصائل ما زالت محدودة.

بهذا المعنى، لم تكن المئة يوم الأولى حكماً نهائياً على حكومة الزيدي بقدر ما كانت انتقالاً من مرحلة إعلان النيات إلى مرحلة أصبحت فيها الوعود قابلة للقياس. ما جرى في ملف الفساد يمنحه حجة للقول إن حكومته بدأت باستخدام أدوات لم تبق على الورق، لكن مستقبل الحملة سيحدده وصولها إلى مراكز النفوذ المحمية سياسياً. 

وما جرى في ملف السلاح يكشف أن الحكومة استطاعت فتح المواجهة السياسية مع قضية ظلت معلقة لسنوات، من دون أن تحسم بعد الصراع على من يملك القرار النهائي باستخدام القوة. وإذا كانت المئة يوم قد اختبرت رغبة الزيدي في تغيير قواعد العمل داخل الدولة، فإن ما بعد 30 أيلول سيقدم الاختبار الأدق لقدرتها على فرض تلك القواعد على القوى التي اعتادت أن تكون جزءاً من الدولة وخارج سلطتها في الوقت نفسه.

ذات صلة

مزايا المال والسبل المشروعة لصرفهمركز الفرات ناقش.. نظام الحكم في العراق ومفارقة النفط والاقتصادالتربية على العقوق!قبل أن نصنع العقل السياسي الجديدهل جريمة الخطف من الجرائم المستمرة؟